ابداعات عربية …
من سلسلة ” الأعمال المجهولة ” لدار الربس للكتب والنشر هذا الكتاب المطبوع في السنة 1998. وقد أوفى الكاتب جحا، فرح أنطون، وأبرز خير ما قدمه للعالم العربي، وكان الأخير سابقاً لزمانه كثيراً. ولد في السنة 1874 ووتوفي السنة 1922.
ويتساءل المؤلف لماذا الاهتمام بفرح أنطون وتسليط الضوء عليه الآن؟ ويجيب لأن فرح أنطون من رواد النهضة العربية ، عمل في الصحافة فأسس مجلة ” الجامعة ” في الاسكندرية التي استقر فيها في السنة 1897، فأصدر منها سبعة مجلدات، وفي عام 1906 نزح إلى نيويورك حيث تابع إصدار مجلته هذه، ولكنه لم يلق نجاحاً هناك فعاد إلى مصر ورجع للعمل في الصحافة والتأليف إلى أن توفي من الإرهاق في السنة 1923 وعمره لم يتعد الثامنة والأربعين.
بالإضافة لكونه صحفيا بارزاً، وكاتبا اجتماعياً ، وصاحب فكر فلسفي، وكاتبٍ روائي ومسرحي، وشاعرٍ, فقد عمل على ترجمة بعض المؤلفات الغربية، وناصر الحركات الوطنية، ودعا للثورة والتحرر منذ أكثر من قرن. ويقدر الكاتب جحا أن سيرة وكتابات فرح أنطون مهمة اليوم أكثر من أي وقتٍ آخر.
شهد كتابٌ كثيرون بأن فرح أنطون كان من أبرز عناصر الفئة المثقفة العربية التي برزت على المسرح السياسي والاجتماعي في الدولة العثمانية، وأحد المعبرين عن حركة التحرر الوطني، وحركة التنوير. فقد تأثر بأفكار روسو وفولتير ورينان ومونتسكيو، وكان داعيةً للتسامح الديني والسياسي والاجتماعي بين المسيحيين والمسلمين. وأنه كان يكتب كإنسان، لا كمسلمٍ أو مسيحيّ، بل باسم الإنسانية. كما تأثر بداروين ونيتشة وماركس وتولستوي وابن رشد وابن الطفيل والغزالي والخيام.
وقد قدم الدكتور ” طيب تيزيني ” لكتاب أنطون ” ابن رشد وفلسفته :
” إن المفكر المنوّر فرح أنطون ينطلق من أن تحرير العقول من التعصب الديني وضيق الأفق العقلي يمثل المدخل إلى فهم كيفية تحقيق التقدم في الشرق. ولذلك كان يهدف من وراءها إلى الحث على التفكير العقلي المتسامح والكوني “.
وكمثالٍ على ما نقول نقتطف من كتابه ” الدين والعلم والمال ” التالي:
” معاذ الله أن نروم هدم الدين كما تفترون علينا، وإنما نروم هدم الأوهام والخزعبلات في الدين. فلماذا تجعلون هذه قسما منه؟ وأول هذه الخزعبلات قولكم أن الإنسان لا يمكن له أن يعبد الله ، أو يفهم الكتب الدينية إلا بوساطة كاهنٍ أو شيخ. وبذلك تضعون أنفسكم بين الله وعباده، رفعاً لشأنكم وطلباُ لأنفسكم الفائدة “.
وتقول سمر مجاعص أن أصوات المعارضة التي ارتفعت في وجه فرح أنطون لم تقتصر على المفكرين المسلمين وإنما واكبتها أصوات المتدينين المسيحيين كذلك. من هؤلاء الأب لويس شيخو الذي نعت فرح أنطون بالملحد والزنديق، هو وجبران خليل جبران، وأمين الريحاني. ونقلت عن الأب شيخو: ” حوّل فكره من شبابه إلى حرية الضمير، وأخذ يدرس تآليف الكتبة المتطرفين في آرائهم الدينية والشيوعية، من فرنسيين وروسيين وجرمانيين، كرينان وكارل ماركس، وتولستوزي، ونيتشة، فعشعشت أفكارهم في دماغه وصار يجاريهم في كتاباته. .. يعالج المواضيع الاشتراكية والديمقراطية المتطرفة المجردة عن روح الدين، لا يأخذه في كتاباته ملل، بل تجاوز في ذلك كل حدود الفطنة، دون مراعاةٍ لصحته وهو يشتغل ليلاً مع نهار حتى غلبت قواه، فمات ضحية غلوائه “.
الحقيقة أن فرح أنطون تأثر بأفكار الثورة الفرنسية الداعية للحرية والمساواة وحقوق الإنسان. وبالتالي استطاع الوقوف بجانب التيار العلماني الذي ظهر في أوروبا ، وحمل لوائه في الشرق ” شبلي الشميّل ” الذي نادى بشعار ” الدين لله والوطن للجميع “. كان منفتحاً على العلم الأوروبي والأفكار الثورية والتحررية التي تدعو إلى رقي المجتمع والأخذ بركاب العلم، وتعليم المرأة، والتحرر من التقاليد البالية، والتوفيق بين العلم والدين.
وهكذا كان على قرح أنطون ، منذ وطأت قدماه أرض مصر حيث كلن يوجد مناخٌ من الحرية لم يكن متوفراً ً له في لبنان، الإجابة على السؤال الذي كان لا يزال مطروحاً وهو: كيف نوفق بين التطور العلمي والتكنولوجي الغربي دون أن يتناقض ذلك مع المفهوم الديني السائد في الشرق؟ أو كيف نوفق بين الإقبال على المدنية الغربية والمحافظة على التقاليد الموروثة والمواقف الدينية المتشددة؟
ونادى أنطون: ” كنا نتمنى من هذه الاجتماعات اتحاد الشعوب الشرقية وتضامنها لنزع نير الغرب عن أعناقها. وكنا نرجو التعويض عن الجامعة الإسلامية بجامعة شرقية عامة، تزول منها النعرة الدينية، حتى يتسنى لكل الشعوب الشرقية ، على اختلاف أديانها ونحلها الانخراط فيها “.
وقد وضع فرح أنطون أربعة أسس للخروج من المأزق الحضاري الذي تعيشه المجتمعات العربية – الإسلامية وهي: الله ( أي الدين ) ، الوطن،الاتحاد، والارتقاء. الله واحدٌ للمسلمين والمسيحيين، وكذلك الوطن. والاتحاد يجب أن يكون السد المنيع للوقوف في وجه الغرب الطامع في السيطرة على المسيحيين والمسلمين معاً. وعلى هذا الاتحاد أن يحقق التقدم والرقي، ولا يكتفي بالعيش في الماضي. وقال:
” لا مدنيةٌ حقيقيةٌ ولا تساهلٌ، ولا عدلٌ، ولا مساواة ، ولا أمنٌ، ولا إلفةٌ، ولا حريةٌ، ولا علمٌ، ولا فلسفةٌ، ولا تقدم إلا بفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية. ولا سلامةٌ للدول ، ولا عزٌ، ولا تقدم إلا في ظل مجتمعٍ متطورٍ ومتجانسٍ، ومفاهيم حضاريةٍ جديدة. ”
كان فرح مؤمناً ولكنه لم يكن متديناً. ولا سمعنا أنه حضر قداساً ، على أن ذلك لا يمنع أن يكون مسيحياً مؤمناً.
كان ولاءه للدولة العثمانية المتحدة والمتطورة، ومع التقدم والرقي والتآلف بين الإسلام والمسيحية، والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، كما كان يدعو لفصل الدين عن السياسة، لأن الدين متى صار عقلانياً وخضع للعقل، لا يعود ديناً، بل يصبح علماً، كما كان يردد.
لم يجن فرح أنطون لا مالاً ولا مجداً، عاش مضطهداً غريباً ناقلاً مجلته من الاسكندرية إلى نيويورك، ثم إلى القاهرة، ومات مكموداً عن 48 سنة، أعطى خلالها إنتاجاً ضخماً ومنوعاً، حريٌ بنا أن ننظر فيه ونسلط الأضواء عليه.
وقال عنه عباس محمود العقاد: ” هو طليعة مبكرة من طلائع النهضة، وسيعرف المستقبل عن عمله ما لم يعرفه الحاضر … وفرح أطون كسائر الكتاب الذين يستوحون قلوبهم ، ويقطرون على القرطاس من دمائهم، مفكرٌ تؤثر في تفكيره عوامل الحياة..”
————————————————–
( الصورة : ل فرح أنطون )





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

