شيزوفرينيا الإسفاف والإبتذال !!

اراء حرة (:::)
للكاتب / ماجد ضيف- مصر (::::)
تابعت خلال الأيام الماضية حلقتى برنامج العاشرة مساءً الذى يقدمه وائل الإبراشى واللتين تناولتا بالنقد والنقض ما أطلق عليه مهرجان سيد درويش للأغنية والذى أقيم فى قاعة جمال عبد الناصر بحزب التجمع !!

فى الحلقة الأولى استضاف الإبراشى بالأستوديو كلا من إيمان البحر درويش وسمير صبرى ، الأول بصفته وكيلاً عن عائلة سيد درويش والثانى بصفته محام ينتوى رفع قضية ضد القائمين على هذا المهرجان ، كما استضاف الإبراشى على الهاتف مجموعة من أعضاء وقيادات حزب التجمع ومجموعة من المشاهدين ، أما الحلفة الثانية فقد استضاف فيها الإبراشى بالأستديو الفتاتين اللتين قدمتا إحدى فقرات المهرجان ، كما استضاف على الهاتف مجموعة من قيادات حزب التجمع وإيمان البحر درويش ووالد إحدى الفتاتين !!

وباستثناء الفتاتين وقلة من أعضاء حزب التجمع وقلة من المشاهدين فقد صبت الغالبية جام نقدها ونقضها على الفتاتين وعلى حزب التجمع لإقامته هذا المهرجان الذى تضمن فقرة الفتاتين ( التى وصفتها الأغلبية بالإسفاف والإبتذال ) ، وهى بكل تأكيد صفة حق وصدق لا ظلم فيها على الإطلاق .. ولكن !!

لم أفهم لماذا ركزت الأغلبية على وصف فقرة الفتاتين بالإسفاف والإبتذال فقط لأنها قدمت فى مهرجان يحمل إسم سيد درويش وفى قاعة تحمل إسم جمال غبد الناصر !! وكأن الإسفاف والإبتذال كفعل هو أمر مرفوض إذا قدم فى موقع ما ، ولكن نفس الفعل مقبول إذا تم تقديمه فى موقع آخر !! أو كأن الرقص وغيره من الفنون المثيرة للغرائز وما يصاحبها من سكر وعربدة كانت مجرمة فى عهد عبد الناصر ومسارح وحانات  الفن منذ نشأته فى مصر !!

لقد كنت أنتظر من الإبراشى وضيوفه أن يكونوا أكثر صدقـًا مع أنفسهم ، وأن يكونوا أكثر إدراكـًا لخطورة البقع السوداء التى شاعت فى رداء الوطن الأبيض إلى الدرجة التى صار معها هذا الرداء يبدو وكأنه رداء أسود به بقع بيضاء !!

لقد كنت أنتظر من الإبراشى وضيوفه أن ينتصروا لقيم السمو ، وأن يؤكدوا لمتابعيهم على امتداد الأمة العربية والإسلامية أن الإسفاف والإبتذال هو فعل مرفوض مصريًا على كافة المستويات سواء تم فى مسجد أو كنيسة أو حزب أو ناد أو شارع أو استوديو أو كباريه ، فالإسفاف والإبتذال سيظلان إسفافـًا وابتذالاً أيًا ما كان موقعهما وأيًا ما كان زمانهما ..

إننى أؤكد وسأظل أؤكد أن تعدد النظرات للفعل الواحد قد أصاب ولايزال يصيب المجتمع المصرى بل والأمة كلها ــ وبخاصة فئة الشباب ــ بحالة من الشيزوفرينيا التى لا تخدم على الإطلاق طموحاتنا بشأن أمة تمتلك مقومات صناعة التقدم والنهضة وأعنى بها أن تكون أمة صحيحة بدنيًا ونفسيًا وأخلاقيًا ..

فالحق الواجب علينا إذا كنا جادين فى امتلاك هذه المقومات ألا نكون أمة إذا سرق فيها الشريف تركوه وإذا سرق فيها الضعيف أقاموا عليه الحد ، نعم أخطأ حزب التجمع ، ونعم أخطأت الفتاتان ، ونعم أخطأ أولياء أمورهما ، ولكن هل هؤلاء هم فقط من أخطأ ؟! وأين مسئوليتنا جميعًا كمجتمع بكل فئاته ومؤسساته حينما تتناقض نظراتنا بين تجريم فعل ما فى مكان ما فى ذات الوقت الذى نبيح فيه نفس القعل إذا ما حدث فى مكان آخر ؟ مالذى نريد قوله لمجتمعاتنا وشبابنا حينما ننهال بسيوف النقد والنقض على فتاة رقصت بإسفاف وابتذال فى حزب سياسى فى ذات الوقت الذى نرفع فيه قبعاتنا لنفس الفتاة إذا ارتكبت من الأفعال ما هو أكثر إسفافـًا وابتذالاً ألف ألف مرة من فعلها الأول فى فيلم سينمائى أو كليب غنائى ؟ وهل من الحق أن نتهم هذه الفتاة فى الحالة الأولى بالسقوط وأن نصفق لتألقها الفنى فى الحالة الثانية ؟!

إننى أتوجه بمقالتى تلك إلى نفسى وإلى الجميع آملاً أن نصدق مع الله ومع أنفسنا ومع مجتمعاتنا فى حكمنا على مختلف الأفعال وفاعليها ، كما أتوجه بمقالتى على وجه الخصوص إلى مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء بكل من فيها من علماء كى يفتوننا فى أغلب الأعمال الفنية التى تنتج خصيصًا لتعرض خصيصًا فى شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن واختصه الرحمن بفريضة الصيام وفضائل العبادات ولكن البعض يصر مع سبق الإصرار والترصد إلى جعله شهرًا للإسفاف والإبتذال !!
maged.daif@hotmail.com