المواطنة الحقة وركائزها الحضارية

اراء حرة (:::)
بقلم  : السيد محمد المسيرى – مصر (:::)
لقد ظهرت فى الآونة الأخيرة عبر مختلف آليات إعلامنا العربى والإسلامى فكرة المواطنة الحقة , والإهتمام بها لكونها تعمل على ترسيخ منظومة وحدة نسيج المجتمع , وحفظ أمنه وسلامته بكل مستوياته لتحقيق حقوق المواطن المتعددة , والمتعارف عليها مثل الحقوق الإجتماعية , والإقتصادية , والسياسية , وغيرها . ولكونها أيضاً توطد قيم التسامح , والتعاون , والتعايش السلمى , والتآخى الإنسانى بين أبناء وطنها .
لذا , حظيت هذه المواطنة الحقة على إهتمامات المنظمات الدولية , وإتفاقياتها العالمية لحقوق الإنسان , والدساتير الوضعية التى تخص شتى دول العالم بما فيها أوطاننا العربية والإسلامية . وفى ضوء هذا الإطار , نعطى هنا فكرة مسهبة عن مفهوم المواطنة الحقة بشكل عام , ومفهومها فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان , وفى الدساتير الوضعية , وركائزها الحضارية التى تقوم عليها حتى نتمسك بها , ونلتزم بموجبها فى سائر معاملاتنا حتى ننعم بتحقيق الأمن فى أرجاء أوطاننا .
*- مفهوم المواطنة الحقة :-
هى التى ينتمى فيها كل مواطن إلى الوطن الذى يعيش فيه , ويحيا على أرضه , وينهل منه , ويتساوى مع الآخرين فى الحقوق والواجبات دون أى تمييز بين أى منهم بسبب اللون أو اللغة أو الجنس , أو العقيدة أو الموطن . ولن يتحقق ذلك إلا بهذه المواطنة التى يتمتعون بها على أساس هويتهم الوطنية , وليست على أساس هويتهم المذهبية أو الدينية . فطبيعة هذا المجتمع تدعوا فى نفس الوقت إلى بث روح الطمأنينة , والسكون , والهدوء , والسلام بين أفراده .
وبالتالى , فمفهوم هذه المواطنة لم يرد فيها نصاً تعريفياً لها فى ميثاق الأمم المتحدة التى صدرت فى 26 يونيو (حزيران) عام 1946م , بل ورد نصاً لهذه المواطنة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان لسنة 1948م فى المادة7 “كل الناس سواسية أمام القانون , ولهم الحق فى التمتع بحماية متكافئة دون أى تفرقة , كما أن لهم جميعاً الحق فى ممارسة كافة الحقوق دون أى تمييز” . وجاء فى المادة15 “لكل فرد الحق فى التمتع بجنسيته , ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه فى تغيرها” , كما ورد مفهوم هذه المواطنة فى الإسلام , وسبق بها المنظمات الدولية المشار إليها آنفاً منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان والمكان , وحث عليها , وعنها قال أحكم الحاكمين فى قرآنه الكريم “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتفاكم إن الله عليم خبير” سورة الحجرات , آية 13 (1). وقال الله عز وجل أيضاً “إنما المؤمنون إخوة” سورة الحجرات , آية 10 (2) . فالمولى تبارك وتعالى هو خالق هذا الكون والإنسان إمتثالاً إلى قوله جل علاه “وإلهكم إله واحد” سورة البقرة , آية 113 (3). كما حثت السنة النبوية المشرفة على هذه المواطنة , وبشأنها , وردت عدة أحاديث نورد منها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” صحيح مسلم : باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم , 2/321 (4) .
ومن ثم , التزمت الأمم المتحدة بتقديم التقارير , ورصد طبيعة الإتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان وفقاً لقرار المجلس الإقتصادى والإجتماعى المرقم برقم 124 الصادر فى 21/8/1956م, وأكثر دساتير الدول العربية تعترف بهذه الحقوق إلا أنها لم تضع الأجهزة والقوانين التى تضمن تطبيقها بما يتوافق مع المعاهدات الموقعة عليها .

-(2)-
*- ركائزها الحضارية :-
تقوم المواطنة الحقة للمواطن الصالح فى حب الوطن , والإنتماء إليه على عدة ركائز حضارية كثيرة , من أهمها ما يلى :-
1- الإخلاص التام للوطن بالولاء له , والإنتماء إليه , والدفاع الشرعى عنه من أى إعتداءات عدوانية آثمة تقع عليه سواء كانت داخلية أو خارجية لزعزعة أمنه , وعدم إستقراره , ولإثارة الفتن المذهبية , والفرقة فيه , وهذا هو واجب وطنى .
2- الشعور بالمسؤولية العامة التى تقع على عاتق المواطنين فى كافة مستوياتهم الإدارية , ومناصبهم القيادية .
3- التعاون بين أبناء الوطن الواحد على وحدتهم , وإستقراره , ورفعة شأنه تصديقاً لقوله تعالى “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” سورة المائدة , آية 2 (5) .
4- التعدد فى الرؤى , والأفكار , والحوارات , والإختلافات فى المذاهب هو سنة إلهية لا يجوز بأى حال من الأحوال القضاء عليها أو مصادرتها . وبشأن ذلك قال رب العزة فى محكم التنزيل “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” سورة هود آية 118 وآية 119 (6) .
5- المساواة الكاملة فى الحقوق بين جميع المواطنين الذين يقيمون على أرض هذا الوطن دون أى تفرقة بين عربى وأعجمى مثل حق التعليم , وحق العمل أمام القانون والقضاء , وحق حرية الإعتقاد فى ممارسة الشعائر الدينية , وحق حرية التنقل داخل الوطن , وحق حرية المناقشة مع الأخرين حول مشكلات المجتمع التى يعانى منها ومستقبله , وحول أمن الوطن والمواطن .
6- المشاركة فى المؤتمرات ذات الطابع الإجتماعى والسياسى , والمشاركة أيضاً فى المظاهرات والإحتجاجات السلمية ذات الطابع السلمى دون اللجوء إلى العنف فى حرق منشآت الدولة , والإعتداء على مؤسستها , وهذا مطلب مشروع تجيزه جميع الأعراف والمواثيق الدولية والإنسانية .
7- العدالة الإجتماعية التى تشعر بها كل مواطن بالأمن النفسى , وبالثقة التامة بالمظلة القانونية التى تحميه من تعسف قوى البطش والظلم والطغيان التى تقع عليه حتى يتفاعل مع متطلبات روح المشاركة العصرية , وفى تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدنى من وعى , وتعليم , وخبرة عملية , وثقافة .
ومن ثم , نخلص من الفحص المتقدم إلى أن المواطنة الحقة هى الإنتماء للوطن , وتذويب الخلافات فيه , وتقوم على العلاقة بين بنى الإنسانية على الركائز الحضارية المشار إليها آنفاً لكونها تؤدى فى مضمونها إلى إستقرار الوطن , ونهضته , وشموخه , ووحدته . وحتى تحقق هذه المواطنة ذلك , ينبغى تفعيل القوانين الدستورية , والتشريعية بما يتوافق مع مستلزمات الدولة , والإتفاقيات العالمية للحقوق الإنسانية , وضرورة التركيز على الإشكاليات الجوهرية التى يعانى منها أبناء الوطن وحلها , وضرورة الفصل بين الدين والسياسة , والتركيز أيضاً على دور منظمات المجتمع المدنى لنشر أواصر كل ما سبق فى نفوس أبناء الوطن حتى يعم الأمن , ويسود السلم والسلام ربوع أوطاننا العربية والإسلامية .
الهوامش
1- سورة الحجرات , آية 13 .   2- سورة الحجرات , آية 10 .
3- سورة البقرة , آية 13 .      4- صحيح مسلم , باب التراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم , 2/321 .
5- سورة المائدة , آية 2 .       6- سورة هود , آية 118 , آية 119 .