الواقع العربي المهزوم

اراء حرة (:::)
بقلم : يوسف شاهين (:::)
جميع علماء الدورة الحضارية أكدوا على عدد من العوامل الاقتصادية والسياسية والروحية التي تؤدي إلى انهيار الحضارات من خلال دراستهم للحضارات السابقة، واستقرائهم لعوامل نهضتها، ثم مسيرتها، ثم انهيارها.وأغلبهم أكد على عامل الفساد الروحي والأخلاقي الذي يؤدي إلى تفكك الأبنية الاجتماعية والثقافية في المجتمع فتسرّع من مراحل الانهيار والاضمحلال.
فقد أكدوا على أن من أسباب هذا الانهيار (الفساد الروحي والأخلاقي) ويرى مالك بن نبي أنه قلما يجذب انتباه المؤرخين وعلماء الاجتماع.. لأن آثاره المحسوسة لا تزال بعيدة، ويعني بها بداية ظهور الانحلال والتفكك نتيجة انطلاق الغريزة وتحررها من الدين فكلما ضعفت سلطة الدين وقوته ازداد الفساد الروحي والأخلاقي
وإذا حاولنا تطبيقها على واقعنا الحالي فسنجد أن مشاعر الانهزامية والتبعية ولغة التخاذل التي أصبحت تغلف الخطاب الإعلامي لدينا كعرب هي صورة واضحة لمدى تغلغل هذا المستعمر الذي خرج من عتاده العسكري إلى رداء الايديولوجيات وشكّل منذ عقود مزارع استنبت فيها بذور هذه الانهزامية لدى الفريق الذي يتحدث بلغة منهزمة، لتسويق الاستعمار المعاصر، وتلميع صورته والانسياق في منظومته الفكرية والثقافية، بل ومحاولة تحويل الرصاصة إلى حبة قمح!!
“مالك بن نبي”
فلو نظرنا الى واقعنا العربي لختمنا بالعشرة لما قاله مالك بن نبي ، وهذا متمثل بالانظمة العربية  وكيف أن حكام المنطقة العربية مستسلمين وخاضعين وفاسدين لدرجة أنه لا يمكن إصلاحهم ليس في قضايا  بلدانهم وشعوبهم فحسب بل في قضايا الامة ، ولا غرابة في ذلك لأنهم أصلا صنيعة الإستعمار .
ففي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي تحركت الشعوب لاسترداد أرضها وحريتها من الإستعمار الأجنبي الذي أتى أصلا بحجة تحرير العرب من الإحتلال العثماني ولكن قيادات إسلامية وقومية قد تنبهت الى حقيقة سياسات المستعمر وشكلت ثورات ثارت في وجه المحتل في كل مكان في الوطن العربي والإسلامي فقام الإستعمار بمقارعة هذه الثورات تارة وبتوجه رجالاتها الذين رعتهم وربتهم على عينها من العرب والمسلمين تارة أخرى ، والغريب بالأمر أن العرب للآن يمجدون ويقدسون بعض هؤلاء عملاء الإستعمار الذين ساهمو في القضاء على هذه الثورات وإغتيال رموزها إعتقال أفرادها ، وهنا أقول أننا وقعنا في فخ اللإنهزامية والتبعية والإستسلام للواقع المرير أصبح العرب يتكلمون بلغة منهزمة لتسويق الإستعمار المعاصروتلميع صورتة والإنسياق في منظومتة الفكرية- كما قال مالك-
ولعل التاريخ يعيد نفسة  فالربيع العربي الذي قام في الوطن العربي في أكثر من بلد عربي وبعد أن بدا ناجحا نوعا ما في إستئصال الاستعمار المعاصر  إلا أنه ما لبث وأن إلتفت عليه قوى الشر وما يسمى بالدولة العميقة  وسرقت الثورة من الشعب بتأييد من الجيش تارة ومن البلطجية أو ما يسمى بالشبيحة  تارة أخرى أو غيرهم . وكان عنوان المرحلة القضاء على الإسلام السياسي الذي نما وظهرواضحا وجليا في كل   ثورات الربيع العربي
فمهما حيكت المؤامرات وخطط لها فإن الله سبحانه وتعالى يبطلها ولقد سماها الله سبحانه وتعالى بالمكر
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ
اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا
فأعلم أيها القارئ ان أكبر خطر على عدوك أن يكون هناك أمل وثقة ، ثقة بالله ونصره وأمل تعلمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه رضوان الله عليهم الذين كلما أرادوا الإستعجال ردهم  رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطريق  الصحيح وذكرهم بمن قبلهم  فلقد ورد في الحديث الصحيح :
شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا ؟، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:  كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) ( البخاري )
هذا الأمل وهذه الثقة تجعلك غير قابل لليأس أو الخضوع . والتعجل يجلب اليأس والخضوع للامر الواقع فهاهو رسول الله يثبت على ما هو عليه ولايتنازل قيد أنمله عن الحق الذي جاء به حين عرض عليه عمه أبو طالب المساومة على دعوته فأجابه رسول الله: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه .
هكذا يجب أن نكون لانساوم ولا نتنازل على حقوقنا ولا نخضع للأمر الواقع فلا ينبغي لنا أن نضعف إذا ما عانينا شيئا من المشقة والابتلاء، في طريق الحرية، فقد سبقنا في ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، فلا يستعجل الثمرات والنتائج، وليعلم أنه كلما اشتد الظلام أوْشك طلوع الفجر،