قبل رحيل الورد…..
د. محمد مسلم الحسيني – بروكسل
دخلتْ مكتبي وعلى وجهها الناعم البريء إمارات الكآبة والتعب… عيونها العسلية تفيض بالدمع ونظراتها الخجلى توحي بحسرة مخنوقة … عرفت أنها تريد أن تفضي بشيء يضير خاطرها ويؤلم ضميرها ! فهي ومنذ زمن بعيد تعتبرني صندوقا لأسرارها وموضعا لثقتها، تتوجه اليّ دون الآخرين في إفراغ معاناتها وآلامها.
قلت لها ومن دون مقدمات… هيا تفضلي إجلسي و” فضفضي”…. ما لخطب !؟
قالت: كتبت رسالة لوالدتي لكنني مترددة في إرسالها، فماذا تقول…..؟
أخرجت الرسالة من حقيبتها ثم استدركت تقول: قبل كلّ شيء يجب ان أقول لك شيئا يتعلق بعائلتي، كي تتفهم الموقف وتنصحني بما تراه مناسبا… والدتي أصغر من والدي بعشرين عاما، ووالدي اليوم يحرق السنة السادسة والثمانين من عمره. لقد خوت قواه وتباطأت حركاته، فصار يستمع أكثر مما يتكلم ويبتسم بدل أن يضحك، فقد أوهى العمر قوته وسلطانه….وبدّل الزمان رونقه وريحانه…. لكن والدتي لا تتقبل أثر السنين…. تريده أن يبقى كما كان في ربيع عمره وزمانه… فكم من مرة انتقدته وكم من مرة زجرته، لأنه فقد نظّارته أو لبس بجامته “على المقلوب” أو لم يسمع ما تقوله له، بعد أن طرق الزمان على سندان أذنه !
مررت يوم أمس لزيارة الأهل قبل أن أتوجه لبيت أخي الذي دعاني لتناول وجبة الغداء معه. وجدت والدي، والذي أسميه بـ ” الورد ” لطيبته وحسن معشره ولحبه الشديد للورود، لوحده في الدار يتأمل في الورود التي يعشقها ويناجي طيور الكناري…. سألته عن والدتي …. قال : خرجت ولم تقل لي الى أين….!
ودعته وقلت له سأعود اليك بعد زيارة أخي فربما والدتي تكون قد عادت في ذلك الحين…
استقبلني أخي كالعادة بحرارة وترحيب والتف أبناؤه حول رقبتي حبا وأشتياقا…. لكنني فوجئت بوجود والدتي هناك تضحك وتمرح مع الاطفال، مما جعلني أوجه سؤال الاستغراب والدهشة لها : لماذا أبي غير موجود معنا فالجميع هنا مجتمع….!؟
أجابت والدتي وهي ممتعضة من سؤالي الذي حمل سحنة الغضب : أرجوك ابنتي…. أريد أن أكون مرتاحة منه ولو لساعات… لا أريد أن يتعكر صفو لحظاتي الجميلة معكم ومع الأطفال، فوالدكم صار لا يحتمل!
كان جوابها طعنة في الخاصرة…. شعرت بحريق في داخلي …. كدت أختنق…. لم أتمالك نفسي فطلبت من أخي أن يعذرني لأنني أريد الخروج……
رجعت لوالدي بنفس تائهة أسأله عن أحواله …. عن أموره ….عن تفاصيل حياته…. أجابني واليقين يسري في عينيه : كلّ شيء على ما يرام يا ابنتي الحبيبة… كل شيء جميل كجمال قلوبكم…. فأنا سعيد معكم ومسرور فيكم ….. سعيد لأنكم أبنائي وفلذات كبدي وقرر عيني…. ومسرور لأنكم تتحملوني رغم خريف عمري وثقل سنيني…. وهشاشة عظمي وارتباك شؤوني …. ولأن والدتك الوفية هي زوجتي ومهجة قلبي ونورعيني …..فقد جفت عصاراتي ولم تجف دموعكم عني…. وضعف بصري ولم تضعف بصائركم مني…. واختفت نظراتي ولم تختف نظرات حبكم وعطفكم نحوي…. فأنتم ذلك النسيم الذي يلطف حرارة نفسي… وأنتم ذلك النعيم الذي يزيل هموم العمر عني….. بارك الله فيكم وجزاكم الف خير.
لم ينتقد ولم يتأوه بل بجّل ومدح……!
تركته بعد ان طبعت قبلة حب وإكبار على وجنته وقد إغرورقت دموع ساخنة في عيني…..
كتبت هذه السطور لأمي…. أذكرها وأستنشدها، لكنني مترددة في إرسالها خوفا من ردّة الفعل فماذا تقول….؟ وشرعت تقرأ….
أمي العزيزة….
أنظري له رغم “العكاكيز”…. رغم فقدانه للذاكرة…. رغم وروده الذابلة وأنواره الآفلة…… فقلبه لا يزال……
أنظري له بتمعن… اليس هو ذلك الرجل الذي قال ملأ فمه أحبك….!؟.
اليس هو ذلك الرجل الذي أختارك من بين النساء شريكة لحياته….!؟.
ألا تتذكرين كم كنت عاشقة له !؟
بالتأكيد….. فقد كان وسيما باسقا مفتول العضلات…..
إمسكي يده…. تفحصي نظراته…. إسمعي قلبه….. أنه نفس ذلك الرجل… نفس ذلك الحب، رغم الصمت ورغم السكون….
إجلسي جنبه وتذكري جيّدا كل اللحظات الجميلة التي شاركتيه فيها…. الحب…. السعادة…. اللذة والألم….
قولي له أنا دائما بجنبك….مخلصة لك…. مؤمنة بحبك….
في يوم ستنهضين من نومك ولا تجديه….ستجدين الذكريات فقط…..وستناديه وتقولين له: خذ ما تريد وهبني لحظة قرب منك…. لحظة حب… لحظة وجود….
أنا أعرف جيّدا أن الحياة غير سهلة يا أماه…. ونحن لا نقبل العجز ولا نريد السنين المتهاوية أن تعيقنا وتعيق طموحاتنا، لكن عليك أن تعرفي بأن كل شيء يفنى في هذه الحياة إلاّ الحب….. فهو عنوان الحياة على الأرض وهو سرّ الوجود….
أتمنى أن تمنع حكمة الحاضر أسف المستقبل…. وألاّ تعتبري رسالتي هذه جسارة، وتقبلي اعتذاري منك….حبيبتي أمي….
أخذتُ الرسالة من يدها المرتجفة وقرأتها بنفسي مرة ثانية، لكنني لم أستطع أن أمنع الدموع……
وبعد حين …..وفي فجر يوم ساكن، أيقضني صوت الهاتف المحمول وكان بين ثناياه صوت باكٍ يهمس: لقد رحل الورد……!
الشّعور بالخجل ليس الحلّ يا سيّد ريفلين
محمّد علي طه – فلسطين المحتلة
المجرمون القتلة الذين قتلوا/حرقوا الطّفل الفلسطينيّ ذا الوجه الملائكيّ عليّ دوابشة من قرية دوما الثّكلى الصّابرة وهو نائم في سريره يلاعب غزالته، والابتسامة الحلوة تمرح على وجه الجميل، في 31 آب 20015، هم الذين قتلوا/حرقوا الفتى المقدسيّ محمّد أبو خضير في 1 تمّوز 2014، وهم الذين قتلوا سبعة عمّال فلسطينيّين في مفرق بيت ليد في 20 أيّار 1990، وهم الذين قتلوا سائق سيّارة الأجرة المقدسيّ في 22 نيسان 1985، وهم الذين ارتكبوا مجزرة الحرم الإبراهيمي وقتلوا 29 مصليّا في 25 شباط 94 ، وهم الذين قتلوا أربعة شفاعمريّين في سيّارة باص قي 4 آب 05، وهم الذين قتلوا ثلاثة طلاب في الكليّة الإسلامية في الخليل، وهم …وهم… والقائمة طويلة.
القاتل السّفّاح هو هو. أنا أعرفه جيّدا، وشعبنا يعرفه جيّدا ،والعالم والسّادة بان كي مون و أوباما وميركل يعرفونه أيضا. ولا تستغربوا إن قلت لكم بصراحة وعلى رأس الحائط: أنّ السّيد رؤوفين (روني) ريفلين يعرفه. ومن المؤكّد أنّ بنيامين نتنياهو يعرفه، واليمين الإسرائيليّ يعرفه مائة بالمائة، واليسار الإسرائيليّ الجبان النّائم يعرفه ويعرف كلّ شعرة على بدنه.
الجميع يعرفونه منذ سنوات بل منذ عقود .
عرفناه في القدس وفي الخليل وفي نابلس وفي جنين وفي …
وعرفناه في الدّهيشة وفي الجلزون وفي العرّوب وفي الأغوار.
وعرفناه في كروم الزّيتون وفي كروم العنب وفي كروم النّخيل وفي حقول القمح وفي آبار المياه.
القاتل السّفاح هو هو ولا تستطيع الأمّ التي حملته ووضعته وأرضعته أن تتنكّر له وأن تتبرّأ منه، وأمّا بنيامين نتنياهو فيستطيع أن يعود عائلة دوابشة في المستشفى برفقة طواقم الأعلام والمصوّرين وأن ينطق كلاما جميلا (الرّجل كلمنجيّ مائة بالمائة) ليسمعه العالمُ معتقدا بذلك بأنّه يخدع الدّنيا كلّها ويصدر صكّ براءة لنفسه وحكومته واحتلاله من دمّ الطّفل عليّ. ويستطيع قادة الأحزاب الإسرائيلية والوزراء من اليمين المتطرّف إلى اليسار اليمينيّ أن يحجّوا إلى المستشفى ويلتقطوا الصّور الإعلامية بجوار أسرّة الأبّ والأمّ والشّقيق… هي حفلة إعلام كما يظنّون والشّاطر يلحق حاله!!
ويستطيع هؤلاء الذين أيديهم ملطّخة بالدّمّ الفلسطينيّ، وهؤلاء المنافقون الذين يقفون على السّطوح ويهتفون ويشجّعون سوائب القتلة ، وهؤلاء الذين يدافعون عن المجرمين في الكنيست وفي الصّحافة وفي المحاكم أن يقولوا علانيّة (هي فرصة) بأنّهم يخجلون من حرق الطّفل عليّ.
لا ضريبة على الكلام، ولا رقابة على الكلام ، وهذا العضوّ المسمّى لسانا يستطيع المرء أن يحرّكه كما يشاء، ويديره كما يشاء، ويمدّه ويمطّه ويلّفه ويعوجه ويلعب به ويلحس به كما يشاء.
تخجلون؟؟!!
حسنًا.اخجلوا صباح مساء.وانظروا الى وجوهكم في المرايا.
كتب السّيّد رؤوفين(روفي) ريفلين، رئيس دولة اسرائيل، مباشرة بعد أن حرق وحوش الاستيطان وجزّارو الاحتلال، اللا بشر، اللا آدميون الطّفل الفلسطينيّ ذا الوجه الملائكيّ علي دوابشة:أشعر بالخجل. وأضاف سيادته: يفوق شعوري بالألم شعوري بالخجل. ألم على قتل طفل رضيع. ألم على أنّ أبناء شعبي قد اختاروا الارهاب وفقدوا انسانيّتهم.
اراء حرة (:::)
بقلم : محمد علي طه – فلسطين المحتلة (:::)
السّيّد ريفلين يشعر بالخجل كما شعرت أنا به أيضا قبل سنوات وكتبت عنه حينما ارتكب نفر من أبناء شعبيّ جرائم أساءت الى شعبنا العربيّ الفلسطينيّ وقضيّته العادلة جدّا.
والسّيّد ريفلين صادق فيما يقوله فهو رجل ديمقراطيّ ولبراليّ وهو بلا شّك يختلف عن هؤلاء السّاسة الذين يؤمنون بالضّحك على الذّقون.
ولكنّ السّيّد ريفلين لم يتوصّل الى الحلّ الصّحيح فيما كتبه.
الحلّ ليس إدانة الإرهاب فقط مع أنّ إدانته واجبة.
والحلّ ليس مكافحة العنصريّة والعنف فقط مع أنّ مكافحتهما لازمة.
الاحتلال هو القاتل الفعليّ يا سيّد ريفلين .
الاحتلال هو الذي حرق عليّ الدّوابشة.
الاستيطان ابن الاحتلال هو السّفاح يا سيّد روفي.
الاحتلال والاستيطان هما من أفسدا أبناء شعبك وهما من أنجبا القتلة والمجرمين الذين ولدوا وترعرعوا وشبّوا في حاضنة الحاخامين والسّياسيّين والإعلاميين المتطرّفين الذين تعرفهم ونعرفهم معرفة جيّدة.
الحلّ يا سيديّ هو إنهاء الاحتلال وإنهاء الاستيطان.
الحلّ هو أن يحمل المحتلّون والمستوطنون”شراشهم” ويرحلوا عن الأراضيّ الفلسطينيّة… أن ينزلوا عن صدر وظهر الشّعب الفلسطينيّ.
إن إنهاء الاحتلال وإزالة الاستيطان مصلحة وطنيّة للشّعب الإسرائيليّ وللشّعب الفلسطينيّ يا سيد ريفلين.
الشّعور بالخجل وبالألم لا يكفيان.
الحلّ هو السلام العادل.
أمّا آن الأوان؟
تعال يا سيدي لنجرب ذلك قبل أن ينهار البيت على رؤوسنا جميعا!
ولات ساعة مندم!!





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

