الطائفية تغتال الماضي والحاضر العراقي

دراسات (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
العراق الذي يحترق اليوم وتلحق به الهزائم معروف بتاريخه العسكري المشرف ، وقد نعته الكثير من المؤرخين ببروسيا العرب ، لأن بروسيا كانت أقوى الولايات الالمانية ، وبفضلها توحدت المانيا ، جاء هذا اللقب لأن العراق كان دائماً يمتلك جيشاً من أقوى جيوش الأقطار العربية وكان أيضاً من أوائل الجيوش النظامية التي عرفتها تلك الأقطار ، كما ان الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عهد الملك فيصل الأول حرصت على تقوية ودعم هذا الجيش وتزويده بالعتاد اللازم له .
أما سبب اصرار قادة وحكام هذا البلد على الحفاظ على قوته العسكرية على مر السنين، كونه يقع بين قوتين اقليميتين كبيرتين ، هما ايران وتركيا ، وها تان القوتان  كانتا دائماً تطمعان بالسيطرة على مقدرات العراق واحتلال اجزاء منه ، فتركيا كانت ولا تزال ترى بمنطقة كركوك والموصل جزءا من اراضيها ، أما ايران فترى ان منطقة البصرة ومنطقة الفاو وشط العرب جزءا من اراضيها .
لكن من بين الاسباب التي ساعدت على توفير قوة عسكرية يحسب حسابها لدى العراق ، فتعود الى زمن العثمانيين الذين عملوا على إقامة ثلاث كليات عسكرية في العراق ، الأولى في مدينة البصرة ، والثانية في بغداد والثالثة في الموصل ، وقد بقيت هذه الكليات شبه سرية هدفها تخريج أكبر عدد من الضباط ، ان وجود مثل هذه المدارس العسكرية ساعد على تكوين نواة كبيرة وصلبة من كبار الضباط العراقيين ، نذكر من هؤلاء الضباط جميل المدفعي وجعفر العسكري طه الهاشمي ، نوري السعيد ، بكر صدقي ، محمود شوكت ، حكمت سليمان وغيرهم ، لقد ساهم وجود هذه النواة في اقامة الجيش العراقي وبنائه بسرعة ، خاصة بعد حصوله على الاستقلال وقبوله في عصبة الأمم المتحدة عام 1930 .
بفضل هذا الجيش بقي العراق آمناً ولم يتعرض لأية هزيمة عسكرية في كافة الحروب التي خاضها ، وقد اعترف ” دافيد بن غوريون ” في مذكراته عن حالة القلق عندما علموا بدخول ثلاثة الوية نظامية من قوات الجيش العراقي الى منطقة المثلث ، وقامت بالانتشار بين جنين وكفر قاسم –  لأننا كنا نعرف ما هي قدرات هذا الجيش ، وأنه كان قادراً على تقطيع وسط فلسطين كما تقطع السمكة ، لكن صديقنا ملك الاردن عبدالله طمأننا بأن هذا الجيش تحت امرته ، وأنه لا ينوي احتلال أية مستعمرة يهودية – وأضاف بن غوريون بأنه بفضل هذا الجيش لم نتمكن من احتلال المثلث ، ولو قمنا باحتلاله عندها سيتم طرد غالبية السكان الذين تواجدوا فيه ، هذا المشهد من تاريخ الصراع عرف ” بماكو اوامر ” .
لم يهزم العراق في الحرب التي فرضها العراق على نفسه وعلى ايران ، رغم انها كانت حرباً دامية لا لزوم لها ، لكن العراق خرج من هذه الحرب وهو يمتلك اقوى جيش في المنطقة ، لقد قدرت عدد قواته المقاتلة بخمسين فرقة ، وهذه القوة تساوي القوة الميدانية التي زجها هتلر عندما غزا الاتحاد السوفياتي في عام 1941 ، امريكا اعتبرت هذا الجيش يشكل خطراً على اسرائيل وعلى عملائها في المنطقة ، خاصة السعودية والاردن ودويلات الخليج ، فسارعت الى اسقاط حكام العراق بفخ الكويت كي تجد المبررات لإشعال حرب في المنطقة ، وقد نجحت بإقامة حلف شارك فيه عرب امريكا وغيرهم لغزو العراق لتدمير كل مقدراته ومن اجل نهب ثرواته وتقطيع اوصاله وتمزيق نسيج شعبه السياسي والقومي ، وتحويله الى دويلات طائفية مختلفة .
بعد احتلاله فرضت امريكا على العراق نظاماً سياسياً فئوياً طائفياً ، ودستوراً طائفياً وبرلماناً اقيم على اسس طائفية وحكومة طائفية ، كما هوالامر الامر في لبنان ، مهما تغيرت اسماء ووجوه حكام العراق بعد الاحتلال تبقى المرجعية في الحكم تعود لواشنطن ، وتعود للمرجعيات الدينية الشيعية منها والسنية ، من آل الصدر ، والجعفري والسيستاني اضافة الى رؤوس الطائفية الحاقدين امثال كامل الجادرجي واحمد الجلبي ونور المالكي وايتام النظام الملكي البائد وعناصر سنية انتهازية غارقة في الفساد .
عندما هزمت امريكا وسحبت قواتها بسبب ضربات المقاومة تركت العراق ينهش بعضه البعض ، كما تركت داخله فراغاً امنياً بعد ان اقدمت على تسريح جيشه القوي العريق ، الذي كان متجانساً وخليطاً من جميع الطوائف ، كما منعت وصول قطع الغيار الخاصة بالأسلحة الضاربة من الدبابات السوفياتية المعروفة والصواريخ ومئات الطائرات فتحولت جميعها الى اكوام من الخردة ، فقد تم كل هذا بمعرفة وموافقة رموز النظام الجديد الخاضع للاحتلال في بغداد ، في ظل هذا الفراغ استغلت القوى التكفيرية تمزق العراق وضعفه العسكري وتشتته الاجتماعي وتشرذمه الطائفي اضافة الى التواطؤ الامريكي التركي السعودي ، فانقضت على العراق واستطاعت السيطرة على نصفه الشمالي ، على اعتبار ان النظام الفئوي الطائفي لا يمثل هذا الجزء من العراق ، وقد استغل التكفيريون النظام القابع في بغداد وكانوا يدركون مدى عجزه وفقدانه لإرادته ، وقد فشل هذا النظام حتى الآن من حسم المعركة ضد التكفيريين ، بل بالعكس هو في حالة تراجع حتى اصبحت هزيمته مؤكدة .
اليوم العراق الذي كان يداً واحدة قبل احتلاله من قبل امريكا ، وقبل تقسيمه الى شيع وطوائف اليوم يحتضر ، فالأكراد على وشك اعلان الانفصال بدعم امريكا واسرائيل ، وسوف يستغلون حالة العراق البائسة ويقيمون دولتهم في الاقاليم الغنية بالنفط دون ان يجدوا التصدي من أحد ، أما الدول المجاورة خاصة الاردن والسعودية وايران وتركيا وحتى الكويت جميعها لم تذرف دمعة واحدة على تجزئة العراق وتحويله الى دويلات فئوية ، الكويت مثلاً تنتظر هذه الفرصة حتى تتخلص من التهديد العراقي باحتلاله ، أما ايران فإنها سوف تكسب الى جانبها دويلة شيعية تمتد من شمال بغداد الى شط العرب ، أما تركيا فسوف تجد الى جانبها دويلة سنية في حالة عداء دائم مع دويلة الأكراد .
انتصارات القوى التكفيرية الأخيرة خاصة في الرمادي تؤكد بأن العراق على مفترق طرق على مرأى ومسمع من امريكا ، فهي تعرف بأن الجيش العراقي الحالي هزيل وغير قادر على هزيمة داعش ، وتعرف بأن قيادة هذا الجيش فئوية وما الحشد الشعبي سوى مليشيات شيعية غير معنية بمواجهة داعش لأنها تقاتل في مناطق سنية لا تهمها ، هذا بدوره حول الدفاع عن سيادة العراق الجغرافية والقومية الى حرب تهدف الى حماية الشيعة او الدفاع عن بعض المناطق السنية المؤيدة لحكومة بغداد ، من غير الممكن لنظام ينظر الى الأمور بعيون امريكا وارادة طائفية هزيمة عدو طائفي فئوي مثل داعش .
الغريب ان الاعلام العراقي حتى المستقل منه والاعلام الايراني وحتى اعلام المقاومة يتجاهل حقيقة يرفض تكرارها بأن امريكا هي سبب مأساة العراق وانها من يقف وراء العناصر الطائفية التي تقف على رأس السلطة ، وهي المسؤولة عن تدفق هذا الحشد من التكفيريين الى داخل العراق وسوريا ، المؤسف ان هذا الاعلام يتجاهل هذه الحقائق ، وينافق للحكومة الطائفية في بغداد التي تعتبر امتداداً للاحتلال الامريكي .
في الخطاب الاخير للمرشد العام الايراني تحدث عن كل شيء ضد امريكا لكنه لم يعترف بدور المرتزقة الذين يحكمون العراق باسم امريكا ، والذين وصلوا الى السلطة بفضل الدبابات الامريكية