دراسات (:::)
منير درويش – سورية (:::)
بعد أن أصبحت سورية بلداً فاشلاً كما وصفها الأخضر الإبراهيمي وفقد الشعب السوري أمله بمستقبلها ومستقبله ، وبعد أن تعرض نصفه للنزوح القسري إلى دول الجوار ومخيمات اللجوء المتعفنة تحت رحمة الإذلال والقهر والاحتقار لم يعد أمام أبناء هذا الشعب إلا الهجرة إلى بلاد الغربة البعيدة والأبدية .
يقال إن أكبر هجرة حصلت في التاريخ الحديث كانت خلال الحرب العالمية الثانية ، لكن الذين هربوا من المعارك والحروب التي جرت في بلادهم آنذاك بقي لديهم الأمل بالعودة لديارهم بعد انتهاء الحرب لذلك احتفظ كل منهم بمفتاح بيته عله يلجأ إليه عند عودته ، أما السوري المهاجر فتخلى عن كل شيء ورمى بمفتاح بيته في طرقات الهجرة وبحارها حتى لا يفكر بالعودة في أي يوم من الأيام . وهكذا لم تعد مأساة الشعب السوري محصورة بالحروب والاقتتال والتشرد وكل أصناف العذاب بل أضيفت إليها مأساة الهجرة هذه بكل ما فيها من ضياع المستقبل والأمل والأحلام وبالخيارات الشخصية التي لم تعد محصورة في مفرزات الأزمة بل بما يحقق لهم خلاصاً فردياً يؤمن لهم الأمان على الأقل ولا أحد يحق له أن يلومهم على ذلك .
من المؤكد أن الهجرة الحالية تشمل سكان القارتين الأسيوية والأفريقية ولا يشكل السوريون من هذه الهجرة إلا نسبة ضئيلة لكن انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية والسكانية خطيرة جداً فهي من جهة تشمل في أعلبها الأطفال و الشباب من الفئة العمرية من 25 عاماً وما دون بحيث يأتي وقت لن يكون هناك شباب في سورية ، كما أن الهجرة شملت أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية والمهنية والفنية الذين يمكن أن يكون لهم مع تدهور مستوى التعليم والعجز عن تأهيل كوادر جديدة دور في إعادة بناء سورية . هذا مع زيادة نسبة النساء على الرجال وانعكاساته الاجتماعية .
ويعتبر الطريق التركي من أسهل الطرق لتهريب المهاجرين السوريين للجزر اليونانية لينتقلوا منها لأوربا ، والغريب أن تركيا رغم عداءها الشديد للنظام السوري لا زالت تسمح للسوريين بدخول أراضيها بدون سمة دخول التي ألغتها عندما كانت العلاقات بين البلدين في أحسن حال ، فضلاً عن المرور غير الشرعي لكثير من العابرين ، وعلى أراضيها يتواجد المهربون الذين يعملون بشكل علني تقريباً ويقومون بتهريب السوريين إلى اليونان لتبدأ رحلة العذاب ، وتفيد المعلومات أن أكثر من خمسة ألاف مواطن سوري يغادرون إلى تركيا أسبوعياً لهذا الغرض ، حتى أن أحد المراقبين وصف عدد السوريين في إحدى المدن التركية المنتظرين دورهم في التهريب بأنه يزيد عن عدد السوريين في دمشق ، ورغم أن هذا القول فيه كثير من المبالغة إلا أنه يعكس حجم الكارثة التي تحيط بسورية وشعبها .
ويصبح حديث الهجرة الحديث الشيق الوحيد للسوريين حيث يتباهى من نجح أولاده أو أقرباءه بالوصول للبلد المعني بالفخر والمباهاة نتيجة الاطمئنان الذي توفر لهم بعد أن فقدوا سبل المعيشة بل وسبل المحافظة على حياتهم
لم تقتصر الهجرة على فئة معينة من السوريين كما يحلوا للذين يحاولون التخفيف من أثارها بل تشمل كل من استطاع إليها وأصبح الهم الوحيد للعدد الكبير منهم هو توفير المال اللازم لها على حساب التعليم وتكوين الأسرة وتوفير المنزل وغيره وهو ما أصبح لهم أبعد من الأحلام .
أما مخاطر هذه الهجرة على الدول المضيفة فهي تزيد من مشاكلها الاقتصادية و الاجتماعية بسبب أن أغلب المهاجرين لا يملكون مؤهلات تجعلهم يعملون في مؤسسات هذه البلدان و عجز عدد كبير من مختلف البلدان عن التكيف مع الحياة الجديدة واندماجهم في المجتمع الجديد ومحاولة فرض أفكارهم وتقاليدهم عليه وهذا ما يؤدي لزيادة التطرف لدى أبناء هذه البلدان والتعامل مع هؤلاء المهاجرين بروح العداء والكراهية كما أنه بعد مرور بضعة عقود لن يكون هناك بقايا للعرق الأبيض الذي ميز هذه البلدان .
عندما وضعت كتابي عن هجرة المسيحيين من الوطن العربي عام 2010 كنت أجد أن هذه الهجرة رغم محدوديتها واقتصارها على حالات فردية ستكون مدمرة للمجتمعات التي تتعرض لها اقتصادياً واجتماعياً ومعنوياً لكنني وأنا انظر لأعداد المهاجرين حالياً أقول إن هذه الهجرة أصبحت كارثة مأساوية فضيعة وموت معلن بكل معنى الكلمة . ولا يمكن التخفيف منها على الأقل إلا بوقف القتال والعنف والبدء بحل سياسي يمنح من تبقى بعض الأمل بإيجاد حل .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

