لماذا يتفق العالم على اضطهاد الغجر – بقلم : وليد رباح

أراء حرة ….
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي
قيل لي فيما مضى ان الغجر او النور .. هم من جماعة (جساس بن مرة) ولا ادري ان كان هنالك فرق بينهما .. ففي مصر يسمونهم الغوازي .. وفي بلاد الغرب الغجر .. وفي بعض بلداننا النور .. ولا اعرف التسمية الحقيقية لاولئك الذين يجوبون الفيافي والمدن والقفار من اجل الحصول على لقمتهم .. مصحوبين بالفتح بالكشف والمعازف والموسيقى والغناء .. وقد كان ابي يرحمه الله يذكر لي مثالبهم على الدوام .. ولكني اكتشفت في ليلة ان البعض ينسرب من فراشه ليلا ليذهب الى مضاربهم كيما يحصل على ساعة من الحظ بين احضان النورية حمامه .. وكان مهرها في تلك الليل .. علبة من ( السقاير)
واعتقد جازما ان هذه المجموعة من البشر تتشابه في كل مكان .. فان ذهبت الى اواسط افريقيا فان مهنتهم الاصلية هي صنع المحافر والمقاور والقداديم والشواكيش .. تماما مثلما هم في المانيا وفرنسا وفي اواسط بلجيكيا وفي امريكا .. اما مهنتهم الفرعية فهي الرقص والغناء والطبل والزمر والضحك على ذقون الزبائن وابتزازهم .. وانتزاع النقود منهم باي شكل وباية وسيلة .. مما يوحي بان اصول اولئك واحده .. مع استبعادي لان يكونوا من جماعة ( جساس بن مرة) لان جساسا لم يكن يتكلم اللغة الانكليزية او الفرنسية او الالمانية ..
والغجر او النور ( سمهم كما شئت ) هم من صنف الانسان الذي يتعرض للاضطهاد لكنه لا يطالب بحقوقه .. فبعض الدول لا تعطيهم جنسيتها والبعض الاخر يسكنهم في جيتو مخصص لهم .. والثالث يخصص جزءا من شرطته لمراقبة تصرفاتهم .. وفي اوليات القرن الماضي كانت بعض الدول العربية تحرم عليهم شراء البيوت وسكنها .. وحجتهم في ذلك انهم مفسدة للمجتمع .. ولذا تراهم يسكنون الخيام وما ان يستقروا حتى يرحلوا الى امكنة اخرى .. ولكننا اكتشفنا بعد عقود ان المجتمع كله فاسدا الا النور .. فقد اصبحت بعض تلك المجتمعات (وخاصة المجتمعات العربية ) بؤرة للفساد .. وقطعوا ارزاق النور من هذه الناحية .. فعاد اولئك الى صنع القداديم والشواكيش والمحافر والمقاور مهنة آبائهم الاصلية .
وقد برز من بين اولئك فطاحل في العلم والثقافة والادب والموسيقى على مدار التاريخ .. حتى ان زعيمهم في الاردن منحه الملك الراحل عبد الله لقب باشا .. وقيل انه وهبها له خطأ .. اما في فرنسا فان ( شيخ النور او الغجر) عمل مستشارا لرئيس الجمهورية الفرنسية في عهد الاحتلال النازي لها .. وفي ايطاليا هدد زعيم النور حكومة فيشي بالسقوط عندما منح جماعته حق الانتخاب في ذلك العهد .. وقيل ان زريابا المغني وضارب العود في الاندلس كان من النور .. وجميلة المغنية التي كانت ترقع الموال في الحجاز فيسمعه من في الاندلس كانت غجرية .
وفي سوريا ولبنان للنور وضع خاص بحيث اخرجت هذه الفئة من الناس اساطين الطرب والموسيقى .. وكانت فرقهم الفنية تحيي ليالي دمشق وبيروت من خلال النوادي الليلية .. كما يحيون الاعراس والمناسبات واصبحت احوالهم المالية احسن بكثير من احوال رجال الاعمال والعائلات التقليدية الغنية .. وقد اشتهر من النور قارئات الكف اللواتي يمارسن المهنة في لبنان حيث لا يرشح من يثق بفتحهن نفسه الا ويمر على قارئة الكف والحظ لكي يكتشف او يحاول استكشاف حظه في النجاح او عدمه .. وقد قبض في منذ زمن على البعض من اولئك فاكتشفوا ان الزبائن كلهم من اساطين السياسة اللبنانية ومن العائلات الكبيرة التقليدية التي تنجح في الانتخابات في كل دور وكل برلمان وكل رئاسة .
وتنظر اجهزة الامن في كل بلد من بلدان العالم الى النور على انهم عينهم الساهرة .. فقد اتخذت معظم الدول جواسيس منهم لمعرفة اسرار الفئات الاخرى في المجتمع ولذا فانهم يخدمون اجهزة الدول في كل مكان يلجأون اليه .. ورغم كل ذلك .. فان هذه الفئة من البشر لا يقر لهم بحقوق .. ويعاملون في بعض البلدان كما تعامل الحيوانات .. وينظر دائما اليهم بعين الريبة .
ولقد اهتمت بعض منظمات حقوق الانسان بهذه الفئة .. ولكن البعض الاخر منها لم يزل على موقفه على اعتبار ان النور هم نوع من البشر لا تنطبق عليهم حقوق الانسان .. وقد نال هوؤلاء بعضا من حقوقهم في امريكا .. ولكن البعض الاخر لم يزل يجوب فيافي امريكا وقفارها بحثا عن نفسه .. والسلطات لا تنتبه اليهم كثيرا مثلها مثل باقي الدول في هذا العالم
لقد انتشر التعليم بين هذه الفئة وخاصة في امريكا .. وغدوا يستقرون في امكنة كثيرة من اماكن اقامتهم .. ودخلت المدنية الى بعض تجهيزاتيهم الحياتية .. والنفصلت الفئة المتعلمة عن شيخ العشيرة او رئيس القبيلة او شيخ النور .. واصبح لها قرارها الخاص .. ولو ان البعض منهم لم يزل على حاله من الولاء لحالة مر عليها الاف السنين دون تغيير .
النور هم حالة يجب ان تدرس من قبل الهيئات الدولية التي يتواجد فيها هؤلاء .. فهم من خلق الله ومن صنف الانسان .. وتجاهلهم لا يعني عدم وجودهم .. فقد اخذ العالم كله يعترف بالقبائل التي كانت تأكل البشر .. اما اولئك .. فلا يزالون يراوحون مكانهم ولا تعترف بهم جهات دولية كثيرة .. وانفتاح العالم اليوم على نفسه .. لا بد وان يتوجه الى اولئك الذين لا يجدون لهم متنفسا في هذا العالم الا من خلال التحايل على القوانين لكسب ارزاقهم . ولله في خلقه شئون .