الموتى يسهرون على أضواء المصابيح (1)

فن وثقافة (:::)
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي(:::)
رحم الله الحاج علي الخطيب .. كنت يوما اتحدث اليه وكان على مرض .. فقلت له : ماذا تريد ان نضع لك في قبرك .. فقال على الفور : علبة من سجاير المارلبورو .. ثم تابع .. وانت ؟ قلت له : زجاجة عطرمن النوع الذي اذا ما شممته تخرج من قبرك منشكحا ..  وضحكنا سويا .. ولكني تابعت .. وماذا تريد من علبة السجاير وانت قد اقلعت عن التدخين .. فقال  : صحيح انني اقلعت ولكني احن الى السيجارة مثلما يحن الغريق الى قطعة من الخشب الطافي على سطح الماء لينجو .. ثم تابع .. وانت ماذا تريد من زجاجة العطر .. قلت على الفور : علني التقي بحورية فتعجبني .. فاغريها بزجاجة العطر اذا ما تمنعت .. فقال رحمه الله .. كل يفتش عما ينقصه .
***
في اليوم الاول من دفن ( ابي السرهد) تجمع الاموات عند قبره وقاموا بحفر البئر الذي يسكنه فاصطدم الفأس برأسه فصرخ .. وبعد لاي خرج اليهم معمما وفي يده سبحه .. ضحكوا .. سأل .. ما الذي يضحككم .. قالوا .. ماذا تفيدك السبحه والعمامة وقد كنت في حياتك تأكل السمكة وذيلها .. هنا يا صاحبي لا تستطيع ان تخدع الملائكه .. قال : قد خدعتهم بالفعل .. فقد جاءوا الي يسألونني فقلت لهم .. لقد اخطأتم في سؤالي .. فالعنوان الذي تريدونه ليس قبري .. وانما قبر جاري .. فانا ميت منذ سقوط الاندلس .. نظر الملكان الى سحنته وتهامسا معا .. قال احدهما : هل يمكن ان نكون قد اخطأنا  العنوان .. قال الاخر : ربما .. دعنا نذهب الى جاره فنسأله ..  قال الاول للثاني .. ولكنك تملك في جيبك جي بي سي .. هلا ( دوزنته) على العنوان كي نصل الى العنوان الصحيح . .. من ثم غابا عن ناظري حتى سمعت فؤوسكم وقداديمكم وشواكيشكم تحفرون قبري فتوسمت خيرا .. فدعونا نسهر سويا ولا اريد العوده .. ضحكوا وقالوا .. نحن نخرج في الليل فقط .. انما النهار للملائكه ..
نظر ابو السرهد حوله فاذا بشلة من الاموات يلعبون ( الكوتشينه) فوق القبور القديمه .. ونظر الى شلة اخرى يلعبون طاولة النرد .. اما الاخرون فكانوايتجادلون .. هل الملائكة ذكور ام اناث .. تعلو اصواتهم ويشتبكون بالايدي والارجل .. قال ابو السرهد لهم .. من هؤلاء .. ولماذا لايتفقون على رأي واحد .. قال واحد من الاموات .. انظر حولك .. هؤلاء من جماعة السيسي .. والاخرون من جماعة الاخوان .. اما من يتفرجون فهم من السعودية .. وذاك القابع في اعلى الشجرة المجاورة من اليمن .. تارة يرفع شعار الحوثيين عندما ينتصرون .. وتارة اخرى يرفع شعار القومية العربية  عندما ينهزمون.. لكن جل الاموات كانوا يلعبون النرد والكوتشينه .. يتحادثون بمحبة وود فاعجب ذلك ( ابو السرهد) اما الثلة الاخرى الذين لا يتحدثون او يتكلمون .. فهم جماعة شعارها السياسة تياسه .. فلا يتدخلون فيما لا يعنيهم .

نظر ابو السرهد حوله ووضع يده على معدته الخاوية وقال : هل لديكم ما اتبلغ به .. انا جائع .. قال احد الموتى .. هنا كل شىء بثمنه .. هل معك من النقود ما يكفي لطعامك ؟ تفقد ابو السرهد نفسه فلم يعثر على ضالته .. قالوا له جميعا .. ما الذي يجعلك تبحث عن جيوبك .. الا تعلم ان الكفن ليس له جيوب .. قال ابو السرهد .. قد نسيت ذلك .. هلا ذهبت الى بيتي لاحضر النقود .. ضحكوا وقالوا .. لن يسمح لك حارس المقبرة بالمغادرة .. قال ابو السرهد : اقفز عن سور المقبره .. سأل احدهم .. عندما كنت تسرق البيوت في زمانك الاول .. هل تدربت على القفز من على الاسوار .. قال ابو السرهد .. كنت مثل الرهوان لا يلحقني اصحاب البيت الذي أسرقه .. ضحكوا جميعا .. ولكن احد الاموات كان يجلس على حجر من حجارة القبور البارزة وقد وضع يده على خده وظهر الحزن على وجهه .. قالوا له .. اذهب الى اخينا هذا فاستعطفه ان يعطيك من النقود ما يكفي لطعامك ..

ذهب ابو السرهد اليه وطلب اليه بعض النقود .. قال الميت الحزين .. ساعطيك خمس دولارات .. ولكن يجب ان تكتب لي صكا ان تسددها لي بعد شهر عشر .. قال له ابو السرهد : الفائدة مائة بالمائه .. هذا كثير .. قال الحزين : ان اعجبك فخذ .. والا فلا .. قال له ابو السرهد .. ما لي اراك حزينا وكأن هموم الدنيا قد تجمعت في رأسك .. قال الحزين .. لقد استدان مني اكثر الاموات .. ولكن احدهم لم يدفع لي ما اعطيته مضاعفا او حتى نقودي دون فوائد .. لذا فانت ترى الحزن على سحنتي ولا اكلمهم حتى يسددوا ما عليهم من النقود ..
عاد ابو السرهد الى شلة الاموات كاسفا ذليلا جائعا وخائفا مرتعدا .. اشفق عليه ميت فقال له : عندي قطعة خبز دون غموس .. فهل تستسيغها .. قال ابو السرهد .. استطيع ان آكل الحجارة لو كانت لينة .. فانت تراني وقد تهرأت اسناني واصفرت وغدت مثقوبة هنا وموصولة هناك .. اريد شيئا لينا يمكن ان امضغه بسهوله ..
نظرابو السرهد الى وجه صديقة المتحدث  .. قال احدهما للاخر .. نؤجل الحوار في هذا الامر الى العدد القادم .. ثم افترقا