تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا

اراء حرة (:::)
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك (:::)
وبما أنني ذهبت إلى كثير من البلدان وخاصة العربية وكنت أستمع للهجاتها وأحاول أن أنطق بها لتسهيل التعامل وقد يكون للمزاح أحياناً كما يمزح البعض على اللهجة الصعيدية عندنا ودائماً أنسى هذه اللهجات أو أي لغة بمجرد أن تطأ قدمي رحلة العودة إلى الوطن ولا يتبقى على لساني سوى لهجتنا المصرية المطعمة بالصعيدية ، لكن جملة استمعت إليها عندما كنت بالجزائر التصقت بذاكرتي حتى الآن وتقفز إلى طرف لساني في أي موقف يستدعي استخدامها ، استمعت إليها من صاحب مخبز كنت أُفضل شراء الخبز منه لأنه كان يعشق القراءة وفي معظم الأحيان كنت أجد بيده رواية لأديبنا الراحل نجيب محفوظ ونشأت بيني وبينه مودة ظهرت نتيجتها في الخبز المخصوص الذي يقدمه لي ، بالصدفة كنت أتقابل داخلها مع استاذ جامعي ونتبادل التحية ، هذا الأستاذ نطلق على أمثاله في مصر ” مسحوب من لسانه ” ، وعلى ما يبدو أن بينه وبين القراءة عداء إبليس للخير فكان يمتدح صاحب المخبز على حبه للقراءة بكلمات تحمل السخرية في باطنها فاق لها صاحب المخبز ذات مرة فانتفض صائحاً في وجه : أسمع يا شيخ ” الهدرا كي تكتر حاشاك كالزبل ” ، احمر وجه الأستاذ وذهب مع خجله ، الهدرا باللهجة الجزائرية تعني الكلام أو الحديث وتفسير الجملة ” الكلام عندما يكثر يشبه الزبالة أو القمامة ” ، أدب صاحب المخبز ظهر في توجيه المقولة بصفة عامه ولم يخصه بصفة مباشرة وأيضاً في ذوقيات الحديث ” حاشاك ” أي معذرة ، حقيقة ضحكت بالرغم من أسفي لموقف الأستاذ الجامعي ورددت في داخلي المثل العامي ” لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك ”  وأملى الأدب على صاحب المخبزة أن يعتذر لي لأنه تفوه بهذه الكلمات أمامي وهو لا يعلم إنني في قرارة نفسي  ”  شجعتها ” كعقاب لهذا الأستاذ الذي لم يحترم نفسه . قصة طويلة لأصل منها في النهاية إلى ظاهرة ظهر وجهها القبيح في مصر الآن ، ” الهدرا التي تبحث عن طريقها للقمامة  ” ، هدرا ” جمعت حروفها من أبجدية غريبة علينا ، التافهة قبل القيمة ، الغثة قبل الثمينة ، القبيحة قبل المحترمة ، المُحرضة قبل العاقلة ، المُهينة قبل المؤدبة ، المُذمة قبل المُمتدحة ، الكاذبة قبل الصادقة ، المُباَلِغة قبل الحقيقية . ” هدرا ” ممكن أن تسمعها من رجل الشارع ، من المدرس ، من المسئوول ، من المحافظ ، من الوزير ، من المحامي ، من الضابط ، من الإعلامي ، من الراقصة ، من مقدمي البرامج تلفزيونية ، حتى من بعض أصحاب العمم الدينية يمكن أن تسمعها ،  لماذا أصبحنا هكذا أو بمعنى أدق لماذا أصبح البعض الذي يقفز إلى الكثرة هكذا وفي أغلب الأحيان يكون هذا البعض هو الظاهر الذي يطغي بهدرته السيئة المعيبة على أدبنا وذوقنا الذي اشتهرنا به ، لماذ أصبحت الهدرا هي سيدة الموقف وانكمش الفعل أو العمل حتى قصر ثوبه إلى حافة ذقنه ، هل من المفروض أن تكون خارطة الطريق قد نصت على إنشاء مدارس لأداب الحديث للذين لا يعرفونها وحتمية العمل الجاد بدلاً من الهدرا التي ملأت البالونة بالهواء الملوث حتى أصبحت وشيكة الانفجار !!!! .
edwardgirges@yahoo.com