القصة ….
بقلم :عزيز سدري – كاتب مغربي يقيم في امريكا
جَلسنا في ركن المقهى المُطِّل على الشارع الرئيسي وحيدين، وبيننا وبين العالم الخارجي زُجاج مُعَشَّق، تُداعب صلابته رصاصات المطر المنهمر عليه من الخارج، كما تَنعكس عليه إنارة أعمدة الشارع ولوحاته الإشهارية وأضواء السيارات ومزيج بلوري من الأنوار الهُلامية في لوحة بديعة، رفيعة، علاوة على ضوء القمر الذي رسم قرصه بحرفية لا مُتناهية على قارعة الطريق العامرة بالمياه، صورة لا تستطيع أن ترسمها أنامل عباقرة الرسامين، حتى ولو بُعث ليوناردو دا فينشي من ظُلمة قَبره لِيرسمها.
كعادة اللقاءت الأولى يَكون الخجل سيِّد الموقف، والاشتياق بقدر شوق الرضيع إلى ذراع أمه، والكلام بوزن شُعيرات الزعفران الإيراني، والبوح بقطرات إبرة سُتحقن في وريد الذكريات الغابرة السحيقة .
أهديتها وردةً، فتَكلم عِطرها أولاً قَبل أن ترتعش شَفتاها بِمسك الكلام، ومع كل نسيم يَحمل عَبيرها وعبير ما أهديتها، أجدني أستنشق لِترات مُضاعفة من الأحاسيس الهياجة، لا تستقر في أنياط القلب إلاَّ لتحدث رنَّةً يهتز لها عرش شرياني، أو كمن يَضغط على زر من أزرار آلة البيانو فينبض نغمةً فريدةً تُذيب برودة المكان وصمتنا..
ربما هي طرقة عَنيفة على عضلتي اليسرى التي لم تُطِّل على نافذة الحب منذ أن أغلقتُ بابها بإحكام.
بادرت بكلام شِبهِ مُغمغمٍ لتكسير جليد الصمت قائلاً:
– ماذا تشربين يا (جُوديا )..!!؟
رفعت رأسها بخجل الصِغار وفاهت : أَشرب Cappuccino عزيزي ..!!
طَلبت قَهوتها التي سَتُوقظني، وأخدت لروحيَّ شايّاً مُعطراً بأعواد القرفة والياسمين عسى أن يُوقظها، ويسقي الجفاف الذي سكن روحي قبل سنوات عِجاف، على أمل أن يُزهر من جديد .
قرعنا الكؤوس لتدق وتدشن حديثنا كمن يُشعل النار ليطبخ طَعامه..
كانت (جوديا ) تتكلم وأنا أتذوق الآيات التي تتقطر من ثغرها وكأنه شهد عسل بري، وكنت أتحدث وهي ترشف قَهوتها وتتذوق معها كلماتي..
بدأ الحديث بالطقس وتقلباته، لكن طُقوس الجلسة سافرت بي كَمتعبد صوفي ارتفع مد إيمانه بالنظر الثاقب إلى مآقي عَيّنيها… ثم ارتفعت روحي فوق رموش سحابها، وما عرفت نفسي على مدى تاريخها الطويل فترةً من تشرّد القلب والذهن كهذه اللحظة السريالية التي أتخبط فيها كأعمى يُحاول تلمس طريقه في دياجير الليل.
هل هذه علامات رجل مَسحور خرج لتوه من حضرة مُلوك وأمراء الجن ..!!
أسأل نفسي وأنا الذي بُحت لها قُبيل لحظات ” أنني لو كُنتُ جِنيّاً يا جوديا لَسكنت روحك وإلى الأبد” .. قَرأتُ في ضوء عَينيها علامات الدهشة مرفوقة بإعجاب شديد، وكأن كلماتي كانت عُربون صداق للطمأنينة والاستقرار، مما شجعني على مواصلة الحديث ورمي المزيد من الكلمات في شِباكها، لعلي أقتنص عروق وجدانها.. وأنا الذي أقول دائماً أن ” أخطر اللعب، اللعب بالكلمات، فاحذر أن تحترق بكلماتي ” .. أما حروفي التي أمددها شعوراً فياضًا (لجوديا ) فهي بمثابة الوسادة التي ستُسند عليها الظهر كله والغطاء الذي يَحميها من قر البرد وتقلباته ومن أهاويل الزلازل وظلمة الكهوف.
كانت الساعة تُشير إلى الحادية عشر ليلا،ً إلا من نبضات أرواحنا، إن الثواني والدقائق والساعات تذوب في حضرتك يا ( جوديا ) كما يذوب الملح في ذرات الماء وجزيئاته .. يكفي أن أسمع رنات قَلبكِ فَيتبخر الزمن..
طلبت مني أن نتمشى تحت قطرات المطر وضوء القمر دون مِظلة.. فُقلت لها ” ألا تخافين أن يبتل جسدك برصاصات المطر ..!!
ابتسمت حتى احمرت وجنتيها خَجلاً وقالت ” لقد ابتلت روحي بدفء كلماتك، فكيف لجسدي أن يَبرد..!!
سِرنا معنا بين مجاهل الدروب والأزقة بدون خريطة ولا دليل ، تائهين في الأحاديث والحكاوي كالدخان.. إلى أن وصلنا إلى حديقة المدينة، أمسكت الوردة التي أهديتها بكلتا يديها وداعبت أديم التربة، ثم غَرستها بجانب شجرة مُسنة وحيدة في ركن الحديقة التي تُطِّل على الشارع الرئيسي من قلبنا وقالت ” سأدفن وردتك ها هُنا لِتشهد على لقاءنا الأول لعلها تُزهر “.
ثم ودعتني بابتسامة، وواعدتني بلقاء آخر .. وفي ركن آخر من أركان الحب ومرافىء اللهفة والحنين..
على أمل أن يزهر الحب في حدائق ومقاهي ركننا القصي





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

