نسمات ٌ صيفيّة

فن وثقافة (:::)
بقلم : عبد الرحيم الماسخ – مصر (::)
لم يكن النص الأدبي الساخر ارتجالياً مُجرّدا في أغلب الأحيان , فمن أصوله المباشرة دعائم راسخة في الحياة , فالعلاقات الاجتماعية في سبيل التعايش الإنساني مصدر لأحداث واقعية لا تنضب تحمل في طيّاتها السخرية الهادفة كما تحمل الجدّية الصارمة في أحيان أخرى , و منذ تواجد البشر على الأرض و الوقائع و الدسائس و المكائد تتراكم و تتجاور مع المحامد و المكارم و التسامح , كذلك الحياة في كل زمان و مكان , و بعيدا عن التخصص و الاحتراف المصطنع تظل التلقائية غطاءً للمُلَح الطارئة و الفُكاهات الشاردة كنسمات الصيف التي تُلطِّف الجو كلّما أوشك على الاشتعال , لاسيما إذا احتاجها خلل النفوس المكظومة لاتِّزانه , فتحلّى بها الوقت ُ كالصبر , كالاحتساب , كالأمل ,و عندنا حيث نحيا في ريف فقير في صعيد مصر , وبين الاحتكاك الدائم للنفوس الجافة بأطروحاتها المستحيلة , و مع انتشار الأمية , وجَب تخريج ُ الطُرَف إلى مكامن الأحزان كما يبترِدُ الماء الدافئ  بالثلج , فإذا بدرتْ بين حين و آخر طُرفة فلامستْ الظمأ الجارح في الصدور الموجوعة ربّما منعت كثيرا من الآلام , و جددت ْ أنسجة الروح لمزيد من السريان , وقد لا تمر تلك الطُرفة مرور الكرام , و إذ تتجمع من شتات الذاكرة تتناقلها العقول و قد تضيف إليها , و من هذا المنطلق بلغت الطُرَف بين الفلاحين البُسطاء و الفلاحات حيزا عمرانيا للسكينة و السعادة , فعندنا و ذات يوم تأخر أحد البُسطاء عن دفع ضريبة عليه للحكومة لضيق ذات اليد , فحضر إليه المسئول لتوقيع الحجز الإداري , فلم يجد في كوخه الفقير إلا ثلاثين دجاجة بيّاضة , فسجّل المسئول ُالدجاجات بكامل أوصافها في سجل الحجز و فرض حراستها على صاحبها مُحدِّدا ميعاد المزاد العلني لبيعها , و عند حلول موعد المزاد تلاحظ تبديل الدجاج محل الحجز بعدده من الكتاكيت الصغيرة , و عندما توجّه المسئول لصاحب الكوخ باستفسار عن سبب ذلك
التلاعب , قال الرجل الفقير للجمع المحتشد لحضور المزاد , غريبة حكومتنا وقّعت الحجز على الدجاجات ومن ذلك الحين أصبح الدجاج ملكا لها ثم نسيته فلم تحضر له طعاما , وتركته يجوع فيصغر حتى صار كما ترون , ثم يأتي هذا فيُلقي المسئولية على الغير !
إنها الظروف الخانقة , كما قيل : الحاجة أم الاختراع , لقد تراكمت المشاكل فتعاظمت الحِيل لمجابهتها أو الهروب منها على أضعف الأحوال , و من عجائب الأمور أن يتسلّى الناس عن همومهم بالفكاهات كما نتعاطى المسكِّنات إذا اشتد بنا المرض , فذات يوم خرج رجل من بيته يريد سوق الثلاثاء يسوق أمامة نعجة يريد بيعها , في الطريق رأى أحد الأثرياء يجلس على عتبة بيته فألقى عليه التحية و سار في طريقه , لكنه بعد لحظات معدودة عاد من حيث ذهب , و أدرك الرجل الثري أن ذلك الرجل لم يصل إلى غايته من وقته , فسأله عن سبب عودته المتعجّلة , فقال : أردت الذهاب إلى السوق و لكن ناسا كثيرين قابلوني و على اختلاف طلوعهم و توجّهِهم أقسموا  لي بلا اختلاف  أن اليوم هو يوم الأربعاء , و أنني ربما نمتُ يومين بليليهِما فلذلك فاتني السوق .
أيضا من الوقائع العجيبة أن رجلا سرق ثوب رجل آخر , وبعد أيام قليلة لبسه ذلك السارق و خرج إلى السوق , فصادفه صاحب الثوب المسروق فعرف ثوبه , فأمسك بالسارق صائحا : هذا ثوبي , فبحث اللص عن مخرج سريع من هذه الأزمة , وسرعان ما قال للرجل و هو يخلع الثوب : خذه فالبسْه فإذا كان على مقاسك كان ثوبك و إلاّ فلا , فأخذه الرجل و بعدما لبسه  ظلَّ يصيح : يا ناس هذا ثوبي سرقه هذا الرجل حتى تجمّع الناس عليهما, فقال لهم اللص بهدوء الواثق من نفسه : سمعتم ما يتّهمني به هذا الرجل  فما رأيكم , ثوبُه يلبسهُ على جسده  ثم يتّهمني بسرقته , فصاحوا بالرجل الذي لم يُفِق بعد من ذهوله : أيها المجنون تتهم الناس بما ليس فيهم  و تريد أن نصدِّقك ؟
إنها الجُمَل المبنية على المُفارقة , المُفصّلة على بدَن الحدَث , لذلك كان وقْعُها على الناس و خاصة البُسطاء منهم  مِن بعد عُسر ٍ يسرا و من بعد ضيق ٍ فرجاً و من بعد خوفٍ أمنا تتذاكرُها العقولُ بعفويّة و تألفها النفوس برضا كالعصا التي تأخذ بيد ِ العاجز و تعبرُ الطريق بين الحاضر و المستقبل و بين الواقع و الخيال التِماسا للراحة  العابرة و المتجاوزة للحظة قد تكون عصيبًة بغير الطُرفة التي تُشبِع ُ الوقت ضحكا و فرحا و نسيانا !