القارئ الفائز وواسطة العقد القصصية – بقلم : خالد جوده احمد

آراء حرة ….
خالد جودة أحمد …
قدمت د. قدرية سعيد المتخصصة في أدب الخيال العلمي، وكاتبة قصة الطفل، قصة شيقة من أدب الناشئة، معنونة (من الفائز؟)، تسقي جذورها من التراث الحكائي العربي بأسلوب ينتمي للحياة المعاصرة، فقد تناصت بذكاء مع حكايات المربين الذين يعقدون لمريدهم اختبارات سلوكية كاشفة.
والقصة محكمة بدون زوائد، أو الإبحار بعيدًا عن قصدية القصة، والسر الأساسي هو توافر واسطة العقد القصصية، وأرى أنها التشغيل علي تناقضات سمة (الطمع)، ونقيضها (القناعة)، وهي سمات سلوكية، وما تؤدي إليه من خسارة أو كسب.
ويأتي علي رأس الشخصيات السيدة/ سامية عبد الحميد، صاحبة المصنع، والشخصية الإطار التي تقدم شخصيات ثلاثة هم موضوع المدارسة السلوكية الموفقة، وهي المحكم والحاكم في المسابقة المعقودة في رحاب القصة لاختبار السمات النفسية لهؤلاء الثلاثة مهندسين عاملين بالمصنع حتي تقوم بوهب الفائز مكافأة قيمة عبارة عن المصنع ذاته.
وبداية نشير لقول النقد الأدبي حول “واسطة العقد القصصية” والتي تأسست عبر فكرة النظم في النص الأدبي، والنظم هو المنطق الخاص للعمل، بمعني قيامه بتنظيم جزئيات مبعثرة في الحياة في صورة إجمالية، بمعني أن النظم هو العقد المنظوم من أجزاء، ولكن هناك واسطة في هذا العقد تعني أنها نقطة الارتكاز للتجميع، وبراعة الأديب تكمن في التركيز علي واسطة عقده والتشغيل علي تثميرها وإنتماء أجزاء القصة وبنائها الفني حولها.
وقصة (من الفائز؟) كان غوصها في الطبيعة الإنسانية، واكتشاف خصالها النفسية المنوعة سبيلاً للإهتداء لواسطة العقد في القصة، لذلك نجد هذا التوزيع وعرض خصال النفوس بين مفتتح القصة وختامها.
فمهندس (ساهر السيد) شخصية طموحة، لكنه غير صادق في قوله أنه سيعمل لتوريث خبراته لآخرين، عندما قال: (من اليوم سوف اساعد كل المهندسين الجدد)، وفي العرف الأخلاقي أن هذا النمط من العاملين رغم إخلاصهم لعملهم، لكن يثلم هذا الإخلاص أثم أنهم جعلوا عملهم في حاجة إليهم، وهنا يبزغ مفاهيم إدارية أكدتها عصرية القصة حول التفويض والتمكين الإداري، حيث أنه في المعارف الإدارية المستقرة أم المدير الناجح الذي يجعل دولاب العمل دائرًا بكفاءة حتى في حالة غيابه أحيانًا، من خلال وضع النظم الناجحة. وبسبب سلوكه خسر المسابقة في ختام القصة.
أما مهندسة (سلوي) فلها من طموحها سنان يخرق ثوب القدرات والإماكانيات المتاحة، فينشب الطمع الداهم لشخصيتها، فهي غير صادقة في عرض القدرات ومطابقتها مع الأحلام الممكنة، تقول القصة: (فقد كانت تطلب الإقتراض علي مدار السنوات .. مولعة كثيرًا بلبس الذهب). وأيضًا بسبب هذا الولع المحموم خسرت (سلوي) فرصتها في الربح.
أما مهندسة (نبيلة) –والاسم دال مباشر في معطيات القصة، ويتفق مع مفهوم تسمية الشخصيات في قصة الناشئة- تنتظر الإنجاب المتأخر عنها، وإثمار حياتها بالطفولة، وهي شخصية جادة حاسمة، لا تسمح بالتقصير، وكان وجودها في المصنع ضروريًا لضبط الجودة.
تلك السمات النفسية لشخصيات القصة تم توظيفها وإعادة طرحها مرة أخرى من وجهة عملية في موقف بديل عن بيئة المصنع، من خلال المسابقة في القسم الثاني من القصة لإنتاج قيم تربوية. فتناقضات تلك السمات في موقف بديل كاشف هو واسطة عقد أحكمت القصة وجعلتها متماسكة غير مشتتة، وواضحة في ذهن الكاتبة.
فقيمة الصدق المحورية، وقيم إدارية نابهة متعددة، سبق الإشارة إلي قيمة التمكين الإداري، وأيضًا ما يتصل بالموارد البشرية وإحسان اختيارها، كان سببًا في نجاح المصنع، وقيمة تسويقية باهمية التصدير، ومركزية قيمة جودة المنتج في الظفر التسويقي.
كما أن هناك قيمة رائعة بالقصة، وهي تحقيق التوازن في الرؤية للشخصية الإنسانية، فلا توجد شخصية حدية تحتوي الشر المحض أو الخير المحض، إنما هي تركيب ومحصلة لخصال منوعة.
هناك قيمة مهمة أخرى حول دور المكافأة في التحفيز، مع تقدير السمات الإيجابية للآخر. بقي أن نشير إلى التشويق في الحدث القصصي، وكسر أفق توقع القارئ من خلال علامة القصة الكلية بالسؤال (من الفائز؟)، وأرى أن قارئ القصة قد فاز بقيمة: أن الربح الحقيقي للإنسان هو ربحه ذاته.