دراسات …
بقلم : د.منذر سليمان – واشنطن ….
برزت معالم مواجهة بين الرئيس المنتخب دونالد ترامب والأجهزة الأمنية الأميركية وتصاعدت حدّتها عقب “ظهور” تقرير في وسائل الإعلام يزعم أنّ ترامب قد تمّ تجنيده من قبل روسيا والتي لديها معلومات محرجة جداً حول مسلكه قد توظفها في ابتزازه.
ترامب بدوره سارع إلى اتهام مسلك مراكز قوى في الأجهزة الأمنية “بالمشين.”
تضارب الرواية مع السردية العامة وعزوف الأجهزة عن تقديم الأدلة الحسيّة أسهم مباشرة في وأدها واعتبارها خدعة، مما دعا كبريات الصحف إلى رفض نشرها، خاصة صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، نظراً لعدم صمود الرواية أمام الحقائق. أمّا شبكة سي إن إن الإخبارية التي روّجت للرواية على شاشاتها فقد نالت ازدراء المراقببين واتهام ترامب لها بأنها مختصة بتلفيق الأكاذيب.
أخطبوط الوكالة المركزية
يُعتقد أنّ مصدر الرواية الكاذبة إما أحد أو بعض الأجهزة الاستخباراتية، مما سيعرّضها لردّات فعل ربما قاسية من الرئيس المقبل، وتوفّر له مبررات ومنصة انطلاق لاتخاذ إجراءات “إصلاحية” في عمل الأجهزة كافة غلب عليها البعد السياسي وربما الانتقامي.
العارفون بخبايا عمل الأجهزة الاستخباراتية يعتبرون أنها بمجموعها تعاني من عقدة نقص “المهمة المستحيلة” تيّمناً بالمسلسل التلفزيوني الشهير بذات الاسم في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. ركّز المسلسل على تكليف ضباط الاستخبارات القيام بمهام استخباراتية معقدة وإنجازها بالكامل. وعليه، ترسّخت مفاهيم عامة أنّ تلك الأجهزة “معصومة عن الخطأ.”
لا يجادل أحد في القدرة والإمكانيات المتطورة الضخمة المتوفرة لتلك الأجهزة، تفاصيلها محاطة بجدار سميك من السرية، أحسنت توظيفها بكفاءة تحسد عليها، لا سيما في مجالات الأقمار الاصطناعية التجسسية واعتراض الاتصالات بكافة تنوعاتها، واسترداد غواصة نووية روسية من أعماق المحيط الهاديء. بَيدَ أنّ مجمل السجل لا يخلو من إخفاقات بليغة امتدت لعقود عدة.
واجهت وكالة الاستخبارات المركزية، السي آي ايه، تحديداً سلسلة من الفشل الاستخباراتي منذ نشوئها كانت بالنسبة لها “فضيحة بجلاجل” أبرزها عملية العدوان على كوبا الفتية بعملية خليج الخنازير، محاولات متواصلة فاشلة لاغتيال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، تخبّط الوكالة في حرب فييتنام، فشلها في عدم التنبؤ بالدخول العسكري السوفياتي لأفغانستان، الفشل المميز في عدم صوابية رؤيتها لمصير شاه إيران والإطاحة به، قصف معمل الأدوية في السودان، ما ينسب لها من فشل في اعتراض هجمات أيلول/ سبتمبر 2001، المعلومات الملفّقة لما سمّته أسلحة الدمار الشامل في العراق، وفشلها أيضاً في بؤس تحليلاتها التي أدّت لسوء تقديرها في نجاح تنظيم داعش.
تراكم الفشل أدّى بالقائمين على الوكالة إلى استحداث مزيد من العمل البيروقراطي أبرزه إنشاء منصب مدير للأمن الوطني عقب هجمات أيلول/ سبتمبر 2001؛ الأمر الذي يمكن تعداد فوائده على آليات العمل الاستخباراتي بمشقة كبيرة.
يشار إلى أنّ الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون أدرك مبكراً ضرورة إدخال إصلاحات على عمل الوكالة، دون تحقيق أي تقدم ملموس؛ كما أنّ الرئيس جيمي كارتر أيضاً كرّر المحاولة، كليهما لخدمة الأجندة السياسية للرئيس. مدير الوكالة إبان عهد الرئيس كارتر، ستانسفيلد تيرنر، أتى به كارتر من صفوف البحرية وكان برتبة أدميرال، حدد مكامن الضعف في مديرية التجسس وسعى لتشذيبها بإلغاء نحو 820 وظيفة في صيف عام 1977. لم يدم له البقاء طويلا لاختبار نجاعة أسلوب معالجته.
من أبرز “ألغاز” الوكالة اختفاء ووفاة مديرها الأسبق ويليام كولبي، 27 نيسان/ أبريل 1997، في حادث بحري غامض بالقرب من منزله الصيفي على شاطئ جزيرة “كوب” جنوبي العاصمة واشنطن بعد 9 أيام على غيابه. ترأس كولبي مديرية السي آي ايه لسنتين فقط، 1973 – 1975، حين أقيل من منصبه. خلال تلك الفترة الوجيزة، مَثُل أمام لجان متعددة في الكونغرس “56 مرة” تميزت شهاداته بإجابات واضحة مباشرة “مما أغضب طواقم الاستخبارات الذين اعتبروا مهمته المركزية هي الكذب والرياء على الكونغرس.”
تلقى كولبي أمر إقالته مباشرة من مستشار الأمن القومي الأسبق هنري كيسنجر، إبان عهد الرئيس جيرالد فورد، اللذين تملكهما الغضب لصراحة كولبي ونزعه الغطاء عن “جواهر المؤسسة الاستخباراتية،” لا سيما مسؤوليتها عن الاغتيالات وسبل أخرى لا تقل دناءة وخسّة. كولبي أيضا أقال عدداً كبيراً من مسؤولي وموظفي الوكالة في أقسامها المختلفة، مما وضعه نصب الأعين المتربّصة. لليوم، السبب الرسمي لوفاته هو حادث غرق – وهو السبّاح الماهر.
في مواجهة مؤسسة عريقة لها تاريخ طويل من النفوذ وشراء الذمم، والتخلص من أي شخص مهما علت مكانته، هل يستطيع الرئيس المقبل ترامب تحقيق أي إنجازات تذكر؟ السؤال يتكرر على ألسنة الأجهزة الرسمية والمراقبين على السواء.
كلّف ترامب فريقه لشؤون الأمن الوطني إعداد تقرير مفصل يحدد آليات يمكن تطبيقها “لتطوير” عمل الأجهزة، بما فيها تهديدات القرصنة وسبل مواجهتها، وتقديمه خلال 90 يوماً من تسلمه مهامه الرسمية.
الشائع عن ترامب أنه يغفل أهمية عمل أجهزة الاستخبارات وتطبيقاتها. بَيدَ أنّ حقيقة الأمر تكمن في “نجاحات” ترامب العملية التي لا يمكن تحقيقها بهذه الشمولية والتوسع الدولي دون توظيف فعال لجمع معلومات استخباراتية واتخاذ سبل حماية مناسبة، أسوة بالشركات الكبيرة وأصحاب الثروة: معاملاته اليومية مع الشركات متعددة الجنسيات؛ التعرف بدقة على سوق العقارات وما سيعرض منها للبيع بغية الاستثمار، وما يرافقه من مفاوضات تخص القيمة الشرائية والترتيبات الأخرى، فضلا عن ردود أفعال السلطات المحلية، البلدية وما فوق، لأي مشروع يقدم عليه.
يُطلق على المهام آنفة الذكر “الاستخبارات العملية،” التي ينبغي أن تتحلى بالدقة والموضوعية كي يتم تسخيرها بفعالية تعود بالفائدة القصوى على أصحابها.
الإطلالة على كيفية استفادة ترامب أو تسخيره لتلك المعلومات تؤشر على نواياه المستقبلية لتوظيفها والاستفادة منها في القريب المرئي، ودلالة على نواياه لإجراءات إصلاحية.
نظرة سريعة على خلفية طاقم ترامب لشؤون الأمن القومي تفيد بأنه بمعظمه لديه خبرة عسكرية إضافة لمدير شركة أكسون العملاقة، والذين بمجموعهم كانوا يتلقون “استخبارات عملية.”
على الطرف المقابل، الخلفية السياسية الصرفة لطاقم البيت الأبيض بمن فيهم الرئيس أوباما نفسه يجد ارتياحاً أوفر في معلومات استخباراتية بأبعاد سياسية وتسخيرها لخدمة أغراض سياسية مباشرة. الأمر الذي نتج عنه تلك التقارير الاستخباراتية التي عوّمت مقولة أسلحة الدمار الشامل، إبان عهد الرئيس السابق جورج بوش الإبن، وما رافقها من غزو واحتلال كارثي للعراق – والدول الإقليمية الأخرى المرشحة مباشرة حسبما أفادت تلك التقارير والإفادات لاحقا.
شهدت ولاية الرئيس أوباما اتهامات متعددة لتلاعبها بتقارير الأجهزة الاستخباراتية ولـ”حجب” التقارير التي لا تؤيد رؤاها وسياساتها الخاصة بتنظيم داعش، والتي جاءت على نقيض مباشر لسردية إدارة الرئيس أوباما الرسمية. سردية تشبّثت بإبراز “نجاح سياستها حول سوريا” خلافاً للتقارير الميدانية والتحقيقات الإعلامية أيضاً.
اصرار ترامب وحماس فريقه لتملك زمام القرار بادخال اصلاحات على الاجهزة الاستخباراتية يقود المرء الى حملة مواجهة وتغيرات، ربما بوتيرة سريعة، لتحقيق مقاصده في توفير معلومات ذات فائدة عملية.
بعض الإصلاحات المرئية
نوايا إجراءات الإصلاح تشمل مروحة واسعة من تعديل على صعد الإجراءات البيروقراطية وتعزيز مفاهيم نواة إنشاء الأجهزة الاستخباراتية، جمع المعلومات وتنقيحها، والتصدي للتسريبات عبر الوسائل الاعلامية بمختلف توجهاتها، الخ.
إصلاحات سياسية
تجاوزت الأجهزة الاستخباراتية مهامها الأولية بدخولها ميدان الحلبة السياسية واستحداث مراكز ومناصب جديدة، نالت آيات الثناء والرضى على إنجازاتها المتصورة. بالمقابل تم استبعاد المهنيين من الطواقم المتعددة الذين يميلون لتوفير معلومات خضعت للتدقيق والفحص، بعضهم فضّل الإحالة المبكرة على المعاش.
من الجائز أن يضخ ترامب دماءً جديدة في تلك الأجهزة، تحت بند التعيينات السياسية، مما سيضع الشرائح القيادية العليا الراهنة في عين العاصفة للتدقيق في نوعية ووجهة التقارير الاستخباراتية السابقة.
من خصائص ترامب، وامتدادا فريقه المتشدد، ميله لعدم التسامح وسرعة الرد وجاهزيته لإقالة مَن هُم في المراتب الأدنى وأصحاب الأداء المتدنّي عن المعايير الموصوفة. وعليه، يمكن القول إن أولئك أصحاب التقارير السابقة والمشكوك في دقتها قد يخضعون للمساءلة تفرض عليهم الدفاع عن مجمل أدائهم، وما سينجم عنها من تهميش أو إقالة مرتقبة.
تداخل المهام العسكرية والاستخباراتية
توجهات إدارة الرئيس أوباما الخارجية أوجدت مجالات متقاربة لعمل الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية، ويمكن القول إن العمل الاستخباراتي خضع لتوجيهات القيادات العسكرية في البنتاغون، مما ساعدها بشن سلسلة حروب فضّلَ البيت الأبيض بقاءها بعيدة عن أعين الإعلام. وأوكلت مهام حرب الطائرات المُسيّرة للاستخبارات المركزية بالتنسيق مع وحدات القوات الخاصة لفرض حقائق ميدانية.
عانت تلك العمليات من أوجه قصور ذاتية متعددة، منها أنّ القوات الخاصة أثقلت بتنفيذ مهام ساهمت في استنزاف سريع لإمكانياتها البشرية خاصة لقرب نهاية الخدمة الفعلية على صعيد ضباط الصف تحديداً، ويتهيأون لدخول الحياة المدنية.
ترامب وفريقه سيعتمدون بشكل شبه كامل على المدّ البشري المدرّب من صفوف البنتاغون، وتوفير أقصى ما تحتاجه القيادات العسكرية من إمدادت قد تتباين مع بنود للميزانيات المخصصة
تقارير استخباراتية عملياتية
ندد ترامب منذ بدء صعوده على الساحة السياسية بالتقارير الاستخباراتية اليومية المقدمة، التي يعتبرها حيكت لخدمة أجندات سياسية وهدراً للوقت، الأمر الذي دفع به إلى تفادي اللقاء اليومي مع ضباط الاستخبارات؛ وفعل الأمر عينه الرئيس أوباما في بعض الأحيان.
ترامب أيضاً لا يتحلى بميزة الإصغاء بعمق للآخر، وأوضح مراراً أنّ تلك التقارير لا توفّر له معلومات لم يطلع عليها مسبقا في معظم الأحيان. كما أنّ بعض أعضاء فريقه لا يخفي امتعاضه من المعلومات الاستخباراتية “غير المفيدة” وسيسارعون لتوضيح احتياجاتهم من أطقم الاستخبارات.
لن يدّخر ترامب جهداً لتوضيح نواياه من التقارير الاستخباراتية وضرورة تفادي نزعة اتّساقها مع الرغبات الذاتية والتركيز على حقيقة ما يحتاجه.
الإعلام نقيض ترامب
تسريب المعلومات بكافة أنواعها لوسائل الإعلام هي قضية مرحّب بها جماهيرياً وتمقتها الأجهزة والقيادات الرسمية بشكل عام. معظم الإدارات الأميركية عانت وتعاني من اكتشاف الشعب لحقيقة نواياها وخطابها في الأروقة الخاصة، ولم تسلم منها إدارة أوباما التي تعد من أشد الإدارات قمعاً للحريات الصحافية بأساليب متطورة وخداعية. مثلاً، رحّلت الادارة ما لا يقل عن 2 مليون “مهاجر فاقد للإثباتات الرسمية” مما يفوق ما فعلته إدارة سلفه جورج بوش الإبن – المحافظة والمتشددة.
ترامب بطبيعته كثير الشك بمقربيه ولا يثق إلا بنفسه؛ ويحظى بكراهية كبيرة بين الأجهزة الاستخباراتية بمجملها. وسعى ترامب إلى “ابتزازها” مؤخراً على خلفية سلوكه المنسوب له إعلامياً، بالإعلان في مؤتمره الصحفي الأول، قبل بضعة أيّام، بأنه أخفى عمداً بعض المعلومات الناجمة عن لقائه بقادة الأجهزة عن مستشاريه ليتبين لاحقا أنها أضحت متداولة في الإعلام. الاستنتاج الطبيعي أنّ المسؤول عن التسريب هو من داخل الأجهزة الأمنية، ليس إلا.
تفاقمت المواجهة بين ترامب والأجهزة الاستخباراتية عقب تداول وسائل الإعلام تقارير ثَبُت خطأها حول العلاقات المتينة التي تربط ترامب بروسيا. المواجهة اتخذت منحى خطيراً بين الطرفين وإعلان ترامب أنّ “بعض الأشخاص” يغامرون بالنيل من مصداقية الولايات المتحدة وأجهزتها بغية إلحاق الضرر بالرئيس المنتخب.
من المرئي تصميم ترامب وفريقه للأمن الوطني على تحديد حلقة التسريب ومَنْ وراءها، واتخاذ التدابير المناسبة ضد أفرادها؛ مما يبشّر بصراع سياسي مكشوف قريب.
براءة ترامب
تصميم ترامب على الذهاب في مواجهة مع أخطبوط الأجهزة الأمنية، ونظراً لفقدانها الدليل المادي القادر على إقناع الجمهور بتبعية ترامب لروسيا، أدى بإطاحة سريعة لتلك السردية واضطرار بعض الوسائل الإعلامية إلى عدم الترويج لها، وبعضها الآخر لزم الاعتذار.
وأوضحت شبكة إن بي سي للتلفزة، فيما يخص الملف الخاص بترامب بين أيدي روسيا، بأن “مسؤولاً استخباراتياً رفيعَ أوضح أن الرئيس المنتخب لم يتم إطلاعه على المعلومات المضافة للملف، التي تم إعدادها كجزء من جهود الحزب الجمهوري المناهض لترامب.”
وأردف المسؤول الرفيع أنّ اللقاء مع ترامب وإطلاعه على المعلومات تمّ بطريقة شفوية ولم يتم تبادل أي وثائق أو ملفات سلمت للرئيس المنتخب. الأمر الذي يناقض كليا رواية الأجهزة قبل ساعات معدودة من “فضح” ترامب للأسلوب الرخيص للنيل منه.
بل أكد المسؤول في روايته للشبكة أنّ “مسؤولي الأمن والأجهزة الاستخباراتية وافقوا على أنّ كافة جهود التحقيق لم تتوصل لنتيجة قاطعة أو مباشرة للربط بين ترامب والحكومة الروسية، مطلقاً.”
ما بين ما دلّت عليه تلك المواجهة ميلُ الأجهزة الإعلامية بشموليتها نشر معلومات ملفّقة، حول ترامب، وامتداداً لكل ما يتعارض مع توجهات السياسة الأميركية. النتيجة المنطقية التي توصل إليها العامة هو تمتين حرصها على عدم التسليم بصدقية ما ينشر دون فحص وتدقيق.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

