القصة (:::)
قصة : ماجد عاطف (:::)
(1)
أتم استعداداته: الزمان بعد الصلاة.
إنّه لا يريد أن يشوب عبادته شيء، غير أنه سيكون هناك مبرر، كما هي عادته في كل صلاة الفجر مع الجماعة. يخرج في هذا الوقت المبكّر دون أن تعترضه دورية شرطة أو يسأله سائل عن وجهته. من ناحية ثانية، يكون رواد الشوارع قلائل: بالكاد بضعة مخابز أو محلات بيع الصحف أو باعة سوق الخضار الذين يتسلّمون ثمارهم، أو صيدلية بعيدة مناوبة هنا وهناك.
أمّا المكان فهو ليس بالقريب وسط البلد مثلاً، المكتظ بالتقوّلات والصورة الاجتماعية المرتبكة، أو مفارق الطرق والميادين والساحات التي تداوم فيها دوريات الشرطة أو سيارات الأجرة، عدا عن مئات الكاميرات العامة والخاصة التي ترصد كل حركة؛ وليس بالنائي كثيراً المهجور الذي يثير الاستغراب ويَطرح الأسئلة ناهيك عن عدم جدواه، لأن الحصيلة عندئذ قد يكون مضى عليها أيام وأوشكت على التعفن وصار طعمها مرا شديد المرارة كالسّم، كما حدث معه قبل أسبوع.
مكان نموذجي: يبعد عن المسجد مسافة ربع ساعة مشياً، وله زقاق معبّد جانبي يتصل بحقل مهمل معتم فارغ، تقريباً منطقة عمياء، تؤدي لشارع آخر حيث لا كاميرا ولا حارس راصد أو صاحب فضول عابر ينبش ببصره كل شيء.
ولقد استطلعه ثلاث ليال متواصلة، والملاحظة هي نفسها: قبيل منتصف الليل يشطّب العمال مكان عملهم ويدخلون نواقصهم من الصناديق والخضار والمشروبات ويحسب رب العمل أرباحه الجمّة وقد يكافئ عماله بحفلة أراجيل قصيرة مع عصائر سريعة باردة، ويتحضرون لليوم التالي. الذي يعنيه منهم هو الأمر الذي يتعجله أحدهم قبل أن ينقل المقعد الأخير للطاولة البلاستيكية الأخيرة إلى الداخل، ويطبق الباب العلوي على اقفله لأرضي ليلتحق برفاقه المنتظرين في البيك أب، نصف النقل..
(2)
ويستطيع أن يكون مطمئناً تماماً.. بعد أن يتفرقوا من المسجد الذي بني منذ شهور تخفيفاً عن المصلين المقيمين على مبعدة، ويكمل الفجر ولوجه المسالم الأبيض بنسماته الندية، ليس عليه إلا أن يموّه على غيره بأن يسلك الشارع الرئيس مائتي متر، ثم ينحرف إلى الشمال.
هناك موضع لمنشأة صبّت أساساتها المسلحة بالاسمنت ولا ساكن قريباً حولها ولا حارس ولا عمود إنارة، بعد. وسيكون عليه حينئذٍ أن يموّه عن نفسه بأن يقلب معطفه الخفيف على بطانته ذات اللون المغاير ويركّب سحاب قلنسوته ليدنيها على رأسه، ثم يقفز إلى جانب الحقل الفارغ ويقطعه للجهة الأخرى إلى الشارع الرئيس المعمور، وحيث المباني التجارية والمحلات، ليصل من هناك إلى المكان الذي فكّر بتفاصيله بدقّة متناهية.. ولولا أنه لا يريد طرح الأسئلة ولفت الانتباهة إلى دوره الفعلي في الحياة، لما تردد في استعمال الأفرهول الأسود بقناعه المتكامل المخطط، ذكراه المادية الوحيدة المتبقية من الانتفاضة الأولى. إنّه لا يزال يحن للشكل ولو أن المضمون يحافظ على نفسه ويطرح شكلاً ويرتدي آخر.
وكيلا يلفت النظر لغنيمته، سيكون قد جلب معه حقيبة يد من الجلد الداكن منتفخة أصلاً بحجر صغير ثقيل ومنتفخة بأوراق صحيفة مجانية يقلّب اعلاناتها المبوّبة كل أسبوع بحثاً عن وظيفة أو عمل، أي عمل، يصلح لرجل أضاع عمره بين الانتفاضات ضدهما بسجونهما المختلفة، حتى أوشك على الخمسين، من دون معارف يستطيع الاستعانة بهم أو شهادة أكاديمية تتصدر سيرته الذاتية في طلبات الوظائف أو مهنة محددة مستقرة أو راتب مُنع عنه (ترك فصيله والتحق بآخر إسلامي) أو بعافية لم تهتم بمصاحبة بدنه فترة أطول بعد أن لم يعد يقوى على العمل الأسود في الورش والمعامل.
سيلقي بالثقل الصغير الذي يمسك حقيبته جانباً ويفرّخ محتواها المنتفخ التافه تفاهة مجتمعه السطحي الفارغ، ويضع غنيمته فيها، ولا مَن شاف أو رأى.
وسيرتدّ القهقرى بطريقة عكسية: من زقاق المحل على الشارع الرئيس إلى طرف الحقل على الشارع الآخر المظلم الذي يشبه بقعة عمياء. يقلّب معطفه الرقيق، بعد أن يتخلّص من القلنسوة ذات السحّاب ويزجّها في جيب معطفه حتى إذا لاحظه ملاحظ لم يميّز فارقاً بين مظهريه، ثم يمضي إلى بيته بهدوء.
(3)
في غرفته العانس مثله بأثاثها القليل المستهلك، ذات ضوء المصباح المرتعش وسقف الزينكو المهتز مع كل هبة هواء، كانت المفاجأة سارّة جداً:
ليست أرغفة خبز مقسومة ناقصة الاستدارة أو فتات موضوعة على الجدار، بل كأنها حفلة شواء لأمرٍ ما لم يستطع المطعم بيعها كلّها أو تراجع عنها طالبوها، ولم يَعد معروفاً ما العمل بها.. كان اللحم مشويا أكثر من اللازم بقليل وفقد لونه المألوف (كاد يصبح بُنياً تماماً لولا التتبيلة الخضراء) وموضوعاً في علب ثلاث من الكرتون.
بالكاد استبدل على هلع -لم يعده في مهماته الليلية الخطرة، بالكاد استبدل- العلبة بأكياس بلاستيكية أحضرها معه وبالكاد حشرها في حقيبته التي أنّت من فرط الشبع، بعد شدة تفريط من جوع.
يستطيع الآن أن يتفرّغ عدة أيام لدراسته التنظيمية فيسجّل –بصرامته المعهودة- ملاحظاته النقدية على فصيله الجديد، الأكثر نزاهة من غيره (والأقل نضوجاً أيضاً)، دون أن يكترث لكونه غير محبوب حتى من إخوانه الذين يخافون لسانه/ قلمه، أو أن يسكب أمامهم، بالطلب، ماء وجهه..
ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ردّد وهو يزدرد لقمته الغنية الأخيرة لهذه الوجبة، ثم قال لنفسه هامّاً بتوظيب صحون الوجبات في الخزانة الخشبية:
– عليه ألا ينسى سجدتي الشكر.
4-6-2015





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

