فلسطين (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة
توقفت عجلة الثورة في المقال السابق امام عتبات البيانات التي صدرت عن المفتي ، وما تبعها من بيانات مماثلة صدرت من دمشق وتعلن توقف الاضراب وكل تبعاته من كل مظاهر العصيان المسلح ، كان هذا القرار حازماً تخللته التهديدات والوعيد لكل الذين يحاولون تجاوز هذا القرار ، ان هذا الاصرار من القيادية السياسية والعسكرية على الالتزام به قد زاد من تعلق آمال وارواح الفلسطينيين بنوايا الملوك العرب وبمزاجية سلطات الانتداب .
كشف هذا الاضراب الطويل والعصيان المسلح الذي رافقه ثغرات وتناقضات كثيرة بين اجنحة الثورة المختلفة ، وانه لم يكن بينها انسجام وتوافق خاصة بين قيادة الريف وقيادة الاحزاب ذات الطابع والصيغة العشائرية والبورجوازية من افندية المدن ، وكان المفتي يعتبر همزة الوصل بين هذه القيادات والى جانبه الهيئة العربية العليا .
كشفت هذه الثورة الفجوة في المواقف وتعيين حدود قوة الالتحام مع القوات البريطانية بين اليسار الفلسطيني وبين المفتي والقوى التي كانت تقف الى يمينه ، لأن المفتي كان دائما يحاول تثبيت مقود الثورة في يده ، كي يحركها الى المدى والاتجاه الذي يتلاءم مع كونه قائداً وحيداً لها ، وقد اعترفت سلطات الانتداب بأنها كانت تعول عليه وعلى جماعته في كبح العناصر الثورية المتطرفة ، هذه العناصر كانت تعلن دائماً بانها لا تثق بسلطة الاحتلال البريطانية وتحذر من الاستمرار في مهادنتها ، كان المفتي لا يشجع فصائل الثورة على القيام بمهاجمة القوات البريطانية أثناء العصيان المسلح ، لأنه ومن حوله كانوا يأملون قيام بريطانيا باتخاذ موقف الحياد في الصراع بين العرب واليهود ، رغم ان موقف بريطانيا كان واضحاً في تحيزه لصالح اليهود خاصة اثناء ثورة البراق ، وما تبعه من خطوات ادت الى وصول عشرات الالوف من المهاجرين الجدد الى فلسطين في هذه الفترة .
بعد ان خمدت نيران العصيان المسلح انتظر الفلسطينيون الخطوة القادمة لبريطانيا التي كانت تسعى لخلق كيان صهيوني في فلسطين ، وان وعودها للملوك والامراء العرب والقيادات الفلسطينية كانت بدون معنى ولكسب الوقت ، من اجل ذلك قفزت في مخططاتها عدة خطوات الى الامام اذهلت العرب واليهود معاً فقد قررت اللجنة الملكية التي اوفدتها الى فلسطين برئاسة اللورد ” بيل ” لمحاولة رأب الصدع بين الطرفين ، قررت ان الحل الافضل هو تقسيم فلسطين الى دولتين ، دولة للعرب وأخرى لليهود ، مع تحديد مناطق كل دولة ، بهذا كشفت عن وجهها الحقيقي ، ادى هذا الاقتراح الى احداث شرخ داخل صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية ، وقد شعرت العناصر الثورية المتطرفة بالندم واللوم على نفسها اولاً وعلى قيادة المفتي ، لأنهم وافقوا جميعا على اخماد شعلة الثورة التي بدأت في الحادي عشر من شهر نيسان عام 1936 .
اثناء وجود لجنة ” بيل ” في فلسطين قررت القيادات العربية مقاطعة هذه اللجنة وعدم الجلوس والتشاور معها ، لكن مرة أخرى دخل الملوك والأمراء العرب على خطوط التدخل في قرارات القيادة الفلسطينية ، لقد أرغموا هذه القيادة مرة أخرى على الطاعة ، فقد كتب عبد العزيز آل سعود والملك غازي رسائل الى المفتي تقول : بالنظر لما لنا من الثقة بحسن نية الحكومة البريطانية في انصاف العرب ، فقد رأينا ان المصلحة تقضي الاتصال باللجنة الملكية ، وقد ادى هذا التدخل الى حدوث انقسام في مواقف واراء القيادة الفلسطينية ، لأن القوى التي كانت تقف الى يمين المفتي والتي يتزعمها حزب الدفاع سارعت الى معارضة قرار مقاطعة لجنة ” بيل ” وقد ابدى الحزب المذكور عدة اشارات ودلائل تشير الى رغبته في قبول مشروع التسوية التي كانت بريطانيا سوف تعرضه على الاطراف المتصارعة ، وقد استند زعماء هذا الحزب الذي كان يمثل بالدرجة الاولى افندية المدن الى التذمر الذي عبر عنه كبار التجار العرب في المدن نتيجة الاضراب ، والذي ادى الى ايقاع ضرر في مصالح البورجوازية المدنية التي كان يربطها علاقات اقتصادية قوية مع شركات بريطانية ويهودية .
لقد ساندت الانظمة العربية خصوصا نظام شرق الاردن موقف المفتي وحزبه في حين رفضت القوى اليسارية كل هذه التحولات ، عندما قدمت بريطانيا اقتراحها بتقسيم فلسطين كانت تأمل بأن يتمكن المفتي من الوقوف في وجه اليسار الفلسطيني المتمثل بقيادات الريف وعدد من الأطر الحزبية والعمالية .
يذكر الشهيد غسان كنفاني في كتابه ( ثورة 1936 – 1939) ان حزب الدفاع فشل في فرض مواقفه على القوى اليسارية بقبول تقرير لجنة بيل او التشاور معها ، هذا الفشل فرض مواقفه على القوى اليسارية بقبول تقرير لجنة بيل او التشاور معها ، هذا الفشل فرض على المفتي الهروب الى الامام ، فقد قرر الاعتصام سراً داخل مسجد الأقصى ، لكن فجأة حدث ما لم يتوقعه الجميع ، فقد قام اربعة من الفدائيين الفلسطينيين تابعين لإحدى خلايا عز الدين القسام باغتيال حاكم الجليل البريطاني ” أندروز ” في شهر ايلول عام 1937 ، وقد تم الاغتيال في مدينة الناصرة .
لقد حطي ” اندروز” برضى الصهاينة ، لأنه أدار دفة الانتداب بالأساليب والطرق التي تخدم مصالحهم ، في نفس الوقت فشل في كسب ثقة الفلاحين العرب ، وقد اعتبره العرب صديقا لليهود ، وأن مهمته تنحصر في تسهيل انتقال منطقة الجليل الى الدولة اليهودية التي حددها مشروع التقسيم الصادر عن لجنة ” بيل ” كما اتهمه العرب بأنه من وقف وراء بيع سهل الحولة لليهود .
مع ان المفتي واللجنة العربية العليا استنكرت اغتيال ” أندروز ” الا ان هذه العملية افقدت المفتي موقعه القيادي في نظر بريطانيا ، وكان عليه اذا اراد البقاء على رأس الحركة الوطنية اللحاق بها والركوب على امواجها ، كما فعل عندما بدأ العصيان المسلح في شهر نيسان من عام 1936 ، كان الاندفاع الثوري عند المواطنين في هذه المرة اشد عنفاً ، ليس بسبب الخبرات التي اكتسبوها خلال تجربة العصيان المسلح فقط ، ولكن بسبب اتساع مساحة التناقضات القائمة امام اعينهم .
لقد كان للثورة في هذه المرة اتجاهات اكثر وضوحاً وعزماً ، فقد قرر الثوار توجيه رصاص غضبهم ضد البريطانيين وليس ضد اليهود فقط ، وما يميز هذه الثورة في هذه المرحلة هيمنة الفلاحين الشبه شاملة عليها ، في حين تراجعت البورجوازية المدنية قليلاً الى الوراء ، وأخذ اثرياء وكبار الفلاحين المتوسطين يترددون في مساندة الثوار ، الجديد في هذه الثورة قرار القوى الصهيونية والانتقال الى حالة الهجوم ضد العرب وعدم الاكتفاء بالدفاع .
برزت مسألتان هامتان في هذه المرحلة من الثورة ، الأولى ورد ذكرها في كتاب شموئيل دوتان ” الصراع حول تقسيم فلسطين ” كما وردت في كتاب عبد الوهاب الكيلاني ” تاريخ فلسطين الحديث ” قيل بأن العرب اتصلوا مع اليهود واقترحوا عليهم قطع العلاقات مع بريطانيا من قبل الطرفين ، لكن اليهود رفضوا هذا الاقتراح .
ترافق هذا الرفض مع ارتفاع عدد اليهود الذين سمح لهم بالخدمة في صفوف البوليس في فلسطين ، فقد وصل عددهم مع بداية عام 1937 الى حوالي ثلاثة آلاف مجند من اليهود ، مسلحين ببنادق حربية ، وقد ذكرت صحيفة ” جوبش اوبزرفر ” على لسان بن غوريون بقيام ضباط بريطانيين قيادة مجموعات يهودية للهجوم على القرى العربية .
المسألة الثانية التي برزت في هذه المرحلة من الثورة ان وجود قيادة الثورة خارج فلسطين ” في دمشق ” قد عزز من اهمية وسيطرة القيادات المحلية المنحدرة من اصل فلاحي وسيطرتها على الميدان ، من بين هذه القوى الشعبية احد القادة ويدعى عبد الرحيم الحاج محمد ، وقد اعترف الشيوعيون بأنهم كانوا على اتصال دائم مع هذا القائد ويزودونه بالمعلومات كما ورد في كتاب عبد القادر ياسين ” الكاتب ” الذي يتحدث عن تاريخ الحزب الشيوعي الفلسطيني ، كان من الممكن ان يشكل هذا التطور نقطة انعطاف تاريخية في الثورة لولا ضعف اليسار بمعناه النسبي ومعناه الحقيقي





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

