معلمة وتلميذ – بقلم : عبد القادر رالة

فن وثقافة …
بقلم : عبد القادر رالة – الجزائر ….
في الطفولة اشياء جميلة وأخرى قبيحة…وأشنع الاشياء أني كنت قي طفولتي أكره اللغة الفرنسية والمعلمة التي تدرسها ! فكنت دائم النزاع معها ، وبالأخص أني كنت أكره حصة الاستدراك مساء الخميس ، فالاستدراك لا يحضره إلا الحمير كما  كان يقول أبي!
وفي أحد الأيام كان مزاجي عكراً ، وسخرت المعلمة من مستواي ووبختني أمام التلاميذ ،  ثم أمسكتني من أذني …فلم أتمالك نفسي وضربتها ، ثم دفعتها على الأرض بكل ما أملك من قوة!
سقطت وبدأت تنتحب كأنها طفل صغير والتلاميذ ينظرون اليها ذاهلين غير مصدقين ….
-تضربني !..هكذا رباك والدك! الحصة الاستدراكية لكي تستدرك ما فاتك وعجزت عن فهمه في الحصص الأخرى ! تدرس بدل أن تلعب… تتعب قليلا لكي تستريح غدا…
تصمت قليلا ً ثم تواصل بهياج شديد :
-تضربني وأنا في مقام أختك الكبيرة ، بل أنا أم وابنتي تبلغ من العمر ثلاث سنوات ….
وقفت وجسمي يرتجف بالكامل ، أنظر اليها غير عارف ماذا أفعل ؟ هل أنقض عليها ؟ وأغامر بمستقبلي الدراسي ، أم أطلب العفو منها ، أم أعود الى مكاني ، أم أخرج من حجرة الدراسة…
نهضت ، مسحت دموعها ، نظرت الى التلاميذ ثم استدارت نحوي وقالت:
– ايها الطفل الصغير أعرف بماذا تفكر !  أنت عربي وابن عربي … انت شرقي  وثقافتك   شرقية! تعتز برجولتك وعيب أن تضربك امرأة مثلي حتى لو كانت معلمة ومربية! أنت رجل والرجال قوامون على النساء!
ثم صرخت بأعلى صوتها في التلاميذ:
– أتخجلون من أن تضربكم امرأة لأجل مصلحتكم ولا تخجلون حين ترسبون وتفشلون وتصيرون عناصر سلبية في المجتمع، فتسببون الألم لأمهاتكم وآبائكم…
كل ما سمعته من نصائح من والدي أو  من أقاربي أو المعلمين أو  من المدير كان يدخل من الأذن اليسرى ويخرج من اليمنى واعتبرته ثرثرة إلا تلك الكلمات الباكية … نعم أنا والكثير من التلاميذ كنا نعتبر ضرب المعلمة لنا عيب كبير ، لكن ما فكرنا أبدا ً في أي عار كبير يشعر به اولئك الذين غادروا المدرسة مبكراً وصاروا لصوصا ومتشردين ، وفي أحسن الاحيان يعملون اعمالا شاقة! وربما يكون صاحب العمل سيئا فيتضاعف البؤس…
لما ذا لا تضرب المعلمة التلاميذ المجتهدين ؟  ضربتني لأجل مصلحتي ، لأجل فائدتي ،  ضميرها الحي جعلها تعاقبني ، وكان بإمكانها أن تتجاهل ذلك ، فعلت ذلك لكي أجتهد وأدرس وأنجح وتكون لي مكانة في المجتمع …
وفي صباح اليوم التالي اقتربت منها وقدمت لها علبة شوكولاتة فابتسمت وربتت على رأسي بحنان …
وقررت ،بل صادقت ثلاث تلاميذ الاكثر تفوقا في اللغة الفرنسية ، وصرت أواظب على حضور الحصص الاستدراكية برغبة كبيرة ، ولا أبه بسخرية زملائي … بل وصرت أدمن على مشاهدة الاشرطة الوثائقية والمسلسلات التلفزيونية وإن لم أفهم محتواها ومغزاها …
لم اصدق نفسي تحسن مستواي في اللغة الفرنسية ، وبدأت تتحسن علاماتي في الفروض والاختبارات…  بل وتفوقت فيها في المرحلة الاعدادية والثانوية حتى صار الزملاء يطلقون علي لقب فيكتور هيغو! وفي السنة الثالثة ثانويي صار بإمكاني قراءة كلاسيكيات الادب الفرنسي بدون مساعدة المنجد إلا فيما ندر…
واخترت دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة ، وتخرجت ، وبعد الليسانس تحصلت على الماجستير ، وكانت الرسالة التي ناقشتها عن الكاتبة آسيا جبار اكراماً وفاءاً لتلك المعلمة التي صنعت من تلميذ بليد لا يكاد يحفظ الألفباء الفرنسية تلميذا متفوقا مجتهدا ! كان مصيري بيدها كان بإمكانها إحالتي على المجلس الـتأديبي…
وفي أي نقاش مع الزملاء أو غيرهم أدافع بقوة عن المعلم ، وأقول بحماس كبير بأنه لا يزال هناك معلمون رائعون حقيقيون ، مخلصون لمهنتهم ، يقومون بمهامهم بتفان وإخلاص لا يفرحهم شيئ مثل ان يكون تلاميذهم ناجحين يساهمون في بناء الوطن بالقليل أو الكثير!
بقلم : عبد القادر رالة – الجزائر