نعم للمدارس الوطنية

اراء حرة  (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
من بين الطرق والأساليب التي تستعملها الأجهزة المختصة في اسرائيل لتمزيق كل نسيج وحدوي ثقافي  أو اجتماعي للمواطنين العرب ، أسلوب محاصرة وعزل المدارس الوطنية ، واخص بالذكر المدارس التي أنشأتها وتديرها الطوائف المسيحية ، والسبب أن هذه الأجهزة تتبع مخططاً يمثل فكر وعقلية الرجل الأبيض ، وهو حقيقة يمثل الوجه الأسود القبيح لما سمي بالاستعمار الجديد ، وقد سارعت الحركة الصهيونية الى تبني هذا الفكر منذ نشأتها .
من بين مخططات هذا الفكر  تحجيم وضرب الاقليات القومية ببعضها البعض من خلال زرع بذور الفتن الطائفية داخل مجتمعات هذه الشعوب ، هذا ما فعلته بريطانيا أثناء استعمارها لشبه القارة الهندية ، فقد دأبت دائماً على اشعال فتيل الاقتتال الطائفي بين الهنود الهندوس واخوانهم من الهنود المسلمين ، كما أنها دأبت أيضاً على اثارة القلاقل بين طوائف الهندوس أنفسهم وطوائف المسلمين من سنة وشيعة وخوارج وغيرهم .
حاول الانجليز أيضاً نقل تجربتهم في الهند الى مصر بعد احتلالها عام 1882 ، فحاولوا التقارب مع الاقباط على حساب اخوانهم المسلمين ، الا أن هذه المحاولة فشلت بفضل وعي قادة وزعماء الحركة الوطنية في مصر ، التي رفعت شعار التلاحم والتآخي بين الهلال والصليب قبيل تفتح براعم اليقظة القومية والوطنية المصرية .
اما الفرنسيون فلم يكن باعهم أقصر من باع اقرانهم البريطانيون في سياساتهم الاستعمارية ، فعندما سيطروا على الاقطار العربية في شمال افريقيا ، حاولوا دائماً زعزعة الاستقرار والتآخي بين العرب والبربر ، بهدف احتواء الطرفين والسيطرة عليهم ، أما في سوريا ولبنان فحاول الفرنسيون اقامة فصائل من الدرك خاصة من أبناء الطوائف المسيحية ، نكاية بالعرب المسلمين ، لكن قسماً من سلاح افراد الدرك هؤلاء ارتد الى وجه الفرنسيين خلال الثورات التي قامت ضد الوجود الفرنسي .
واسرائيل ما هي الا امتداد لهذا الفكر الانتهازي العنصري ، فهي حتى الآن بما قامت به من محاولات لفصل المواطنين العرب الدروز عن أبناء جلدتهم المواطنين العرب ، من خلال محاولاتها الفاشلة بتحويل الانتماء الديني الى انتماء قومي ، فحاولت ولا زالت فرض اللغة العبرية داخل المدارس في القرى الدرزية بدلاً من اللغة العربية ، كما انها حاولت ولا تزال تحاول صنع ثقافة مزيفة ومشوهة لأبناء هذه الطائفة ، وقد ازدادت فضائحهم عندما حاولوا فصل تاريخ ابناء هذه الطائفة عن التاريخ العربي القومي ، بادر بعض العملاء للعمل على تلفيق أحداثاً وهمية هزيلة لا علاقة لها بتاريخ العرب الدروز المشرف .
اليوم أصبح هم المؤسسة الحاكمة في اسرائيل نقل التجربة ذاتها داخل صفوف بقية شرائح مجتمعنا ، محاولين الدخول من الأبواب الطائفية لرفع مداميك الجدار الذي أقامته لإبعاد الطائفية المعروفية ، مخطط الجدار الجديد محاصرة الطوائف العربية  المسيحية لفصلهم وابعادهم عن تاريخهم القومي العربي ، لكن محاولاتها اصطدمت بجدران أكثر قوة ومتانة .
اصطدمت بالوعي القومي العروبي لدى أبناء الطوائف المسيحية ، واكتشفت بأن هذا الوعي لم يكن وليد حقبة زمنية قصيرة ، بل هو نتاج تجذر والتحام مع الوطن الواحد والتاريخ الواحد والثقافة واللغة الواحدة .
لقد تواجدت جذور هذا التلاحم منذ الغزو الصليبي الذي قدم تحت غطاء الدين الكاذب ، فقد رفضت الطوائف العربية المسيحية حينها التعاون مع جيوش هذا الغزو ، لأنها ادركت نواياه الحقيقية ، وقد ساهمت هذه الطوائف بإبراز الهوية الوطنية والقومية ، خاصة زمن العثمانيين ، الذين حاولوا هم أيضاً الإيقاع بين الطوائف المختلفة ، فكانوا يتبعون سياسة فرق تسد .
ازداد قلق العثمانيين عندما لاحظوا أن عدداً من أبناء الطوائف المسيحية العرب كان لهم الفضل في تحريك عصارة اليقظة القومية العربية ، واليقظة الفكرية في شرايين أبناء بلاد الشام والعراق ومصر ، هم أول من نبه المواطنين لنوايا الاتراك العنصرية تحت غطاء الدين والخلافة الاسلامية ، فقد كانوا يسعون لتتريك كافة الأقطار ، وحاولوا منع سكانها من الاختلاط مع الاوروبيين ، حتى لا يطلعوا على البون الشاسع بين التخلف داخل مجتمعاتهم التي تعاني من الجهل والفقر وبين المجتمعات الأوروبية التي كانت في حالة من النمو الاقتصادي والحضاري ، من أجل تحقيق غاياتهم سعى الاتراك الى الزام الطلاب العرب في مدارس دمشق وحلب والقدس وبغداد وكافة مدن الشام والعراق الى تعليم كافة المواضيع باللغة التركية ، رغم انها هزيلة و 70% من مفرداتها عربية .
بفضل عدد من المبشرين والمفكرين في بلاد الشام اقيمت المدارس في المدن اللبنانية والسورية وفي فلسطين ، وقد ساهمت هذه المدارس في التخفيف من حالات الجهل والأمية بين المواطنين ، بفضل هذه المدارس أعيدت الحياة الى عروق اللغة العربية ، وادخلت الطباعة وصدرت القواميس والكتب الجديدة ، والجدير بالذكر ان الطلاب في هذه المدارس كانوا من جميع الطوائف .
ان المدارس الوطنية والمشافي الوطنية الموجودة في كافة بلاد الشام ومن ضمنها الموجودة في بلادنا ، ما هي الا امتداد لهذه المؤسسات والمدارس التي اقيمت خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، هذه المدارس الحديثة منها والقديمة كانت ولا تزال صروحاً علمية وطنية ، ومرجعيات فكرية ، يتمتع الطلاب والمدرسين فيها بعمق تربوي ومرونة في حرية التعبير ، عكس ما هو قائم في العديد من المدارس التابعة لوزارة المعارف ، لقد ساهمت هذه المدارس في المحافظة على الهوية الوطنية ، كما انها شكلت بديلاً للمدارس اليهودية ، خاصة في المدن المختلفة ، كما انها ساهمت في كسر الحواجز النفسية والاغتراب بين الطلاب ، فلقاء هؤلاء تحت سقف واحد في مدرسة من المدارس الوطنية ، هو بحد ذاته ثقافة وانسجام ، ان محاولة وزارة المعارف محاصرة هذه المدارس لتغيبها عن الساحة الوطنية الفلسطينية ، لأنها تشكل احدى ثوابتها ولها دورها في ترسيخ الانتماء لدى طلابها ، وقد عبر بعض المسؤولين في هذه الوزارة عن نواياهم الحقيقية ، وهي اتباع سياسة المقايضة ، الدعم المالي لهذه المدارس مقابل موافقة المسؤولين عنها بما في ذلك كافة الكنائس على فرض الخدمة المدنية او الخدمة العسكرية على طلابها العرب خاصة المسيحيين منهم ، هذا ما تلوح به حكومة نتنياهو ورؤوس اليمين فيها ، لكن شعبنا يرفض هذه المقايضة الرخيصة لأنه يعرف بأن التمويل المالي لهذه المدارس حق من حقوق المواطنين العرب وليس منه من أحد .
ان ما يزيد عن ثلث ميزانية التعليم في اسرائيل من حظ المدارس والمؤسسات الدينية اليهودية الخاصة ، التي تبني دور بث وزرع بذور الفكر الديني العنصري المتطرف بين طلابها .