المضحكات (2)

سخرية كالبكاء (:::)
بقلم : عبد الرحيم الماسخ – سوهاج – مصر (:::)
5: { طمع }
انتشر الطمع فأصبح ظاهرًة تدلُّ على الخيبة وقلّة القيمة , فقيمة الإنسان تكمن في عطائه وليس في أخذهِ , وعطاء الناس هو ما ينفع الناس ولا يضرهم , فأين نحن من آبائنا الذين حفظوا الأمانة في مُجملها , وحاربوا مَن خانها حتى آب الجميع إلى رُشده , في هذه الأيام نرى ونسمع من نوادر البخل ومهازل الطمع والجشع ما يندَى لها الجبين , من تلك النوادر أن رجلا مات له أخو, فظهر عليه حزنٌ عظيمٌ, الناس يواسونه , وهو جِزعٌ مُنهار القُوَى يصرخ ويغيب عن الوعي ثم يفيق , أخيرا بلغت الجنازة المقابر وأنزلوا الميت عن الأكتاف , فأقسم أخوه ألاّ يدفنه سواه وألاّ يدخل معه القبر أحد , فمن يُِريح الغالي إلا مُحِبَّه الأكبر , فوافق الناس , وقام هو فدخل القبر برجليه وتلَّقى جُثمان أخيه , وانتظر الناس خروجه من القبر وطال الانتظار , إلى أن قلَّ صبرهم وبدأ تهامسُهم , فمنهم القائل : ربما مات هو الآخر داخل القبر , لا , ربما نام بجانب جثة أخيه ويأبى الخروج , أخيرا قام البعض ينظرون في عين القبر المفتوحة , فرأوا ويا لهول ما رأوا : الأخو الحي قد مات بعدما بصَّم أخاه الميت على عقد شراء لنفسه أدرج به كل تركة أخيه , وإذ رأى الناس حِبرَ البصمة على إصبع الجثة التي بردت لعنوا صاحب الجثة التي لم تبرد بعد وأغلقوا القبر دون غسلها ولا تكفينها !
6 : { سرقة }
كانت السرقة وإلى وقت قريب شرفا للصعيدي , ومن لا يسرق يُسرق , والسارق له حصَانة تمنعه , الكل ينظر إليه بإجلال ويرفعه فوق قدره , ويُقال أن سارقا أصيلا سمع ذات ليلة وهو في عقر داره ضربات المعاول تخرق الجدران , فعرف أن لصوصا مجهولين يريدون سرقته , لقد عرف رعونتهم وقلة خبرتهم من مجرد توجههم إلى داره هو بالذات لأنه معروف لدَى اللصوص جميعا فلا يجرؤ أحد ذو بال على محاولة سرقته , فقام من مكانه وجلس مُعطيا ظهره تجاه ضربات المعول , حتى نفذت واحدة من تلك الضربات فخرقت الحائط , فصاح هو بسخرية : يا خسارةَ المِعول , لقد انكسر سِنُّه في ظهري , فخاف اللصوص منه وهربوا !
7: { مفهومية }
المفارقات ميزان الكون , فالخير والشر ضدان , كذلك الظلام والنور وو , المُلاحظ أن الاختلاف وُجِد أساسا ليعمل كميزان لطرفي المعادلة, فلو وُجِد النهار وحده لما عُِرف فضله وإنما يُعرف الشيء بضده , والمُفارقات نوعان فمنها البائن والخفي , أما البائن فالكل يراه ويلمسه و أما الخفي فمُتقاطع ومتداخل بشِقيَّه الذين لا يكادان ينفصلان , وقد حدث أن لصا دخل أحد البيوت فلم يتمكن إلا من سرقة جلباب مُعلَّق على حبل الغسيل, وذات يوم بينما صاحب الجلباب المسروق يمر بأحد الأسواق إذا به يرى ويعرف جلبابه على جسد أحد اللصوص , فصاح وأمسك به : جلبابي , لن أتركه على جسدك أبدا , لكن اللص كان زكيا نبيها فامتص غضبه وهو يُحدِّثه بأدب وهدوء : هذا هو الجلباب بيننا حجة لك أو عليك , سأقلعه أنا وتلبسه أنت فإن جاء على مقاسك كان جلبابك فعلا وفي هذه الحالة لك أن تفعل بي ما بدا لك وإلاّ فأنت تدَّعي ما ليس لك وأنا مسامح في حقي على كل حال , حتى هدأت ثائرة الرجل فوافق ولبس جلبابه بعدما قلعه اللص , فجاء على مقاسه , فصاح : وأمسك باللص : يا ناس هذا لص , إنه سرق ثوبي ووو, اجتمع الناس عليهما يستفسرون , واللص يصيح بهم : اسألوه أين ثوبه الذي يدَّعي أني سرقته منه , وإذ سأل الناس الرجل عن ثوبه المسروق منه والذي يتهم اللص بسرقته نظر إلى نفسه وقال : إنه ثوبي هذا الذي ألبسه على بدني !
8 : { وداعٌ حافل }
للناس عندنا في صعيد مصر عادات غريبة عفا عليها الزمن , لكنها تطِلُّ برأسها علينا من آن لآخر كالعنقاء , فتفرض علينا واقعا غير معقول لكنه مألوف خاصة لدى كبار السن منا , من تلك العادات الغريبة عادة إصرار أهل المرأة المتوفاة على دفنها في مقابرهم مهما كلفهم ذلك من عناء يصل في بعض الأحياء إلى الحرب الضروس , لقد عاينّا بأنفسنا الكثير من تلك الفتن الغريبة ومنها أن رجلا تُوفِّيت والدته وللأسف هي من نفس القرية وأهلها يدفنون في نفس مقابر أبنائها , فذهب الجميع لمواراتها التراب , فتحوا لها قبرا بين أهل زوجها فغضب والدُها وصاح : احملوا الجسمان ولنقرا الفاتحة وندفنه أينما ولى , حملوا الجثة وتلوا الفاتحة فاتجهت الجثة إلى الغرب قليلا حيث مقبرة جدها الأكبر , فهلل قومها , فغضب أهل زوجها وصاح زوجها : يالك من حقيرة لقد أتعبتني حيًّة وميتة يا ابنة ال……….. وبدأت الحرب !
بعد أيام من تلك الواقعة ماتت امرأة أخرى , وإذ تعلَّم ابنُها الدرس قال لأهله : لا تخبروا أخوالي بموت أمي حتى ندفنها, وسارت الأمور بعد ذلك على طبيعتها حتى دفن الرجل أمه كما أراد , ثم ذهب إلى أخواله يتمطَّى , ألقى عليهم السلام ثم قال : البقاء لله , فقالوا وأوجسوا خِيفًة : ماذا تقصد ؟ قال : أمي لقد ماتت , قالوا وهَبُّوا وُقوفا : الأمر لله هيّا بنا لنجهزها بأنفسنا وو , لكن الرجل قال لهم بعد أناةٍ : لقد دفنتها بنفسي في مقبرة أبي منذ لحظات , فما استطاع أحد أن يحصي كَمَّ وكيفَ النِعال التي نزلت على عُنقه بينما هو يلوذ بالفرار !