دراسات ….
د. بَلِيغ حَمْدِي إِسْمَاعِيل – مصر ….
أسْتَاذُ المَنَاهِجِ وَطَرَائِقِ تَدْرِيسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المُسَاعِد
تَحْتَاجُ مُجْتَمعَاتُنا العَربِيَّة والإسْلامِيَّة إلى خٍطابٍ إسْلاميٍّ جَدِيدٍ ، ولَيسَ مُجرَّد التَّطْوِيرِ في مَظهَرِهِ القَائِمِ على فِكرةِ الطِّلاءِ الخَارِجيِّ ، وإنَّما يَتَطلَّب فِعل التَجْدِيدِ تَغييرا نَوعِيًّا في بنيَةِ الخِطَابِ وأولَويَّاتِه ، ومَوضُوعَاته ، ومن ثمَّ إعادة صيَاغَةِ أطروحَاتِه ، وتَجْدِيد وتحديثِ تقنياتِ هذا الخِطَابِ ووسَائِله ، والأهم مِن ذَلك تَطويرِ قُدراتِ حَامِلي هذا الخِطَاب ومُنتِجيه أيضًا ؛ من أجلِ تَلبيةِ احتياجَات الفَردِ والمجتمعِ في ظلِّ الظُّروفِ الآنيَةِ ، والإحْدَاثيَّات المُتسَارعَةِ الرَّاهنةِ ، واستجَابة للتَّحدِّياتِ التي تُواجه المجتَمعَات العَربيَّة ، في سِياقِ حَركةِ تفاعلِها مع مَا يَجري حَولها وفق مُعطَياتِ التَّثِويرِ التُّكنُولُوجيِّ من نَاحية ، والتَّوَجُّهَات المَعْرِفِيَّة المُعاصِرَة من نَاحيةٍ أخرَى .
ولقد جَاءَتْ الشَّريعَةُ الإسْلاميَّةُ بِمدحِ التَجْدِيدِ ، وبيان أهمِّيتِه ، بل إنَّ نُصوصَ الشَّرعِ الشَّرِيفِ ـ نفسها ـ تؤكِّد ذلك المعنى ، فالشَّرعُ الشَّرِيفُ يحدثنا عن التَجْدِيدِ باعتِبَارِه أمرًا وَاجِب التَّنفيذِ ، ويَحث عليه المسلِمِين وذلك في مقامِ الإيمانِ ، فإنَّ الإيمَانَ نفسه يَبلى ويخلق ويَحتَاج إلى أنْ يجددَ في قُلوبِ الموحِّدِين ، وذلك في قولِ النَّبي ( صلَّى الله عليه وسلم ) لأصحابِهِ : ” جدِّدُوا إيمَانكم ” ، قِيل يا رَسولَ الله : وكَيف نُجدِّد إيمَاننا . قَال : أكثِروا من قَول لا إله إلا الله ” ، وتَارة يحدثنا الشَّرع عن التَجْدِيد في الدِّين باعْتِبارِ أنَّه نِعمةٌ يَمُن الله بهَا على هذه الأمةِ الخَاتمَةِ”.
ولِهذهِ الأسبَاب ، دَعتْ الحَاجَة إلى خِطَابٍ دينيٍّ بنَائيٍّ وليس إنشَائيًّا ؛ يدفع حَركةَ المجتمعِ عبر الفَرزِ بين قِيمِ التَّحلِّي وقِيمِ التَّخلِّي ، ويَسْعى ـ هَذا الخِطَابُ الدينيُّ ـ إلى إدْرَاك سُنَنِ التَّغيير الحَضَاريِّ ، بحيث يعيد للإنسَانِ المسلمِ دوره وفَاعلِيته وحُضُوره في حَرَكةِ المجتمعِ ، وهَذا الخِطَابُ يَنبغي أن ينبعَ أولا من طَبيعَةِ الإسْلامِ الذي يَنطَوِي على دَعوةٍ مستدامةٍ إلى التَجْدِيد ، والتَجْدِيد لا يَعني تَغيير جَوهَرِ الدِّينِ أو أصُولِهِ ، وإنَّما يعني إعَادته إلى النَّقَاءِ الذي كَان عليه يوم نَشْأتِه ؛ حيث الأصَالَة الفِكرِيَّة لأركَانِهِ وثَوابتِه ، عن طَرِيقِ تَجْدِيد الإيمَانِ به والالتِزَام بِتعالِيمِه الصَّحِيحَةِ بعيدًا عمَّا قد يعتريها من لغَطٍ وشَوائِب ، فضلا عن قُدرتِه عَلى استِيعابِ مُستجداتِ العَصرِ وتَوجهَاته المَعْرِفِيَّة المعاصِرة ِ، وما تحمله من قَضَايَا لم تكن معروفةً من قبل ، وهي بذلك بحاجَةٍ إلى بيانٍ وتوضيحِ موقفِ الدِّين منهَا .
مَصْطَلَحُ التَّجْدِيدِ :
تجدر الإشَارَةُ إلى أنَّ المقصُودَ بالتَجْدِيد هنا هو تَجْدِيد الخِطَاب ِوالفِكرِ الإسْلاميِّ ، ويحسن التَّمييز بين النَّصِ الدينيِّ من نَاحِية ، والفِكر والخِطَابِ الدِّينيِّ من نَاحيةٍ أخرى . فالنَّص يتمثل في القرآنِ الكريمِ والحَدِيثِ الشَّريفِ الصَّحِيحِ والثَّابِت وهما أصْلان يتَّسمان بالثَّباتِ المُطلقِ والأصَالةِ ، وهو نصٌّ يحملُ بين طياتِه التَّجدُّدَ التِّلقَائيَّ ، الأمر الذي يسمح له بالوَفاءِ بالاحتِيَاجاتِ الطَّارئةِ والمُستَقبليَّةِ .
أما الخطَاب الدينيّ ، فهو ما يتعلَّق بالفكرِ الذي اجتهد في استنباطِ أحكامِه من النَّص الثابت، وهذا الخطاب هو أولى بالتَجْدِيد نظرًا لعوامل أعاقت تَجْدِيده وتطويره. ووفقًا لهذا ، فإنَّ التَجْدِيد ” لا يعني المساس بثوابتِ العقيدةِ والعباداتِ ونصوص القُرآنِ الكَريم والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة ، إنما يعني إعمَال العَقلِ في المشكلات المعاصرة لاستنباطِ الأحكام الشَّرعية المُناسبة ، والحلُول الملائِمة لوَضع الأمَّةِ الإسلاميَّةِ على طَريقِ النُّهوضِ الحَضاريِّ .
قَضِيَّةُ تَجْدِيدِ الخِطَابِ الدِّينِيِّ :
ولا شَك أنَّ قضيةَ تَجْدِيد الخطَابِ الدينيِّ تَحتل أهمِّيةً بَالغةً في وقتِنَا الرَّاهن ؛ نَتيجة لما يَرتبط بهذا الخطاب من التباسٍ ، وبما يكتنف بعضه من غُموضٍ قد يخرجه ـ أحيانا ـ عن جادةِ الصَّوابِ ، من قبل فريقٍ يسعى جاهدا بأدَواتٍ فقيرةٍ استغلال قَضية تَجْدِيد الخِطَابِ الدِّينيِّ للعبث بأصُولِ الدِّين وثوابتِه وأعمدته الرَّئيسَة ، وفي مُقابل هذا الفَريق نَرى فريقًا آخر يجلس على الشَّاطِئ المقابل يرى أنَّ أية محاولةٍ لفتحِ بابِ التَجْدِيد هو خُرُوج عَن الإسلامِ ويَجب مُقاومته والتَّصَدِّي له . وأدى ذلك كله إلى ظُهورِ تيارين في ظلِّ تصاعد الحَديث عن قَضيةِ تَجْدِيد الفِكرِ الدِّينيِّ ؛ أحدهما يرفض الإصلاحَ عامة ، واختار طَواعيَةً طريقَ العُنفِ والتَّطرُّفِ والإرهَابِ ، فقدَّم بذلك صُورَة سَلبيَّة ومسيئة عن الإسلامِ ، والآخر تيار إصلاحِي وسطي يسعى إلى تَقديمِ خطابٍ دينيٍّ يؤكد على إعمَالِ العقلِ ، والتَجْدِيد المستدام وموافقة التَّغييراتِ المعاصرةِ ، ويَجعل من تَجْدِيد الخِطابِ الدِّينيِّ حتميةً وسبيلا للتَّعبيرِ عن الإسلامِ الصالحِ لكل زمانٍ ومكَانٍ .
ضَرَورَةُ التَّجْدِيدِ :
ولكن الواقع يؤكد أن الخِطابَ الدِّينيَّ المعاصرَ رغم مُحَاولات تَجْدِيده يُعاني من أزمةٍ حقيقيَّةٍ ترتبط بِشكلٍ وثيقٍ بالأزمةِ الحَضَاريَّةِ التي تُعاني منها المجتمعات الإسلاميَّة ، لذلك ترجع ضَرورة تَجْدِيد الخِطابِ الدِّينيِّ إلى الحَالةِ التي تعيشها مُجتمَعاتنا الإسْلاميَّة اليَوم من انتِكاسةٍ افقدتها الكثير من منهجيتها وصوابها ؛ حيث انحسرَ شهودها الحَضاري ، وعَجَزت عن التَّقوِيم والمرَاجعةِ ومَعرفةِ أسبابِ القُصُورِ ، وتوقفت عن أدَاءِ رسالتِها في الشَّهادةِ على النَّاسِ والقِيادَة لهم .
ويَرى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر أن التَجْدِيد خَاصَّةٌ لازمةٌ من خواصِ دينِ الإسلامِ ، نَبّه عليها النَّبيُّ ( صلى الله عليه وسلم ) في قَولِه الشَّريف : ” إنَّ اللهَ يبعثُ لهذِه الأمَّة عَلى رأسِ كلِّ مئة سنةٍ مَن يجدِّد لهَا دينها ” ، وهذا هو دليل النَّقل على وجوبِ التَجْدِيد في الدِّين ، أما دليل العقلِ فهو ” أننا لو سلمنا أن رسالة الإسلام رسالة عامة للناس جميعا ، وأنها باقيةٌ وصالحةٌ لكل زمانٍ ومَكانٍ ، وأنَّ النُّصوصَ مَحدودةٌ ، والحَادثَات لا محدودة ؛ فبِالضَّرورةِ لا مَفرَ لك من إقرارِ فَرضيَّة التَجْدِيد آلة محتمة لاستكشافِ حُكم الله في هذه الحَوادثِ ” .
وإذا كَان مُعظمُ رِجالِ الدِّينِ الإسلاميِّ والفِكرِ والتَّربية ينادون بِحتميةِ تَجْدِيد الخِطابِ الدِّينيِّ ، فإنَّ هُنَاك ثمة عَوامِل وأسبَاب تَدفع بِضَرورةِ الجديَّة في تَجْدِيد هذا الخِطَاب ، يمكن حصرها في الفَهم الخَاطِئ لنُصوصِ الكِتابِ والسنَّة ، وتصدُّر أشبَاه المثقَفين للفَتوى ، والتَّسَرع في إصدارِ الأحْكامِ الشَّرعيَّةِ دون رويَّةٍ ، وظُهور خِطَابٍ دينيٍّ مُتشَدِّد يعتمد التَّكفيرَ مَنهجًا لَه وعقيدة وسُلوكًا يَسعى إلى نَشرِه ، والتَّروِيج له بشتى الطرق والوسائل ، فضلا عن الانشغال بالدِّفاعِ عن الإسلامِ ، دون مُحَاولَة إنتاج فكر دينيٍّ جَديدٍ أو حتى إعادةِ الأفكَارِ الأسَاسيَّة للدين للظهور مرة أخرى .
التَّجْدِيدُ والنِّظَامُ التَّعْلِيمِيُّ :
وعليه ، فإنَّ النِّظامَ التَّربَويَّ بمؤسَّساتِه المختلفةِ تتحمل المسئوليَّة والأمَانَة والعبء الأكبر تجاه إعداد الشَّبابِ المُسلم للحَياةِ الآنيَةِ ، وللمُستَقبل الآتِي ، وما يصَاحب هذا المستقبل من تَطَورٍ عِلميٍّ وتقنيٍّ وحضاريٍّ ، وبما يمكِّن هذا الشَّباب من مُواجَهةِ التَّحدِّياتِ والعقَباتِ المحتَملة التي قد تعيق تقدمهم ونَهضَتهم في ظلِّ عَقيدةٍ سليمةٍ وصحيحةٍ وصالحةٍ.
ولتلك الأسباب فإن هناك ضَرورةِ لتَطويرِ المقررات الدِّراسِيةِ الدِّينيَّةِ بمَا يتناسب مع مُتطلباتِ وحاجاتِ المتعلمين واشتِمالهَا على المفَاهِيم والقَضَايَا المعاصِرة المتَّصلة بواقعِهم وحياتهم ؛ وذلك لِتجنيبهم الحيرة الذِّهنيَّة ، أو إبعَادهم عن مغَبَّةِ الانقيَادِ حول ما يثار ويغزو عقُولهم وثقافتهم تجاه عقيدتهم ، كما أشَارت نَتائجُ الدِّرَاسَات السَّابِقَة إلى بُزُوغ عدةِ قَضَايَا جَدليَّةٍ على السَّاحةِ تتقاذفها الآراء بين الصِّحةِ والخَطأ ، وبين الرفضِ والقبولِ ، حتى أنَّ هذه القَضَايَا والمشكلات التي تتضمنها أصبحتْ مثارَ جدلٍ فهل هي مُستحدثة أم مُستحسنة أم سلبيَّة ؟ ومن هنا ظَهرت الحَاجةُ إلى ضرورةِ تقويمِ المقرراتِ الدراسيَّةِ الدِّينيَّة لتعرف مدى قُدرتها علَى التَّصَدِّي لهذه المشكلات ومعالجة تلك القَضَايَا.
ويعد الخِطابُ الدِّينيُّ المعاصر من أخطر القَضَايَا وأهمها التي تُثار في الحياة الرَّاهنة للمسلمين ، وترجع تلك الأهمية والخطورة إلى شيوع الأميَّةِ الدِّينيَّةِ في أواسط المسلمين ، فضلا عن الغَزو الثَّقافِيِّ الغربيِّ والحَملات الإعلاميَّة الشَّرسَة التي تُواجه الإسلام والمجتمعَات الإسْلاميَّة . ويقصد بالخطاب الديني ” فهم الفقيه للإسلامِ ، والصيغة المعينَة التي يعبر بها على فهمه الأول ، وهو نص شرعي أو ما في حكم النص ، وفهم بشري لمعاني النَّصِّ الشَّرعيِّ ولهذا فلا يمتنع أن يتجدد الفهم ويتغير ويقصد به أيضا أنه ” خطابُ الدُّعاةِ والوعاظِ والخطباء والمفتين والباحثين ، حيث يقدم إلى الجمهورِ على أنَّه الوصْفُ السليمُ والفَهمُ الصَّحيحُ للإسلامِ في عَقيدتِه ونظامهِ الأخلاقيِّ وآدابه وشريعته ” .
وباسْتقراءِ المواضَعاتِ المختلفةِ لمفهومِ تَجْدِيد الخِطاب الدينيِّ يمكن توصيفُ المصطلحِ من خلالِ التَّأكيد على مجموعة من الاستنتاجات الرئيسة منها أن التَجْدِيد في الخطاب الديني يقصد به إصدار أحكام بشَأن القَضَايَا المعاصرة وفق معايير منضبطة وثابتة بقيمِ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، كما يعتبر الغرض الأبرز من تَجْدِيد الخطابِ الدِّينيِّ هو تحقيق الإفهامِ للإسلام الصحيحِ وتغيير سلوكِ المسلمِ وتعديل أنماطه المَعْرِفِيَّة وفق ضوابط الدِّينِ الإسلاميِّ ، كذلك التَجْدِيد في الخِطاب الدينيِّ يعني العودة إلى المنابعِ والأصولِ عودة كاملة وصافية بهدفِ تحقيق فهمٍ صحيحٍ لها ومعالجة قَضَايَا ومشكلات الواقع في ضوئها .
ولقد جاءتْ الدَّعوة إلى تَجْدِيد الخطاب الديني عبر التَّاريخ نظرا للشعور بالحاجة المستدامة إلى تَجْدِيد تطوري يضمن فهم الإسلام وقواعده ، ولقد وضَّح أمين الخولي أن التَجْدِيدَ في الخطابِ الدينيِّ بدأ مبكرًا منذ القرنِ الثَّالث الهِجري ، ولا شك أن تدافع أسباب تَجْدِيد الخطابِ الديني في كل زمان مفَاده تحقيق استمرار حيويَّةِ الإسلامِ وصلاحيته لكل زمان ومكان ، ومسايرته للتَّقدم الإنْساني المتَّصل .
ويمكن تحديد جُملة من الأسباب والعوامل التي تجعل من تَجْدِيدِ الخطابِ الدِّينيِّ الراهن ضرورة حَتمية وحاجة ملحة من مثل جُنوح الخطاب الديني ـ أحيانًا ـ إلى التجريح الشخصي أو الطائفي ، فيضعف أثره ويقوى ضرره ، أيضا ما ألصق بالدينِ الإسلاميِّ من عاداتٍ غير صحيحةٍ وهي خرافاتٌ بعيدة عن جوهر الإسلام وصحيحه.، كذلك رسوخ العقل العربي تحت قيودِ الوهمِ والخرافات التي تحول بينه وين الإبداع والتَجْدِيد ، وتوقف عقل الأمة الإسلامية عن الإضافة ، بالإضافة إلى شيوع الفَهمِ الخَاطئ لنصوص الكتاب والسنة لدى العامة ، وتصدُّر أشباه المثقفين غير المتخصصين للفتوى ، والتسرع في إصدار الأحكام الشرعية دون تعمق أو وعي بفقه الواقع . وأيضا تعرض الهوية الإسلامية لمحاولات المسخ والمحو الممنهجة من قبل الدراسَات الاستشراقيَّة التي تروج لضعفِ الحضارةِ الإسلاميةِ الرَّاهنةِ .
أبْعَادُ تَجْدِيدِ الخِطَابِ الدِّينِيِّ :
أما أبعاد تَجْدِيد الخطاب الديني فهي مجموعة من التَّوَجُّهَات أو المعتقدات الدينية في موضوع معين أو قضية محددة ( اجتماعية ـ اقتصادية ـ سياسية ـ ثقافية ـ بيئية ـ صحية ) تتسم بالثبات كونها ترتكز على ضوابط العقيدة الإسلامية وأركانها الراسخة ، وتنسجم مع متطلبات العصر ، ويمكن تحديد أبعاد تَجْدِيد الخطاب الدِّيني في ضوء ما أسفرت عنه وثائق تَجْدِيد الخطاب الديني الصادرة عن الأزهر الشريف ( 2011م ) ، ووزارة الأوقاف المصرية في ( 2015 ) ، وكذلك القانون رقم ( 51 ) لسنة 2015 الصادر عن رئيس الجمهورية المصري عبد الفتاح السيسي ، وهي على النحو الآتي :
أ ـ اقْتِصَاد الدَّعوَةِ في الغَيبيَّاتِ :
وذلك من أجل إراحةِ العقلِ من الدخول في تفاصيل قد تؤدي إلى كثير من الغموض والالتباس ، والاكتفاء بالإجمال في معرفة الغيبيات للإيمان بها ، مع النهي عن التفكير في دقائق ما يطلب الإيمان به . وهذا يتطلب من الخطاب الديني أن يعمق الإيمان بالغيب وبالآخرة . ويتضمن هذا البعد أيضا عدم تورط الإسلام في فرضيات العلم النسبية .
ب ـ الاجْتِهاد وفق الأصُولِ :
بمعنى جعل الاجتِهاد العقليِّ أساسًا للحياةِ الإسلاميَّة وفق ضوابط النَّصِّ القرآنيِّ والسُّنَّة النبوية ؛ بحيث يكون هذا الاجتهاد سَبِيلا للوفاءِ بجَديدِ حاجَاتِ الحياةِ نفسها . ولابد وأن يرتكز الخطاب على السَّند الشَّرعِي والأدلة الوُجوبيَّة من القرآنِ والسنةِ . والإسْلام حِين أقرَّ مبدأ الاجتهادِ فإن ذَلك جَاء انطلاقًا من حَقيقةٍ مفادها أن الحياةَ متجددة ومتطورة باستمرارٍ ، ويرى ( زقزوق ، 2018 : 19 ) أن الاجتهَاد هُو الآليَّة المشْروعَة التي تُسَاعد المسلم على تَطويرِ حَياتهِ ومجتمعِه والمشَاركة بِفاعليَّة في بنَاء السَّلام والاستقرار في نفسه وفي مجتمعه .
ت ـ شُمُولُ الرُّؤيَةِ المَعْرِفِيَّة في التَّنَاوُلِ :
بمعنى أن الخطاب الديني يصدر عن رؤية معرفية شاملة يولد منها منظومات فرعيَّة مُختلفة : أخلاقية ، وسياسيَّة ، واقتصاديَّة ، وجمَالية . لِذلك حَرصَت الوثائق الرسمية التي دعت إلى ضرورةِ تَجْدِيد الخِطابِ الدِّينيِّ بأن يكون النَّاظِر في المسائلِ والقَضَايَا والنوازل على قدر كاف من اليقظة وجودة الذِّهن والمعرفةِ بالناس والمعرفةِ بالواقعِ المحيط به .
ث ـ التَّنمِيةُ المسْتَدَامَةُ:
ينبغي أن يتضمن الخطاب الدينيِّ قوة هائلة إيجابية تشحذ طاقات الفرد للبناءِ والإعمار والإنتاج ، والإخلاص في العملِ وتنميةِ المجتمعِ .
ج ـ نَبذُ العُنفِ والغُلُو في التَّكفيرِ :
من أبرز أبعاد تَجْدِيد الخطاب الديني المعاصر نبذ العنف وتأكيد قيمة الحوار وترسيخ أدب الاختلاف في الرَّأي ، بحيث يتم التمسك بالطرائق السلمية في التغيير ، والتحول من فكرة تفجير الجسدِ إلى تفجيرِ طاقاتِ العقلِ ، مع نبذ فكرةِ الغلو في تكفيرِ الفردِ والمجتمع .
خ ـ التَّوازُنُ والوَسَطيَّةُ :
ويقصد به التوازن في المزج بين العلمِ والفكر والعاطفة عند تناول القَضَايَا المعاصرة ، والتوازن في تناول حاجات المجتمع وفق أولويات تلك الحاجات ، فضلا عن التوازن على مستوى اللغة المستخدمة في الخطابِ الدِّيني . ويشترط في الخطابِ الدينيِّ أن يتمتعَ بالوسطية ، حيث يمتاز الدين الإسلامي بالاعتدال وتجنب الغلو والتَّقصيرِ ، والميل إلى العدلِ ، يقولُ تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) ( سورة البقرة ،آية 143).
د ـ مَنْهَجُ عَرضِ الخِطَابِ :
بحيث يَنبغي أن تتوافر في الخِطابِ الدِّينيِّ المعاصر مجموعة من السماتِ التي تجعله يحقق أكبر عدد ممكن من أهدافِه في فهمِ الإسلامِ الصَّحيحِ ومنها التنظيم والترتيب المنطقي في عرض الأفكار، و الاقتصاد في التَّعبير مَنعا لِلغموضِ والإبهام في الفهمِ ، والرَّبط بين الأسبابِ والمقدِّماتِ والنَّتائجِ . وضرورة التركيزِ على المصطلحِ وضبطِه.
ذ ـ تَأكِيدُ مَقَاصِد الشَّريْعَةِ الإسْلامِيَّةِ :
يقصد بالمقاصدِ الشَّرعية المعانيَ والحكمَ الملحوظةَ للشَّارعِ في جميعِ أحوالِ التشريعِ أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكونِ في نوعٍ خاص من أحكامِ الشَّريعة ، فيدخل في هذا أوصاف الشَّريعةِ وغايتها العامَّة ، والمعاني التي لا يخلو التَّشريع عن ملاحظتها.
ر ـ التَّخْصِيصُ في التَجْدِيدِ :
بمعنى الرُّجوع إلى أهلِ الاختِصاصِ في المسَائلِ الفقهيَّةِ ، وهو مسألة ضرورية للنجاح في مضمَار التَجْدِيد والتغيير في حياةِ الأمَّةِ . وفي هذا البعد يتم تقديم الشَّرعِ عَلى العقلِ ، وهذا لا يعني إنكار العقلِ أو الدعوة لعدم إعمالِه ؛ فللعقلِ دورٌ عظيمٌ في الإسلامِ ، والقرآن الكريمُ حضَّ على استخدامِ التَّأملِ والتَّدبر ، مثل قوله تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) ( سورة الغاشية ، 17، آية 20 ) .
ز ـ العِنَايَةُ بالتَّأصِيلِ والتَّخْريْجِ :
بمعنى ضَرورة أنْ يهتمَ الخِطابَ الدِّينيِّ ـ لاسيما المكتوب ـ بذكر أسماء السور القرآنية وأرقام آياتها الواردة به ، وكذلك السَّعي في تَخريج الأحَاديث النَّبويَّةِ الشَّريفَةِ .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

