من الواقع : حج مبرور – اغرب من الخيال بقلم د. سمير محمد ايوب

القصة ….
بقلم : د. سمير ايوب – الاردن ..
جلس الحاج تيسير في صالة الإنتظار ، بمطار جدة الدولي ، بعد أداء مناسك الحج ، وبجانبه حاج آخر . ينتظران ترتيبات الصعود الى الطائرة الأردنية  .
قال الحاج تيسير لمجاوره في الصالة  : أعمل مقاول إنشاءات في بلدي . وقد أنعم الله علي بالحج ، عشر مرات حتى الآن .
أومأ ابو حرب برأسه مباركا :  حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا ، وذنبا مغفورا ان شاء الله . أما أنا فأكنى بأبي حرب ، من قرية صغيرة وسط فلسطين ، أعمل معالجا طبيعيا في بلدك .
إبتسم تيسير سائلا أبا حرب : وأنت هل حججت قبل ذلك ؟
أجاب ابا حرب بعد تردد : والله يا أخي لحجتي هذه ، قصة طويلة ، لا أريد أن أوجع بها رأسك .
ضحك الحاج تيسير ، وقال : أخبرني إياها . فنحن لانفعل شيئا سوى الإنتظار .
إبتسم أبا حرب وقال : نعم , الإنتظار هو ما بدأت به قصتي . إنتظرتُ سنين طويلة ، حتى انعم الله علي هذا العام ، بالحج  الى بيته المعمور . بعد ثلاثين عاما من العمل مُعالِجا فيزيائيا ، في مستشفى خاص ، إستطعت أن أجمع كلفة الحج . وفي اليوم الذي ذهبتُ فيه لإستلام مستحقاتي من المستشفى ، إلتقيتُ هناك إحدى الأمهات ، كنت أعالج ولدها المشلول ، وقد إكتسى وجهها بالهم والغم . بادرتني قائلة  : أستودعك الله يا أبا حرب . فهذه آخر زيارة لنا لهذا المستشفى . إستغربتُ كلامها  ، وحسبت أنها غير راضية ، عن علاجي لولدها . وأنها تفكر في نقله  الى مكان آخر .
قالت تطمئنني : لا يا أبا حرب .، أُشهِدُ الله ،على أنك كنت لولدي بحنان الأب . وقد ساعده علاجك كثيرا . وتابعت سيرها حزينة .
إستغرب تيسير مُقاطعا : غريبة , طالما كانت راضية عن أدائك ، وإبنها كان يتحسن ، فَلِمَ تَرَكَتْ العلاج ؟
أجابه أبا حرب  : هذا ما شغل بالي . فسارعت إلى الإدارة وتحريت الأمر . فتبين لي ، أن والد الصبي فقد وظيفته ، ولم يعد قادرا على دفع نفقات علاج ولدهما .
حزن تيسير وقال : لاحول ولا قوة إلا بالله , مسكينة هذه المرأة ، مسكين ذاك الفتى . وتابع سائلا أبا جرب : وكيف تصرفت ؟
أجاب ابا حرب : ذهبت إلى مدير المستشفى . ورجوته أن يسمح بمواصلة علاج الصبي ،على نفقة المستشفى . ولكنه رفض رفضا قاطعا . وهو يقول : هذه مؤسسة تجارية ربحية ، كالمدارس الخاصة تماما ، وليست جمعية خيرية .
خرجت من عند المدير حزينا مكسورَ الخاطر . وفجأة وضعتُ يدي على جيبي الذي فيه نقود الحج . فتسمرتُ في مكاني لحظة . ثم رفعت رأسي إلى السماء وخاطبت ربي قائلا : اللهم أنت تعلم مكنون نفسي . وأن لاشيء أحب إلى قلبي من حج بيتك ، وزيارة نبيك . سعيت لذلك طوال عمري . ولكني آثرت هذه المسكينة وابنهاعلى نفسي ، فلاتحرمني فضلك .
فذهبت فورا إلى محاسب المستشفى . ودفعت كل مامعي أجرة لعلاج الصبي للأشهر الستة القادمة . وتوسلت إليه ، أن يخبر المراة ، بأن لدى المستشفى ميزانية خاصة لمثل هذه الحالات  . تأثر المحاسب وأدمعت عيناه وهو يردد : بارك الله فيك ، وفي مالك وفي أمثالك .
وهنا قاطع الحاج تيسير أبا حرب متسائلا : إذا كنت قد تبرعت بمالك كله ، كيف حججت إذن ؟
اجاب الحاج ابا حرب قائلا : رجعت يومها إلى بيتي حزينا على ضياع فرصة عمري في الحج . ولكن الفرح كان  يغمرني من ساسي لراسي ، لأني فرَّجْتُ كربة محتاج . نمتُ ليلتها ودمعي يغسل وجهي . فرأيت في المنام أنني أطوف حول الكعبة ، والناس يسلمون علي . ويباركون لي قائلين  : حجا مبرورا يا ابا حرب , لقد حججت في السماء قبل أن تحج على الأرض . واستيقظت من النوم ، وأنا أشعر بسعادة غيرطبيعية . فحمدت الله ورضيت بأمره .
وما إن نهضت من نومي ، حتى رن الهاتف ، وإذا بمدير المستشفى يقول لي : أسعفني يا أبا حرب .  صاحب المستشفى يريد الذهاب إلى الحج هذا العام ، وهو لايذهب دون معالجه الخاص . ومعالجه لسبب ما لا يستطيع السفر . رافقت مالك المستشفى  في حجه كما ترى . سجدت لله حامدا شاكرا . فقد رزقني حجَّ بيته دون أدفع شيئا . بل أصر الرجل على إعطائي مكافأة مجزية  ،حين حدثته عن حكاية المرأة وولدها . فأمر من فوره ، بأن يعالج الصبي  في المستشفى على نفقته الخاصة . وأن يؤسس في المستشفى صندوقا خاصا لمعالجة الفقراء ، وفوق ذلك فقد عين زوجها بوظيفة في إحدى شركاته . وإعيد إلي مالي الذي دفعته . أرأيت يا حاج تيسير ، فضلا أعظم من فضل ربك وربي ؟!
نهض الحاج تيسير ، وقبل الحاج ابو حرب على جبينه قائلا :
والله لم أشعر في حياتي بالخجل ، مثلما أشعر به الآن . فقد كنت أحج وأعتمر المرة تلو الأخرى . وأحسب نفسي قد أنجزت شيئا عظيما ، وأن مكانتي عند الله ترتفع ، بعد كل حجة وكل عمرة . ولكني ادرك الآن ، أن حجك بألف حجة من أمثالي ؛ فقد
ذهبت أنا إلى بيت الله ، أما أنت فقد دعاك الله إلى بيته .وصعدا سلم الطائرة وهما يرددان معا : اللهم تقبل منا صالح الاعمال .
( شكرا للاخت يسرى الجراح ).