المتصوفة في الميزان: أكبر شريحة في العالم الإسلامي والأكثر تهميشا

دراسات (:::)
د.الطيب بيتي العلوي – باريس (:::)
“التصوف”- كروح وثقافة،- مظهر كان واقعا حياتيا في حياة المسلمين منذ بزوغ الرسالة الإسلامة، ونظرعالمي تداولته أفكار أجيال من الحكماء المسلمين وأهل البصيرة (العارفين بالله) عبر القرون”…. روبرت ه.ل.سليتر : مدير مركز دراسة الأديان المقارنة بجامعة هارفارد
حواري مع بعض رموزالسلفية الأصوليين عام 2005  على إحدى القنوات  العربية،  فصل في الشأنالصوفي بقوله بأن “المتصوفة أنجس من اليهود والنصارى والقردة والخنازير”ثم تبث لي بالحجة الملموسة  بعد حوارات أخرى مع سلفية متنطعين ، أن معظم  أتباع السلفية بكل  توجهاتهم ومشاربهم (الأصولية والمعتدلة)  لا يعلمون من أمور التصوف سوي إسقاطهم  للشريعة الإسلامية  ،و جهلهم  بأركان الدين / وولههم  بزيارة الأضرحة، وعبادة القبور،  ورفضهم لما معلوم في الدين بالضرورة
في حين أن الدراسات  الأكاديمية المتخصصة في ما يسمى ب” الخطاب الصوفي ” فنادر ما تتعرض “للتجربة الصوفية” التي بدأت – عمليا- مع بدء القرن الثاني الهجري ، حيث تناول هؤلاء الباحثين “التجربة الصوفية” بالطرق “التخفيضية” reductionisme  التي يبدو فيها التصوف كله ، وكأنه سقط من كوكب آخر ، فتعزل تلك الدرسات “ظاهرة التصوف عن  سياقه التاريخي والظروف المحيطة بنشأته والمناخات  الفقهية والثقافية والأجواء السياسية والإجتماعية والعوامل السياسية التي أفرزت تلكم التجربة المتفردة في العالم الإسلامي والكوني
وهو نفس الخطأ الذي يقترفه معظم المهتمين با لتجربة الصوفية في الغرب– عن قصد أو جهل-  منذ الستينات مع إزدياد الحاجة إلى الإستزادة  من معرفة التصوف  بعد 11 من سيبتمبرعام2001   لأسباب  فصلت فيها سابقا
ه لا بد من التنبيه إلى أن التجربة الحقة  المعاشة في أي مجال ما ،هي التي لها القول الفصل في ميدان البحث العلمي…، ومنطق التجربة أفصح من كل ما تختلقه الحذلقة من جعجعات كتابية ،وتهاويل ” أكاديمية” لا تحمل من الواقعية شيئا ،رغم إحاطتها بهالة من زخرف القول ولغوه ، بالترطين  بالمصطلحات الغربية الدوارة  الزمنية المتقلبة التي يعيشها الكتبة المدهنون ،الخاضعة لقوانين السوق مثل البضاعات المزجية البائرة وحينية العرض والطلب
وكم هي تلكم الكتابات المنشغلة بالظاهرة الصوفية التي ملأ كُتاب منها-شرقا وغربا-  بطائن، فمطرت كتبا ومجلدات  ودراسات،إكتُشفت من بينها النفيس المؤنس، والممتع الرائق المعجب ،والغث الثقيل، والمبتورالمعوج  السقيم
ومن المعلوم أن العبرة في الكتابة في “التجربة الصوفية” لا تعبأ بالقوالب اللفظية أو التحذلق بالمصطلحات المعجبة الرنانة ، ولكنها إقتحام للمعاني الصوفية اللامحدودة ، بالغوص في محيطاتهم بالعُُدة والدربة والعتاد  المستلزمة لذلك ، مع التحلي بالتواضع والحكمة وبالنفس الطويل….، فكل علم إن أعطيته بعضك أعطاك بعضه ، وإن عطيته كلك أعطاك كله- كما قال الإمام مالك –…وكل كلام من خارج “التجربة الصوفية” ذاتها ، فهو فارغ المعنى  وإلى  الإنقراض مآله .إلا أن يدعمه واقع من الحس والتجربة للمتصوفة أنفسهم .
والمشكلة الجوهرية في أبحاث التصوف المعاصرة، تخطؤ معظمها في فهم  إستلهامات المتصوفة القدامى  المستشكل والمغلف با لإشارات والرموز والتوريات، فعالجوها كأدب وكشعر، متناسين أن أي كلام  إذا إنتزع من سياقه آل الى بطاقات ولُجاجات ، وصار كا للقيط  لا يعرف نسبه فتجهل حقيققته، لأن الكلام الصوفي – مثله كمثل الفلسفة – لايغني فيه الإجمال عن البسط ،ولا التلخيص عن الإسهاب،
وكلام المتصوفة لا يغني عن الحق شيئا – ولا يدعون ذلك-
و كلامهم ليس وحيا ولا دينا جديدا ولانبوة  ولاشريعة – ولايقولون بذلك-
ولا يرون أنفسهم إلا  قوما يتعرضون للنفحات “النوراية” بالأذكار والمجاهدات …  فيتكلم ذوو لحال منهم بلسان خرق الحجب والمشاهدات، والكمل منهم من ذوي المقام يتحدثون بلسان الإستقامة ولا يبوحون بالكرامات.
وأما من لوى عنق النصوص الصوفية يستهدف فك ألغازومرامي ما يسمى في المصطلح المعاصر” ب”الخطاب الصوفي”، فقد كتب وحلل ودقق وما تحقق ، فهو كلام مأخوذ من اللُجاج والخبط، ومعدود من الخلط  في ما إصطُلح عليه  بالأدب ،وما كان كلام المتصوفة أدبا – وما كان له أن يكون كذلك- وإن عده العادون  أدبا

فالكلام والقول والكتابة في الأدب..أدب .، وبحثه أدب….،والنقد و مناهجه ومدارسه الحديثة  والمعاصرة أدب….، والأدب قليله وكثيره أدب….، ،وجيده ورديئه أدب….، وما علا فيه وسفل كله أدب …،.ولذا فإن البحث في التصوف ليس كمثل البحث في الأدب !
وللباحث  في التصوف أن يذهب المذهب الذي يتأتى له،لا ما تقتضيه حقيقة التصوف نفسه،إذا البحث هو مبحث ما صح منه وما تشابه ،والعبرة في الكتابات الأدبية ما يخطه اليراع ويملأ الأسماع ويستهدف الإمتاع / لا ما تراه الأعين وتطمئن اليه الأفئدة …..
غيرأن أقوال الكمل من المتصوفة من هم في هامات: الكيلاني و إبن عربي وإبن مشيش والرومي والعطار والدباغ وإبن عطاء الله والشعراني ليس أدبا ولو جاءت أقوالهم وكتاباتهم ترجمة حرفية “للأدباتية” ومطابقتها أو موازاتها للأدب الذي يتناوله “النقد”الأدبي الأكاديمي المتخشب بكل مدارسه الكلاسيكية والحديثة الغربية التي تسامع  بها العرب المحدثون ـ فإحتسبوها من ضروريات آليات إقتحام غمار”النص الصوفي”وكأني بهم يدورون حول أنفسهم كمن رأى الشمس أو القمر بازغان، فقال هذا ربي، فلما أفلا قال إني لا حب الآفلين.
وفي الخاتمة :
ننصح لكل الذين يرغبون في الدخول في معترك البحث الصوفي ،أن يتسلحوا بالعتاد الصوفي نفسه بالإضافة  الى التمكن من المنهجية الصائبة والموضوعية الصارمة   قبل كل شيء،فالبحث كله بحث ، غير أن لكل  مجال بحثي  أناسه ، وللتصوف رجاله وعتاده،والإشتغال به أمرعارم ،ومهمة صعبة ما لم يعد الباحث فيه عدته ،
وقد يحسب الحاسبون المتسرعون  في البحث الصوفي أنهم وجدوا بغيتهم ، ولكن سرعان ما يتبين لهم بعد حين مدى زئبقية النصوص الصوفية وتغنجها ، ثم يكتشفون أن ما وجدوا فيها اليوم غير ما وجدوه بالأمس- وذاك سحر النصوص الصوفيه  وسرها المصون
، وأي تطاول على التصوف  ونصوصه ورجاله من خلال  ما يسمى ب”البحث الأكاديمي”- لاتدعمه التجربة  من داخل التصوف ذاته ، ولا يشد عضده واقع تجريبي مدرك بالأحاسيس التي لا تقبل المزايدات الكلامية، او المضاربات “المؤدلجة” أو الإعتماد على الإفتراضات والتخمينات، فسوف  يكون مصيره النسيان وسلة المهملات، ولو صيغت  تلك البحوث  من لؤلؤ وعسجد …..
[email protected]