حرب 67 وكشف المستور – بقلم : جيمس زغبي

دراسات …
جيمس زغبي – واشنطن …
في شهر يونيو من عام 1967، كنت أعيش الأسابيع الأخيرة من دراستي الجامعية عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية- العربية. واندلعت تلك الحرب وانتهت بسرعة خاطفة. وكانت الصحافة والدوائر السياسية في أميركا سريعة في الاحتفال بانتصار إسرائيل. ووصفتها وسائل الإعلام بأنها: «حرب نظيفة وسريعة وإعجازية».
وظهرت صورتان مؤثرتان تم تداولهما في تلك الفترة يمكن أن تعبراً عن جوهر ومغزى تلك الحرب. بدا في إحداهما عدد من الجنود الإسرائيليين الشبّان بلباسهم العسكري الأنيق وهم يقفون بجوار الجدار الغربي للقدس (حائط البُراق)، وبما يوحي بأنهم كانوا يحتفلون بانتصارهم. وكانت الثانية أكثر خبثاً، حيث ظهرت فيها أحذية لجنود مصريين فوق رمال سيناء تخلوا عنها عند انسحابهم.
ولعل خبرتي في الكشف عن «الضباب الذي يغلف الحروب»، تكفي لمعرفة ما كنا نجهله حول القصة الكاملة لهذه الحرب. ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى اتضحت صورتها الحقيقية التي لم تكن «نظيفة» ولا «إعجازية».
ففي شهر سبتمبر من عام 1995، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً تحت عنوان: «مصر تقول إن الإسرائيليين قتلوا الأسرى المصريين في حرب67». وتم تداول هذا الخبر عقب اكتشاف مقبرة جماعية في صحراء سيناء تتضمن رِفات الجنود المصريين، إلى جانب إفادات شهود العيان الذين شاهدوا عمليات القتل. وقال جندي مصري سابق: «لقد رأيت صفوفاً من السجناء المدنيين والعسكر المصريين، وكان الإسرائيليون يطلقون النار عليهم جميعاً دفعة واحدة. وعندما يموتون، كانوا يطلبون منّا دفنهم».
وفيما كانت أخبار هذه الجرائم جديدة بالنسبة لقراء صحيفة «تايمز»، إلا أنها كانت معروفة في إسرائيل قبل ذلك بسنوات، وخاصة بعد أن اعترف ضباط إسرائيليون قبل ذلك بقتل «مساجين غير عزّل». إلا أن هذه القصة لم تجد صداها لأن الأميركيين والحكومة المصرية فضلوا تجنب الحديث عنها خوفاً من أن تتسبب في تقويض جهود التوصل لمعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية. وأما الإسرائيليون، فقد اشتهروا بأنهم محترفون في «تشذيب وتلميع» الأخبار السيئة حتى لتبدو تلك الأخبار وكأنها مجرّد أكاذيب لم تحدث على أرض الواقع. ولكنها حدثت بالفعل.
ولم تكن صورة الجنود الإسرائيليين قرب «حائط البُراق» أقل سوءاً وخبثاً. فهنا أيضاً، نتساءل: ماذا حلّ بالسكان الفلسطينيين في «حارة المغاربة» الذي كان قائماً بجوار الجدار، الذين تم التغافل عن مصيرهم منذ وقت طويل؟
وقد تحدثت صحيفة «هآريتس» الأسبوع الماضي عن السرعة الخارقة التي تم بها تهديم 135 بيتاً فلسطينياً تشكل كل الحي القديم المجاور للحائط بعد أن أجبرت القوات الإسرائيلية سكانه على الرحيل. وكان الهدف من نشر هذه القصة هو الإشارة إلى مدى «الرومانسيّة» التي يتمتع بها 16 مقاولاً إسرائيلياً تعاونوا فيما بينهم على تنفيذ خطة سريعة لهدم بيوت الفلسطينيين، وبناء ساحة عامة مخصصة لليهود للتعبّد فيها قريباً من الحائط. وكان هدفهم من ذلك، كما وصفوه بأنفسهم، هو «تطهير» المنطقة. ووصفوا عملهم هذا بأنه «مهمة عظيمة وجليلة»، إلا أنها في حقيقة الأمر لم تكن لا عظيمة ولا جليلة.
وتحدث أحد هؤلاء المقاولين بكل برودة دم، كيف توجه فريق المقاولين إلى الحي المجاور وكانوا يحملون مكبراً للصوت، وطلبوا من السكان الفلسطينيين التجمع، ثم قاموا بإبعادهم جانباً حتى يفسحوا المجال للجرّافات «البلدوزرات» لتبدأ عملها. ورفض بعض السكان مغادرة بيوتهم في البداية ولم يسلّموا بالأمر الواقع إلا عندما رأوا بيوتهم وهي تنهار. وعلى رغم معرفتنا بهذه القصص الآن لأول مرة، فلا شك أن هناك الكثير من الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون ولم نسمع بها، والتي يتطلب الأمر فضحها هي أيضاً.
ولو أمعنّا النظر في الأعداد الرسمية لقتلى حرب 1967 لوجدنا أنها تشير إلى مقتل 10 آلاف مصري بالإضافة لنحو 5 آلاف «مفقود». فلماذا لم تظهر تفاصيل حول هؤلاء الضحايا؟ وعلى ماذا تنطوي الأسرار الأخرى التي ما زالت مدفونة تحت رمال سيناء؟. وهل يقتصر أمر العائلات التي تم طردها من بيوتها في مثل هذه «المهمات الجليلة»، بتعبير المحتلين، على سكان حارة المغاربة فقط عندما تم «تطهير» المنطقة؟ وقد بلغ عدد النازحين بسبب تلك الحرب ما يزيد عن 300 ألف فلسطيني لم يبق لهم من وطنهم إلا الذكريات.