سياسة واخبار (:)
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة (:)
يقول المثل الشعبي ” يعرف ويحرف ” أي أن المقصود في هذا المثل يعرف الحقيقة ، لكنه ينحرف في مواقفه عنها ، ويحاول دائماً الالتفاف حولها كي لا يصطدم بها .
أكثر ما ينطبق هذا المثل اليوم على الرئيس الامريكي باراك اوباما وعلى غالبية قادة وزعماء الدول الاوروبية ، لكن اوباما يبقى متميزاً في انحرافه ، لأنه فاق الكل في طلته على عالم السياسة الامريكية والعالمية ، فهو احدى مفاجآت هذا العصر ، فمع اطلالته فوق مسرح سياسة اقوى دول العالم توقع الكثيرون خاصة الشعوب المغلوبة على امرها ، بأن هذا الزعيم سيكون الأبن أو الرئيس الذي ارسلته السماء لدحر الظلم والقهر ، وأنه سوف يجند سياسة امريكا وقوتها لنصرة المقهورين .
أما لماذا كان هذا التفاؤل ، لأن اوباما وضع في خانة من يشعرون بهذا الظلم ، وبالتاكيد أنه لمسه بشفاهه وأصابعه وجيناته المركبة من آلآم هذا الظلم ، لقد خدع الناس بشخصيته وحماسه ووعوده ، وخدعهم أكثر بسبب لون بشرته ، لكن اتضح أن هذا اللون ضاعف من عقده النفسية ، فقد حاول خلال حكمه أن يثبت للطغاة من حلفاء أمريكا وديناصورات العنصرية في امريكا أنه أكثر بياضاً ممن سبقوه في سياسته رغم لونه الخارجي .
في مقدمة الذين انتظروا وهللوا وتأملوا أن هذا التغيير والحدث التاريخي في امريكا بوصول اول رجل أسود الى سدة الحكم ، جميع المقهورين في العالم ، ومن بينهم الشعب الفلسطيني ، لأن هذا الشعب من اكثر الشعوب في العالم التي عانت من الدعم الامريكي لإسرائيل ، وفي نفس الوقت فهو لا يثق بغالبية الانظمة العربية ، لأنها أصبحت تقف في معسكر اعداء المقاومة .
الشعب الفلسطيني اعتقد بأن الرئيس اوباما سيكون منصفاً في تعامله مع قضاياه القومية ، وأنه سوف يتراجع عن سياسة الدعم اللامحدود لإسرائيل بعد أن جعلت منها سياسة البيت الأبيض خنجراً تلوح به لإخضاع كل من يعارض مشاريعها الامبريالية في المنطقة ، أن سياسة الدعم الامريكي لإسرائيل جعلت كل فلسطيني يشعر بأن امريكا هي المسؤولة عن استمرار نكبته وهي المسؤولة عن حرمانه حتى اليوم من حقه في تقرير مصيره .
كثير من الرؤساء الامريكان تبجحوا وتفاخروا بمقدار حجم الدعم الذي منحوه للعدوانية الاسرائيلية ، لكن الرئيس الامريكي السابق جيمي كارتر ، الذي يحاول اليوم ارتداء عباءة الانسانية وحملاً للسلام ، أعلن عام 1980 على مسمع من السادات ، بأنه يفتخر لأنه استطاع خلال فترة حكمه لأمريكا التي امتدت اربع سنوات ، أن يقدم مساعدات لإسرائيل نصف ما حصلت عليه من امريكا طيلة ثلاثين سنة ، وأعترف بأنه قدم لها في حينه عشرة مليارات من الدولارات .
لم يختلف هذا الدعم في زمن بقية الرؤساء الذين تولوا الحكم بعد كارتر وآخرهم باراك اوباما ، لكن الفرق بين اوباما وبقية من سبقه من رؤساء الولايات المتحدة ، خاصة اولئك الذين تولوا هذا المنصب بعد الحرب العالمية الثانية ، أن اوباما أكثر الرؤساء الذين تعرضوا للنكران والجحود من مسؤولين اسرائيليين ، كما أنه تعرض للمهانة والانتقاد اللاذع أكثر من مرة ، خاصة من فاشي العصر بنيامين نتنياهو ، تعامل هذا الفاشي الصغير مع الرئيس الأمريكي ، ليس فقط بأن رفض كل اقتراحاته الخاصة بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني ، بل استخف بها وتجاهلها دون تردد ، وعمل عكسها .
مارس نتنياهو هذا التحدي رغم أن الرئيس اوباما لم يبتعد قيد أنملة عن محور الاستراتيجية الامريكية المعهودة اتجاه اسرائيل ، الا أن تجاوبه مع هذه السياسة ، لم يمنع من توجيه الصفعة له تلو الصفعة ، لأنه ادرك عجزه وضعفه وتردده ونفاقه ، بعد هذه الصفعات حاول نتنياهو استغلال اللوبي الصهيوني أكثر ، فقام بتحريض حكام الولايات وأعضاء داخل مجلس الشيوخ لوضع العثرات امام سياسة اوباما الداخلية ، وقد ازداد صلافة عندما رفض توجه اوباما المباشر له بالامتناع عن القاء خطابه أمام الكونغرس بهدف افشال المفاوضات التي كانت قائمة والخاصة بالمشروع النووي الايراني .
امام هذا التحريض وقف اوباما موقف المتهم المدافع عن سياسته امام رئيس حكومة عنصرية حجمها لا يساوي نقطة واحدة في بحر الولايات المتحدة، رغم هذا النكران ، أعلن اوباما بأن بلاده سوف تقوم بتعويض اسرائيل بالأموال والاسلحة الحديثة ، مقابل توقيع الاتفاقية مع ايران ، هذا يؤكد حقيقة النفاق لإسرائيل ، لأنه لا يوجد علاقة بين الاتفاق النووي وبين دعم اسرائيل بأكثر الاسلحة فتكاً وحداثة .
اسرائيل تعرف من أين تؤكل الكتف الامريكية ، لأنها ضامنة بأن التزام امريكا لإسرائيل لا يتغير ، وهو جزء من استراتيجيتها العالمية التي لا تتزحزح ، بسبب هذه القيود لم يتوقف التطاول على شخص وسياسة اوباما ، فقد وصفه ران بيرتس مستشار نتنياهو الاعلامي والناطق باسمه بأنه لا سامي ، وهذا الوصف هو أكثر المواقف حدة الذي تستخدمه اسرائيل والصهيونية ضد اعدائها ، صدر هذا التصريح من بيرتس قبل أن يقوم نتنياهو بتعينه مسؤولاً على مكتب اتصلاته ، وقد طلب أكثر من مسؤول امريكي واحد بما فيهم وزير الدفاع من نتنياهو بعدم تعينه بهذا المنصب ، لكن الجواب كان الرفض القاطع .
استمراراً لسياسة النفاق التي يتعامل بها اوباما مع حكومة نتنياهو ، لم يتأخر هذا الرئيس في اتباع سياسة الخداع والمماطلة مع الفلسطينيين وصرف الوعود الكاذبة ، كما أنه استمر بسياسة بوش من خلال محاولته دعمه للإرهاب في سوريا ، ودعمه للأنظمة العربية الرجعية بهدف اقامة شرق أوسط جديد ، وفي مطلع هذا الاسبوع حل نتنياهو ضيفاً على البيت الأبيض في واشنطن ، وقد اعترف الاسرائيليون انفسهم والكثير من المراقبين ، بأن هذا الاستقبال ، وما هو الا استمرار لسياسة المهادنة والتزلف ، اوباما يستغل نتنياهو ليكسب وده ورضى اللوبي الصهيوني ، يستقبله وهو يعرف بأن خصمه السياسي والشخصي . يستقبله وهو يعرف أنه المسؤول الأول عن سفك دماء الفلسطينيين والاسرائيليين في هذه الأيام .
اعترفت الصحف الاسرائيلية بأن الجفاء المفتعل بين الزعيمين ، لم يمنع اوباما من الموافقة على صرف الفاتورة التي سوف يضعها نتنياهو امامه ، يطالب فيها بالمزيد من الدعم العسكري والاقتصادي ، نتنياهو يعرف بأن اوباما قد هزم وبأنه لا يستطيع ان يتحرر من جاذبية الاستراتيجية الامريكية اتجاه اسرائيل ، فدعمها شيئاً مقدساً ، وقد عبرت عن ذلك بالأمس القريب المرشحة للرئاسة الامريكية هيلاري كلنتون ، فقالت في احدى لقاءاتها ، ان قيام اسرائيل ووجودها يعتبر حلماً انتظره العالم ، لكنها لم تنوه ما هي حقيقة هذا الحلم ، الذي هو عبارة عن كابوس قاتل بالنسبة لشعب آخر ، شرد غالبية أبناءه ، ولا زال واقعاً تحت نير العبودية .
من بين عقاقير الاطمئنان التي قدمها اوباما الزعلان مع وقف التنفيذ لضيفه الصلف قبل مصافحته ، اعتراف اوباما بأن مشروع الدولتين اسرائيل وفلسطين ، لن يرى النور في الفترة المتبقية من عمر رئاسته ، وأن الاستيطان لن يتوقف ، وهذه اشارة لنتنياهو بأن يستمر في سياسته الاحتلالية .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

