المقاومة في القاموس الأمني الاسرائيلي

دراسات (::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (::)
عصابات כנפיות متسللون מסתננים مخربون מחבלים ارهابيون טרורסטים ، هذه من الاسماء والمصطلحات ما هي الا جزءاً من القاموس اللغوي السياسي الأمني الذي ابتدعته اجهزة الأمن في اسرائيل ، منذ قيامها حتى اليوم ، وبالتأكيد أنها أصبحت تحتل حيزاً داخل أرشيفات المجمع اللغوي العبري ، ولا نستغرب اذا كان المتخصصون في تجديد اللغة يتباهون بابتكارها ووضعها في صدارة قاموس اللغة العبرية الأكثر استعمالاً .
كل مصطلح من المصطلحات المذكورة له أسبابه وأحداثه ومواقيته ، في فترة الانتداب كانت تتردد كلمة عصابة أو عصابات على فصائل المقاومة الفلسطينية التي كفرت بالاحتلال البريطاني لفلسطين وبتحيز بريطانيا مع اليهود ، وفتحها لإبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها ، أعتبر هؤلاء عصابات من وجهة نظر الحركة الصهيونية لأنهم تصدوا للمشاريع الصهيونية في فلسطين ، تعاون اليهود مع الانجليز على استخدام هذا المصطلح وكان الهدف من استخدامه هو : لتحقير هؤلاء والتقليل من قيمة اعمالهم ، مع أنها تعتبر مقدسة بالنسبة لكل فلسطيني ، كما أنها مقدسة أكثر حسب القانون الدولي ، أن تكرار هذا الاسم كان يعني حرية الضغط على الزناد للتخلص من هؤلاء أحياءاً كانوا أو أمواتاً ، فكل من يقرأ مجموعة الكتب الصهيونية – הציונות – ، وموسوعة – אלהגנה – ، لا يجد سوى تكرار هذه الاصطلاحات التي تعبر عن الحقد والكراهية والعنصرية ضد العرب ، مثل عصابات القسام ، أو عصابات القاوقجي أو عصابات المفتي وغيرها . لكن بعد وقوع النكبة والتوقيع على اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية عام 1949.
، أغلقت الحدود بين اسرائيل والدول العربية المحيطة بها ، وهي قطاع غزة ، الأردن ، لبنان ، وسوريا ، كان أول ردة فعل للكثير من الفلسطينيين الذين شردوا من قراهم ومدنهم وتم قذفهم وراء الحدود ظاهرة محاولات التسلل عبر الحدود الى الداخل الفلسطيني ، الاصطلاح الذي اختارته السلطات الاسرائيلية لتسمية هؤلاء – متسللون – هذا التسلل يعتبر نقطة نحول في حياة هؤلاء المواطنين الفلسطينيين ، لأنهم حرموا من الدخول والخروج من وطنهم ، كما حرموا من التنقل داخل سهوله وجباله ، وأصبحت طريقة وخيار التسلل المحفوف بالمخاطر السبيل الوحيد للدخول والخروج من هذا الوطن .
المتسلل من وجهة نظر الصهاينة هو الغريب عن وطنه ، وعودته غير شرعية ، هذا ما يعنيه هذا الاسم ، والمتسلل في العرف الصهيوني مجرم يحق قتله أو اعتقاله وسجنه بدون محاكمة ، كان المتسللون يعرفون مصيرهم وموقف سلطات الاحتلال منهم ، لكن رغم ذلك أجبرتهم ظروفهم القاهرة على القيام والمغامرة بقطع الحدود لاهداف كثيرة منها محاولة العودة إلى القرى التي شردوا منها ، ومنها محاولة جني جزء من المحصول الذي تركوه وراءهم في مزارعهم وبيوتهم، أو اللقاء بما تبقى من أسرهم داخل الوطن .
من هؤلاء من ضحى بنفسه من أجل كيس برتقال أو كيس من الحبوب أو سلة خضراوات ، لعلها تبل رمق أطفالهم الذين كانوا يتضورون جوعاً ، لم ترحم أجهزة الأمن الاسرائيلية هؤلاء فكلفت بالبطش بهم وابادة أكبر عدد منهم ، مع أنهم لم يهددوا أمنها ، كانت الأوامر واضحة وصريحة لهذه الأجهزة ، القتل أولاً : وإلا فالاعتقال والتعذيب والطرد فيما بعد ، وقد أكد ذلك الباحث ورجل المخابرات السابق ” هيليل كوهين ” في كتابه العرب الجيدون ، كشف عن الخطة التي وضعتها حكومة بن غوريون للتعامل مع المواطنين العرب داخل اسرائيل ، وكيفية التعامل مع المتسللين ، كانت حالات الاعدام تحدث يومياً ، على طول الحدود الاردنية الاسرائيلية ، ومنهم من قتل على حدود قطاع غزة ، كان يتم دفن هؤلاء في مقابراقيمت خصيصاً داخل القرى العربية ، والطيرة كانت أحدى هذه القرى .
من بين الذين كانت تتم تصفيتهم دون رحمة الأطفال والنساء والشيوخ ، وذكر الكاتب اسحاق ليئور في مقال له في صحيفة ” هآرتس ” أن عدد المتسللين الذين اجتازوا الحدود الاردنية الاسرائيلية منذ بداية وقف اطلاق النار عام 1949 حتى عام 1956 يقدر ب 25 الف متسلل .
يضيف هذا الكاتب أن احداً لا يعرف حتى الآن عدد الذين قتلوا لأن وزارة الدفاع رفضت الافصاح عن هذا العدد ، لقد كان الرمز المتعارف عليه في لغة هؤلاء القتلة ( الله يرحمو ) وقد استخدم السفاح شدمي وجنوده هذا الاصطلاح في مجزرة كفر قاسم .
استمرت وسائل الاعلام العبرية في اجترار مصطلح متسلل في ادبياتها الأمنية والسياسية ، حتى تم احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ، وكانت أحياناً تسقط فوق شفاه المسؤولين الأمنيين كلمة – فدائيون – ، لتبرير تصفية ما أمكن من المتسللين الذين كانوا يجتازون الحدود للأسباب المذكورة ، وكثيراً ما تذرعت اسرائيل بأعمال من أسمتهم  بالفدائيين كي تقوم باعمال انتقامية ضد الفلسطينيين ، لقد أسفرت هذه العمليات الانتقامية عن تدمير مئات البيوت في القرى الفلسطينية المحاذية للحدود ، كما أسفرت عن قتل المئات من الأبرياء من خلال المذابح التي ارتكبت ، مثل مذبحة قرية فلامية القريبة من طولكرم ، مذبحة قرية حسان القريبة من منطقة رام الله ، وغرندل القريبة من منطقة اللطرون ، ومذبحة قرية قبية ، التي ارتكبها في حينه السفاح شارون .
بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة اتخذت أعمال مقاومة الاحتلال منحى جديداً ، حيث تم تنظيم فرق مدربة للمقاومة ، تحت اشراف منظمة التحرير الفلسطينية ، خاض هؤلاء المقاومون معارك ضارية في الأغوار والكرامة ومنطقة العرقوب في لبنان وغيرها ، بعد هذا التحول قررت السلطات الاسرائيلية نعت كل مقاوم باسم مخرب – מחבל – ، والترجمة الحرفية لهذا المصطلح المزيف تعني : مخرب ، مدمر ، مفسد ، شيطان ، وروح شريرة .. حسب قاموس العبري قوجمان ، السؤال ما الفرق بين هذا المناضل الذي نذر نفسه لمقاومة الاحتلال وبين كل المقاومين الذين واجهوا الاحتلال النازي أو الامريكي في العراق وفيتنام أو البريطاني في مصر والهند والفرنسي في الجزائر .
لكن تبقى الغاية لاستخدام هذا المصطلح لتحقير وادانة كل من يقاوم الاحتلال ، هذه الادانة بالمفهوم الاسرائيلي تعني اباحة دماء هؤلاء دون محاكمة ، واذا لم يكن بالإمكان تنفيذ عملية الاعدام فلا يوجد أية حصانة دولية أو انسانية تمنع الاعتقال والتعذيب والسجن عشرات السنين وهدم البيوت ، هذا ما تعنيه كلمة مخرب في العرف الاسرائيلي : المخرب بالنسبة للاسرائيليين هو الحي الميت ، التافه ، واللاانسان ، كما وصفته صحيفة اسرائيل اليوم ، والغريب أنه اسبغ على الفلسطينيين ، لأن هدف اسرائيل ابادة هذا الشعب .
اليوم لم تعد كلمة مخرب تروي غليل وحقد الاسرائيلي المسؤول وغير المسؤول ، فأضافوا الى كلمة مخرب ارهابي ، والهدف معروف طمس كل معاني المقاومة ، واعتبارها ارهاباً مع أنه هناك فرقاً شاسعاً بين المقاومة والارهاب ، وفد فسرت السلطات الاسرائيلية كلمة ارهاب على طريقتها الخاصة كجزء من القمع والاحتلال بالإعدامات الميدانية بدون محاكمات ، مع استغلالها لوضع الارهاب في العالم ، وما تحمله هذه الكلمة الآن من اتساع في فحواها ، مع العلم ان اسرائيل هي الارهاب بعينه، كما أنها تدعم  الارهاب أينما وجد، دعمها المطلق للتكفيريين في سوريا والعراق واليمن .