صل ع النبي يا جورج – بقلم : وليد رباح 1 و 2

القصة ….
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي …
صورة حدثت في زمان مضى .. ولكني اقسم على انها حقيقة وقعت  :
أنا ( كاتب هذه السطور) من قرية في فلسطين المحتلة اسمها العباسية . اقر واعترف انني اكتب هذه الكلمة وقد انتابني شعور باني ضعيف الى درجة الوهن .. ورغم انني وعدت صاحبها ان لا ابوح بسره الا بعد سنوات خمس عشره .. فقد مضت السنوات هذه  .. لذا فقد تحللت من وعدي لانه كان يعتقد ان لا يعيش بعد ذلك .. واكتبها على دفعات لا اعرف عددها  وحسب ما يوجهني به الحرف ..
ولا اريد في هذه الكلمة ان اشرح تاريخ حياتي وعائلتي .. ولكن الضرورة تقضي تبيان بعض الحقائق حتى لايتيه القارىء ويظن انها رواية اخترعها عقلي .. انها الحقيقة التي اخفتها الايام زمنا طويلا .. فتعالوا بنا نبحر فيها على مضض .
*****

كنا في قريتنا سبعة ثامنهم كلبهم .. كان قصير الذيل مقصوصه ولا ادري ان كان قد قص عمدا لذنب ارتكبه .. او انه خلق من بطن امه مثلما كان عليه .. كان الكلب يدعى ( سامبو )  لانه كان ذو سواد في جبهته ..
ابي .. ( يرحمه الله) امي .. ( يرحمها الله) فوزي .. ( يرحمه الله ) وليد ( ما زال حيا يرزق) .. فوزية  (يرحمها الله) وغازي ( ما زال حيا يرزق)   وكان السابع (جورج) .. اما الثامن فقد كان سامبو .. اما اخي نمر( يرحمه الله ) فلقد تزوج وانجب وسكن في منطقة تبعد عنا مسافة قصيرة ..
وجورج اسم حقيقي لا التواء فيه اوعوج أو هكذا كان يقال .. فقد استأجر غرفة في الدور السفلي من سكننا .. احضره شيخ المسجد في قريتنا لابي وقال له ..اسمع ياعلي..هذا اسمه جورج ..وهو امانة في عنقك الى يوم الدين ..اطعمه مما تأكل .. وعامله كأنه اخوك او قريبك .. ولا تسأله كثيرا .. فقد اصابه مرض النسيان ولن تستطيع ان تأخذ منه حرفا الا بصعوبة .. ولا تصدقه فيما يقول .. قال ابي : على الرحب والسعة يا شيخنا .. هو عندي بمثابة اخي . قال الشيخ : لا تنس ان تأخذ منه اجرة الغرفة التي وعدت ان تكون له بخمسة عشر قرشا فلسطينيا في الشهر .. قال ابي : لك ذلك يا شيخنا.
ولانني لا اعرف ما الذي كان يجري في بيتنا لصغر سني.. فاني ساتحدث عن نفسي وجورج لانه محور(القضية) فقط .. ولقد عاش جورج في غرفته المنعزلة عنا ردحا من الزمن .. كان قليل الكلام فيما يتحدث به .. ولكنه كان حاد القول حين يلعب ( الشده .. الكوتشينة ) في غرفته مع ابي .. مما حدا بي الى الاعتقاد انه واع لما يقول ويفعل عكس ما تحدث به الشيخ ..
وجورج كما اتذكره كان طويلاعريضا يطال رأسه سقف الغرفه .. اما ابي فقد كان معتدل القامة لابالطويل ولا بالقصير..وكنت اخشى مااخشاه ان يغضب جورج (فيطعم) ابي علقة يذكرها طيلة عمره ..
كان بياض سحنة ابي تجعله يتفصد عرقا وتبرز عروق رقبته عندما يغلبه جورج في لعبة الورق .. فيصرخ : صل ع النبي يا جورج .. انت تسرق الورق .. فيقول له جورج : عليه الصلاة والسلام .. والله لم اسرق ولم اتعود السرقة في حياتي .. فيعاود ابي كرة السرقة فيقول جورج : والعذرا ما سرقت ولا اسرق .. اما انا فاقف مذهولا بين الطرفين ظانا ان معركة حامية الوطيس سوف تنشب بينهما .. لكنهما لا يفعلان.. وهكذا تنتهي السهرة على وفاق في النهاية ..
ولكني اكشفت سرا عظيما يخفيه جورج عندما كنت اتلصص من ثقب بالباب وهو يتحدث الى شيخ المسجد في عزلة عنا ..
قال له الشيخ : يا جورج .. ارجو ان تظل مختفيا ولا تخرج من غرفتك الى مكان آخر .. فالانكليز يطوقون القرية في كل مناسبة وقد يعثرون عليك ..
يقول جورج : لا تخش شيئا يا (شيخنا) منذ ان استأجرت هذه الغرفة لا اخرج منها ابدا ..
يقول الشيخ : عولت أن آتيك عندما تحدث مناسبة تجعلني ابوح لك بما يجري .. فقد اصدرت محكمة إنكليزية مرسوما بانك لا تزال مختفيا .. وطالبت الشرطة بالبحث عنك في كل مكان لكي يتم التنفيذ .. وان الجندي الذي قتلته قد احدث ضجة بين عساكر الإنكليز .. انهم يريدونك خاصة وان حكم الإعدام الغيابي الذي صدر بحقك لا يسقط بالتقادم .. اني اقرأ جريدة (فلسطين) في كل يوم .. وآتيك بالاخبار ..
يقول جورج : فليفعلوا ما يشاءون .. اني اقدم رقبتي لهم اذا ما قبض علي .. لست احسن من عطا الزير وجمجوم و ثالثهم ..
غادر الشيخ غرفة جورج مودعا منه بقبلة أعطاها جورج علي يد الشيخ بخضوع .. قائلا : يا (شيخنا) هل من وسيلة لاخبار ابي وامي في قرية ( الزبابده) باني ما زلت حيا ..
قال الشيخ قبل ان يغادر .. سوف اجد الوسيلة .. ثم هم بالمغادرة فانزويت جانبا عند كيس من التبن كان ابي يحتفظ به للماشية التي تسرح في (حوش) دارنا بحاجة للطعام .
لم احتفظ بالسر الذي سمعت جانبا منه .. وعندما جاء ابي بعد ان ذهب في رحلة قصيرة وعاد يحمل بعضا من الطعام .. اخبرته بما سمعت فقال لي : يا ولد .. لماذا تتلصص على الناس وتكشف اسرارهم .. انت ولد عفريت .. وقد يكون ما سمعته ضربا من الخيال .. اقسمت لابي انني سمعت ما قيل .. قال ابي : اسمع جيدا .. اذا ما القوا القبض على جورج ..فانك ستعدم معه .. خفت وقلت : ولكني لم اقتل أحدا .. قال : من يسمع ما سمعت ثم لم يبلغ عما سمع فانه شريك في ( الجريمه) وهكذا حلفت لابي يمينا اني لم ولن أقول لاحد غيرك .. قال ابي مبتسما .. هكذا يا ولد يكون الرجال .. لم تزل طفلا .. ولكني الحظ فيك نبوغا بانه سوف يكون لك شأن في مستقبل الأيام .. وهكذا لم اخبر أحدا بما سمعت ..
أبي حفظ السر لم يتطرق اليه ثانية حتى لجورج ..
دارت بنا الأيام وجورج لم يزل ( سجينا ) في غرفته لا يغادرها .. وفي يوم اذكره .. جاء شيخ المسجد على عجل لكي يدخل غرفة جورج .. وكالعادة تلصصت على ما يقولان ..
قال الشيخ : يا جورج .. الإنكليز يطوقون القرية الان .. وهم ينادون بمكبرات الصوت ان يخرج الجميع نساء ورجالا الى باحة القرية عند قهوة ( أبي زينه) التي تقبع على شارع العباسية \ اللد .. النساء والاطفال جانبا والرجال على جانب آخر دون اختلاط .. واخمن انهم يبحثون عنك .. واني اقترح ان تأتي الى المسجد كي تختفي في بعض جوانبه .. قال جورج دون خوف .. فليفعلوا ما يشاءون .. لكن المسجد يا شيخنا مكان غير آمن .. فهم يعرفون انه (وكر) للفارين من وجه عدالتهم الزائفة .. دعني اتدبر امري .. قال الشيخ .. اللهم اني قد بلغت .. سالتحق بمن يتجمعون في الساحة .. دعائي لك ان ينقذك الله من بين أيديهم .. ثم غادر ..
ظل جورج يسرح في غرفته جيئة وذهابا .. فتح الباب فجأة فوجدني اتلصص عليه وقال : ماذا تفعل هنا يا ولد .. لماذا تقف خلف الباب : قلت خائفا .. يا عمي جورج .. ارسلني ابي لكي اعطيك بعضا من طعام .. ورأيت الشيخ يتحدث اليك فقلت لنفسي عندما يغادر الشيخ اعطيها لك .. قال جورج غاضبا .. ورأيت الشيخ أيضا .. هل سمعت ما قاله : فكرت قليلا وقلت : لم اسمع شيئا .. جئت اللحظة فقط .. تنهد جورج وقال : اذهب فلست بحاجة للطعام .. وهكذا ذهبت ..

صل ع النبي يا جورج – بقلم : وليد رباح  (2)
بقلم : وليد رباح
قبل ان نسترسل فيما سبق .. ما الذي حدث عندما حاصر جنود الإنكليز قريتنا
كان بيتنا بطابقين .. احدهما سفلي والأخر علوي .. وفي العلوي مساحة فوق الغرف مبنية من القرميد الأحمركانت موئلا للعصافير واعشاشها .. ولا احد منا يعرف ما فيها .. كل ما كنا نراه رفوف العصافير تدخل من خروم في جوانب القرميد وتصعد الى تلك المساحه .. وفي الزاوية الجنوبية .. كانت هنالك نافذة ضيقة اذا ما اغلقتها لا ينتبه لها احد .. ذلك انك تصعد اليها بسلم .. والنافذة لون الحائط وفيه رقعة فوقية من القرميد بحيث تتماثل مع السقف .. أي انك اذا ما أغلقت النافذة تصبح جزءا من البيت فلا تعرف ان هنالك شباكا او نافذة .. وفيما بعد اعلم جورج ابي كيف اختبأ في قن الدجاج الضيق فكاد يختنق .. ومن ثم انتبه الى النافذة فاتى بسلم واستأجر صبيا بخمسة مليمات كي يرفع السلم من مكانه الى البعيد بعد ان يصعد ..

كنت أرى ابي وهو يقف في صفوف مع اهل القرية وقد بدا عليه القلق .. ذلك ان من ياوي أحدا مطلوبا للحكومة سوف يهدم بيته .. إضافة لحبسه .. وكان مع القوات شرطي عربي يتحدث الى الناس في بوق بحيث تصل كلماته الى سكان القرية .. يهدد ويتوعد حسب ما تلقى اليه الأوامر ..
جمع الجنود كل من في القرية عند قهوة ابي زينه .. كانوا قد طلبوا من السكان ترك منازلهم مفتوحة ومن وجد باب بيته مقفلا فسوف تكسر (القوات) ذلك الباب وتدخل قسرا .. ولم ينس المنادي ان يؤكد ان بيوتهم ومحتوياتها لن تمس .. وقال أيضا : الجندي الإنكليزي معروف بامانته .. فلا تخشوا شيئا . فابتسم البعض وهمس البعض الاخر لمن يليه .

عندما عاد الناس الى بيوتهم وجدوا كل شيء فيها مقلوبا .. وفي بيتنا بحث ابي عن جورج فلم يجده .. فتش كل محتويات الدار ولكنه لم يعثر له على اثر .. فانتابه الخوف والفزع .. قالت امي : ربما هرب الى ناحية أخرى .. قال أبي .. الناس هنا لا يعرفونه .. ولا يعرف البيوت القريبة منا .. ربما قبضوا عليه .. ثم استدرك ليقول .. ولماذا يقبضون عليه .. لم يفعل شيئا معاديا للانكليز واليهود .. قالت : وماذا يعمل .. قال ابي .. انه حرامي .. يسرق بيض الجيران ودجاجهم .. قالت بغباء .. يا ويلي .. اخشى على دجاجاتنا وصيصاننا .. قال لها .. اقفلي فمك يا امرأة .. فسكتت ..ولكني بعد لآي تبرعت بالنداء .. اين انت يا جورج .. لقد عدنا .. وفي غضون ذلك سمع ابي (خشخشة) في اعلى البيت فنظر الى الكوة العلوية بشىء من الفزع وقال بصوت قد يسمعه ولكنه لا يسمع الاخرين .. أأنت فوق يا جورج .. لم يجب جورج .. وانما فتح الكوة بتؤدة وظهر شعر رأسه أولا .. ثم مد راسه ونظر يمينا وشمالا فضحك ابي وضحكت امي مع شدة خوفهم ..
قالت امي فجأة لابي : لماذا يهرب جورج من الشرطة والجنود .. قال لها : اغلقي فمك يا امرأة .. والا ارسلتك الى الناصرة حيث اخوتك فلا تعودي الى هذا البيت ابدا .. قالت : انت تعلم اني احفظ الاسرار واطيعك في كل ما تفعل .. ما الذي يجري .. قال لها هامسا : جورج مطلوب للحكومه .. قالت : يا ويلي .. اتريد ان تدمر بيتنا وتذهب الى سجن عكا .. قال : الله هو الحافظ .. ونعم به . وطلب اليها ان تحفظ السر فلا تبوح به .. فاطاعت . وهكذا بقي رأس جورج بعيدا عن حبل المشنقه

****

المفاجأة : جورج يصلي صلاتين .. احداهما على الطريقة الإسلامية .. والأخرى على الطريقة المسيحية ..

****
كان جورج يرغب فيمن يسلي وحدته فاختارني للمهمة .. يرسلني الى الدكان كي اشتري له سجاير روثمان .. كانت العلبة بقرشين .. يحدثني كأنني بلغت سن الرشد .. يتحدث عن الإنكليز وعن اليهود وعن فلسطين وعن الاعدامات والحبوسات والظلم .. قال لي مرة : انا شيوعي .. ولكني اعرف الله .. قلت : وما الشيوعي يا جورج .. وهل الشيوعي لا يعرف الله .. قال بعد ان استدرك انه اخطأ .. يا ولد انا امزح معك .. فلا تأخذ كلامي مأخذ الجد .. وهناك شيء آخر .. ما تسمعه هنا اتركه هنا .. قلت : وكيف اترك ما اسمع .. قال : بان لا تتحدث به لاحد .. قلت : ولا حتى ابي .. قال ضاحكا .. ولا حتى كارل ماركس .. ولم افهم ما عناه فأثرت الصمت .
كانت امي تتفقدني في كل حين .. ولا تتركني اجلس كثيرا مع جورج .. وكانت تقول لي : الصغار لا يجالسون الكبار .. عليك ان تعلمني بما تتحدثان به .. قلت وقد تذكرت ما قاله جورج .. نتحدث عن تربية الصيصان والكتاكيت وكيف تربي الدجاجة فراخها .. قالت : أي شيء آخر .. قلت : لا شيء البتة ..

لم انقطع عن التلصص على جورج في غرفته .. ومما اثار اهتمامي ان جورج كان يصلي صلاتين .. احداهما على طريقة ابي وما يفعل في الصلاة وحركاتها .. والأخرى كان يحضر صليبا من خشب الزيتون ويضعه امامه ويبدأ ب ( التمتمة) بحيث لا يظهر صوته .. قلت لابي مرة : هل جورج يهودي .. قال ابي : اصمت يا ولد .. ولا تكثر من الاسئله .. قلت له : يا ابي رأيته يضع صليبا امامه ويصلي .. قال : لم تزل صغيرا لكي اخبرك بما اعرف . قلت بشىء من العفرته .. من قال لك اني صغير : انا افهم كل ما يجري .. جورج يختبىء من العسكر .. ولم استطع ان احتمل الصفعة التي رسمها ابي على خدي اليسرى صارخا .. اذهب الى امك يا ولد .. ولا تأت الى غرفة جورج اطلاقا .. قلت وقد سرحت دمعات على خدي لعنف الصفعه .. سوف آتي في كل يوم .. وسوف اتلصص عليه .. وسوف ارسل له الطعام والسجاير ..
لحقني ابي وهو غاضب .. وهكذا اختفيت بين ازقة الحاره ..
سمعت ابي مرة يقول لامي بصوت خافت .. اسمعي يا امرأة .. الرجل الذي يعيش معنا مناضل يحارب اليهود والانكليز .. وقد اتهم بقتل عسكري بريطاني واستطاع الهرب من حراسه .. قالت : يا ويلي .. قال لها : اصمتي واسمعي .. كلفني شيخ المسجد ان ابحث عن اهله في قرية ( الزبابده) وأريد منك ان تؤدي هذه الخدمه .. اذهبي الى قرية الزبابده وابحثي عن اهله هناك واخبري بعض اهله ان جورج لم يزل حيا يرزق .. ولا شىء غير ذلك .. لا تدلي أحدا على مكانه .. قالت بحده .. هل تريد ان ترسلني الى سجن عكا لكي تتخلص مني .. ضحك ابي وقال : انت تعرفين انك اغلى من عيني .. ما أقوله لك سر لا يعرفه احد غيرنا .. احملي على رأسك بعض الخضار للتمويه واتجهي الى قرية الزبابده .. قالت .. ولكني لا اعرف القرية .. قال : اذهبي الى مدينة اللد أولا .. ومن هناك تأخذي الحافلة الى نابلس .. ومنها خذي الحافلة الى القرية .. فان لم تجدي حافلة اذهبي الى خان عبد الله العكر واستأجري حمارا واذكري اسمي الاخير فقط .. قولي له (رباح) عندها سوف يعطيك الحمار .. فان نجحت عودي في الحال .. وان لم تنجحي في التعرف على احد من اهله .. تستطيعين المبيت في نابلس عند سعد النابلسي .. فله (مصبنة) على طريق نابلس – بلاطه .. ثم كرري امر البحث .. ولا اريدك ان تعودي قبل ان تنجزي المهمه .. قالت امي : ولكن اليهود يقطعون الطريق ما بين اللد والمدن أخرى .. قال : لقد اجبرهم الثوار على ان يبتعدوا عن الطريق ولجأوا الى مستوطنتهم في ( عيون الحراميه) .. قالت .. والأولاد .. من يرعاهم .. قال : ما تقومين به يا امرأة اغلى من الولد والزوج والدنيا بأكملها .. قالت : على راسي وعيني .. ومن ثم حملت امي بقجة من الملابس وغادرت ..
تابعونا [……