دراسات (:::)
بقلم: فيصل سليم التلاوي – فلسطين المحتلة (:::)
طَبَعَ الشيء طَبْعًا و طِباعةً: صاغَهُ و صوَّره في صورةٍ ما. يقال طبع الله الخلق: أنشَأهُ. وطبَعت الدولة النقد: صاغته ونقشته. و من معانيها طَبَعَ فلان على كذا: عَوَّدَهُ و نَشَّأَهُ عليه، و طَبَّعَهُ: مبالغة طَبَعَهُ، يقال: طَبَّعَهُ تَطبيعًا على كذا: عَوَّدَهُ عليه.
والتطبيع في مفهومه و دلالته تطبيعان: أما أحدهما فمحدث لا يتجاوز عمره ثلاثة عقود من الزمن، وهو مصطلح سياسي بدأ الناس يتداولونه بعد اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل، ثم شاع بعدها وسرى سريان النار في الهشيم، فأصبح المصطلح الذي يتصدر وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزة، وما أعقبها من وسائل التواصل الاجتماعي. والتطبيع في مدلوله السياسي هذا: يعني إقامة علاقات طبيعية مع دولة الاحتلال الصهيوني التي تحتل فلسطين، وأجزاء من أراضي مصر وسوريا والأردن ولبنان، مقابل انسحابها الموعود من الأراضي التي احتلتها عام 1967 والتسليم لها بما احتلته قبل ذلك.
وانقسم المجتمع العربي بين مؤيد لهذا التطبيع ورافض له، وانعكس ذلك الانقسام في بداياته على أعلى هرم يجمع الأمة، ألا وهو جامعة الدول العربية التي انقسمت على نفسها، ونقلت مقرها من القاهرة إلى تونس، لاحتجاج معظم أعضائها على معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية، وما تبعها من تطبيع. وتأسست في كل بلد عربي جمعيات ومؤسسات مناهضة للتطبيع مشنعة على أصحابه والداعين له، منددة بسوء فعلتهم.
هذا هو التطبيع في دلالته السياسية القريبة، التي يدركها كل متابع للشأن السياسي العربي في العقود الأخيرة. وإن كان هناك من العرب من اعترض على التسمية، ولم يرق له أن يسير على نهج من سبقه من أشقائه العرب، فاجترح لها اسما جديدا، وذلك عندما لاحت له فرصة التطبيع، وكان قاب قوسين أو أدنى من توقيع الاتفاق، وعندما كان يُسَرِّجُ العربة ويزينها قبل مجيء الحصان، فابتدع للمولودة اسما قبل ولادتها، فأسماها – علاقات السلم العادي – وليس التطبيع، وكأن هذه التسمية المبتدعة المطولة تغير من الأمر شيئا.
أما التطبيع الثاني القديم والأصيل، والذي لا يعرفه على أصوله إلا أمثالنا من أبناء الريف، ممن نشؤوا في القرى، وألفوا في طفولتهم وصباهم العيش مع البهائم والحيوانات الأليفة، التي كانت تشاطرهم السكن في نفس المنزل: ( الراوية ) السفلى أو قاع البيت مأوى الأبقار والحمير، والمصطبة التي أعلى الدرج مأوى أفراد العائلة جميعا على كثرتهم، دون تقسيمات أو تنويعات لغرف نوم أو سفرة أو استقبال، بل الكل في واحد، حيث النوم على أنغام خوار البقر، والاستيقاظ مع الفجر على نهيق الحمير وصياح الديكة. وقبل ذلك مرورا بخوابي القمح والشعير على يمين الدرج الصاعد للعليِّة أو يساره، وقبل صعود الدرجات تمر بباب المِتبَن الذي هو مستودع الأمن الغذائي للبهائم طيلة فصل الشتاء، بروزنته التي تتوسط سقفه، حيث يدفع من خلالها التبن من السطح، ثم تغلق بخرقة أو تُطيَّنُ من الصيف إلى الصيف.
يومها كنا نعرف التطبيع على أصوله، فما إن تضع إحدى حميرنا ( كُرًّا أو كُرَّةً ) أي جحشا أو جحشة، ثم ندعه يكبرعلى مهله رويدا رويدا حتى يبلغ أشده و يقترب من الحول. عندها تبدأ أولى محاولاتنا لتطبيعه، أي تعويده على الحرث و الدرس، وتقبل حمل الأثقال على ظهره، أو على امتطاء الأشخاص له. وهذه التسمية ليست من باب التشهير أو السخرية، أو التقليل من شأن مصطلح عصري، معاذ الله! لكنها التسمية الحقيقية التي سمعناها من أفواه آبائنا وأجدادانا، وتداولناها في مجتمعاتنا الأولى: (هذا كُرٌّ يحتاج لتطبيع) أي ترويض وتعويد على حمل الأثقال والركوب.
وهذا التطبيع كان يستغرق أشهرا، وتتفاوت الكرار من حيث تقبلها للتطبيع سرعة وبطئا، فمنها الذي ما إن تقترب منه، وتمد يدك لتمسد ظهره وتجس نبضه، حتى يبادرك رفسا بكلتا قائمتيه الخلفيتين، ومنها ما هو أخف من ذلك قليلا إذ يرفس لكن بقائمة واحدة. وتظل تكررالتجربة مرارا وتكرارا، إذ لا بد لك من فعل ذلك، فما جدوى اقتناء حمار جديد تطعمه وتسقيه إن لم يخضع للتطبيع؟
تبدأ بإدخاله في حلقات تطبيع لا يقوى على الفرار منها، كأن تربطه في حلقة درس الحبوب على البيدر وقت درس القمح أو الشعيرأو الفول أو الحمص، متوسطا بين مجموعة من الحمير القديمة المُطبَّعة، التي اعتادت هذه التجربة، فتسحبه معها رغما عنه إن عاند أو أحرن، ما دام مربوطا من عنقه إلى أعناقها، فهو مضطر لمماشاتها رغم أنفه، فيخضع ويلين قليلا.
ويتطور الأمر إلى أن تربطه للحراثة مع حمار قديم معتاد على الحرث، فيجره إلى جانبه جرًا، فلا يستطيع التأخر ما دام (النير) مثبتا على رقبتيهما معا، وعصا الحرّاث تلهبه لسعًا إن أحرن أو توقف.
أما الخطوة الثالثة المتقدمة فتنتقل إلى تحميل الأثقال على ظهره، وتبدأ أولا بنقل التراب أو أكياس السماد الطبيعي من البيت إلى الحقل، أو أحمال الحطب أو حصيد القمح والشعير من الحقل إلى البيدر، مما لا يتضرر كثيرا لو تعرض للسقوط عن ظهره.
فلا تبدأ التجارب الأولى بأحمال الخضروات كالبندورة والفقوس، أو أحمال الفاكهة كالتين أو الخوخ والتفاح. فإن أول أحماله لا بد أن يتعمد إسقاطها عن ظهره، بأن يرفس أو (يبرطع) سريعا، أو يتعمد الاحتكاك بالأشجار أو بأي جدار على جانب الطريق، حتى يقلب الحمل عن ظهره.
أما أن يتطور الأمر إلى امتطاء ظهره، فتلك مرحلة أخرى متقدمة جدا، لا تبلغها إلا بشق الأنفس، وبعد رفسات تخلف جروحا وندوبا على جبهتك لا تمحوها الأيام، وسقطات قد تسبب كسورا في اليدين والساقين قلما نجا منها فتى من أبناء الريف.
وأذكر من تجاربي الخاصة أنه كان عندنا كُرٌّ يميل لونه للسمرة حتى أسميناه (سمير)، و قد ظل عنيدا وعصيِّا على التطبيع فترة طويلة، ولم تنفع معه كل ألوان التمرين والتدريب، ولا زلت أذكر السقطات التي سقطتها عن ظهره، وآثار رفساته التي لا زالت تطبع جبيني حتى اليوم، وبعد حوالي ستين عاما.
كان يحلو له أن يفاجئك في منتصف الطريق، وبعد أن تطمئن في ركوبك على ظهره إلى أنه قد ركن وهدأ، فيبادر فجأة ودون مقدمات أو سابق إنذار بالرفس بكلتا قائمتيه، وبأعنف ما يستطيع، فيرفعك إلى أعلى مدى يقدر عليه، وأنى لك حينها أن تظل مستقرا على ظهره مهما حاولت التشبث؟ إنه يطوح بك من علو مضاعف أعلى من قامته، لأنه يرتفع عاليا عندما يرفس بكلتا قائمتيه الخلفيتين، لتجد نفسك مطروحا على الأرض لا تستطيع حراكا. ولست أنسى سؤال أخي الذي يكبرني – رحمه الله – وقد أدركني سريعا إثر سقطتي عن ظهره ذات مرة، و قد أقلقه طول مكوثي طريحا في مكاني على الأرض. فما فززت سريعا كسائر المرات السابقة، وقد سألني:
– ما الذي يؤلمك؟ ولا زلت أذكر أنني ما أجبته إلا بكلمة واحدة:
– كُلِّي.
ومرة أخرى طوّح بي كُرُّنا سمير، وقد كنت أمتطي ظهره متوسطا بين صحارتين خشبيتين عن يمين وشمال، (والصحَّارة: صندوق خشبي مستطيل). و كانتا فارغتين، فقد كنت في طريقي إلى البستان حيث ينتظرني والدي، لنملأهما فقوسا قطفه وكوَّمهُ منتظرا حضوري بعد دوامي المدرسي. ما اختار جحشنا سمير إلا اللحظة الحرجة، التي يضيق فيها الطريق، ويصبح معلقا في سفح الجبل، حتى يبدأ نوبة الرفس المعتادة، فطوّح بي وبالصحارتين، ورحنا نتدحدل أنا وإياهما في السفح، صحارة أسفل مني وصحارة فوقي، وتقلبنا عدة قلبات قبل أن يستقر بنا المطاف، وقبل أن يمر بي عابر سبيل ليسعفني ويسمعني موعظته:
– يا عمي هذا كُرّ غير مطبع، ويحتاج لتطبيع كثير قبل ركوبه وتحميله، لقد استعجلتم عليه.
وعمل جاهدا على الإمساك به، وتحميل الصحارتين على ظهره مجددا، لكنني ما تجرأت يومها على معاودة ركوبه، بل اكتفيت بسوقه أمامي إلى الحقل.
وليس معنى هذا أن كل الحمير على شاكلة حمارنا سيء الذكر سمير، فكثير منها ما يُطبَّعُ سريعًا ويحسن تطبيعه، ويصبح هينًا لينًا مطواعًا سلسًا قيادُهُ. فقد تجد حمارا من حسن تطبيعه وكريم خصاله، أنه يعز عليه أن يسير خالي الظهر وصاحبه ماشيا، فيتعمد أن يتأخر ويبطء سيره ويقترب من صاحبه، وكأنه يدعوه مرحبا للركوب، فتركبه آمنا مطمئنا وأنت تمد رجليك الاثنتين في ناحية واحدة، وهو ما كنا نسميه ركوب ( الصندلى ) إمعانا في الطمأنينة والمتعة والهناء.
ذلك هو التطبيع الذي ألفناه صغارا، وهو لعمري على عنفه وقسوته أيسر من التطبيع الذي أدركناه كبارا.
24/3/2015





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

