فن وثقافة (:::)
د . محمد الحريري (:::)
البدو والبادية ، من الجذر الثلاثي ( ب د و ) ، وقال فيه الجوهري : بَدا الأمر بُدُوَّاً، مثل قعد قُعوداً ، أي ظَهَرَ . وأَبْدَيْتُهُ : أَظْهَرْتُهُ . وقرئ قوله تعالى عن قوم نوح مبررين كفرهم : ” وما نراك اتبعك إلا الذين هم أَراذِلُنا باديَ الرأي” سورة هود\ 27 ، أي في ظاهر الرأي . وبَدا القومُ بَدْواً ، أي خرجوا إلى باديتهم . وبَدا له في هذا الأمر بَداءٌ ، ممدودٌ ، أي نشأ له فيه رأي . وهو ذو بَدَواتٍ . والبَدْوُ : الباديةُ ، والنسبة إليه بَدَويٌّ . وفي الحديث الشريف : “مَنْ بَدا جَفا” أي من نزلَ البادية صار فيه جَفاء الأعراب . والبَداوَةُ : الإقامةُ بالبادية ، يفتح ويكسر، وهو خلاف الحَضارة . والنسبة إليها بَداويٌّ . والمَبْدَى : خلاف المَحْضَر . وبادى فلانٌ بالعداوة ، أي جاهَرَ بها . وتَبادَوا بالعداوة ، أي تجاهروا بها . وتَبَدَّى الرجل : أقام بالبادية . وتَبادى : تشبّه بأهل البادية . ويقال : أَبْدَيْتَ في منطقك ، أي جُرْتَ ، مثل أَعْدَيْتَ . ومنه قولهم : السلطان ذو عَدَوانٍ وذو بَدَوانٍ ، بالتحريك فيهما . وأهل المدينة يقولون : بَدينا بمعنى بَدأْنا . والبَدِيُّ العجب ، وأَنشد ( ابن منظور ) :
عَجِبَتْ جارَتي لشَيْبٍ عَلانـي *** عَمْرَكِ اللهُ هلْ رأَيتِ بَدِيَّــــا ؟
أما أصل التسمية ، أو جذورها ( فلسفتها بالعرف المعاصر ) فيعود إلى البُـدُوِّ والبروز عيانا ً، إذ أن حياة الأعراب في البادية تجعلهم بادين للعيان ، غير مختفين ولا متخفّين !
وهناك مقولة جذورية كانت تتردد في مجالس الأجداد وهي أن القرى ” مقابـر العـلمـاء ” والمقصـود بالقرى ليست المدن ( وهو معناها الجذوري الأثيل ) وإنما يُقصد بالقرى البادية والأرياف ومناطق شبه البادية ، بمعنى أن العالِم إذا قطن في قريةٍ( أي في البادية ) فكأنما اختار لنفسه الموت العلمي – بالتعبير الحديث – فلا شهرة ولا ذيوع لفكر هذا العالم ومعارفه ، ولا يعرف الناس شيئاً عن نبوغه وثقافته ، فمؤهلات كلّ ذلك معدومة في الأرياف ، ولم تُكتب الشهرة لعالمٍ في الريف أو القرية أو البادية عموماً إلا إذا غـادرهـا إلى المدينة ، فالقرى تسود فيها الحياة البدويّـة أو شبه البدوية …. ويسوقون في ( حوران) وهي منطقة نصف بدوية ، أمثلة على ذلك :
الإمام النووي والإمام ابن قيّم الجوزية ، والإمام المفسر المحدث المؤرخ ابن كثير ، والطبيب أو شيخ أطباء عصره “ابن أبي أصيبعة الصرخدي الحوراني” وغيرهم .
جميع هؤلاء علماء ومحدِّثون حورانيون، لم تُكتب لهم الشهرة والانتشار العلمي إلا حين تـركوا الريف وسكنوا في دمشق ، وهناك طائفة اختارت مدينة القاهرة لها سكنا ، ومنهم ابن أبي العـز الأذرعي والعـز ابن عبد السلام وغيرهـمـا ، وهذا الكلام صحيح إلى حَـدٍّ ما ، فأهل القرى والبدو مشغولون عادة بوسائل معيشتهم ، وبدويتهم لا تسمح لهم أن ينخرطوا بالحضارة ، وبالنظر لصغر القرية ومعرفة الناس لبعضهم ووجود صِلات قربى ومصاهرة ( مع الجهل غالبـاً ، وهذا ينطبق على ما غبر من زمان ) فينشغلون ببعضهم ، وتنتشر في حياتهم أحاديث الغيبة والنميمـة ونقل الكلام ، والقيل والقال وما إلى ذلك من سـفاسـف وصـغـائـر ، نقول هذا بوجود الجهل ، أما بوجود العلم فلا …
وحوران اليوم البالغ عدد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة ، و الممتدة من دمشق شمالاً إلى عـمَّـان جنوبا ( بين عاصمتين عريقتين) ، تقع في دولتين شقيقتين ، لم تعد تقترب من البادية إلا في شكليات عشائرية محدودة ، والجزء السوري من حوران عاصمته ( أَذْرِعات) والمسماة ” درعــا ” لعلّها اللواء أو الإقليم الوحيد في العالم العربي كلِّه الذي انعدمت فيه الأمـيّـة تماماً ، نعم فنسبة الأميّة في حوران السورية صفر بالمئة ، وهناك قرى بالكامل دفنت آخر أُمّـي فيها قبل أكثر من خمسين سنة ( خبب – بصير – رخم – تبنة ) وبالتالي هي لم تبقَ قبوراً للعلماء بل حواضر لهم تحتضنهم و علومهم، وتنشر أفكارهم وتتلقى نظرياتهم وثقافتهم لتتفاعل معها ايجابيا ً، ولتتغيّر نظرية ( القرى مقابر العلماء ) أو يتم تعديلها ، على الأقـلّ ، وسنأخذ على كلامنا مثالّيْـن اثنين ( من الشام ومِصْـر ) :
الأول من الشام ومن حوران تحديداً ، قرية أنخـل :
حاضرة من حواضر حوران يزيد سكانها على الخمسين ألفاً ، أغفلها ياقوت الحموي ، واسمها مأخوذ من النخيل وكان النخيلُ كثيرا فيها ، وقيل بل اسمها من عملية النَّخْـل ( فصل الطحين عن الردّة أو النخالة ) ، وقيل كان لها اسم روماني بمعنى مدينة الذهب ، وفيها من الآثار قصر الحريري وقصر العلوه ، والمسجد العمري ، وهذه القرية الكبيرة جميلة وادعة تشتهر بعلمائها الذين ملؤوا الدنيا علما وإليكم بعضهم :
الشيخ العلامة خالد الجباوي – الشيخ المحقق نايف العباس – الشيخ الداعية إبراهيم الناصر – الشيخ الداعية احمد الجباوي – الشيخ رشيد الناصر – الشيخ نعيم الفروان و . . . . . وغيرهم كثيرون رحمهم الله تعالى وأجزل مثوبتهم ، وما أجدر أن نسمي حاضرتهم ” مدينة العلماء ” .
وهذه الثّـلّـة الطيبة من العلماء عاصرْتُهم جميعاً ، ولعلّ شهرتهم بدأت من دمشق لكن ليس على الإطلاق ، واليوم مدينة انـخـل فيها من العلماء والأطباء والصيادلة وأساتذة الجامعات والمحامين والمهندسين والقضاة والتربويين ما يعجز المرء عن الإحاطة بهم ، والشيء نفسه يُقال عن قرى جاسم ونَـمَـر وبُسْر الحريري ( تدعى خطـأً بصر الحرير\بالصاد ) ومحجة وداعل وطفس والجيزة وإزرع والصنمين وسائر القرى الحورانية ، والواقع أنها مدن صغيرة ، لا قرى كما كانت سابقا ، لكن لا ننسَ أنَّ كثيراً منها كان حواضر علمية قبل أن يُطلق عليه وصف “مقابر العلماء” ومن هذه الحواضر :
بصرى الشام – بسر الحريري – جـد يـة – نوى – ازرع ( وكانت تسمى زُرَع أو زره ، حسب رواية معجم البلدان لياقوت ) وغيرهـا .
لقد كانت حواضر علمية تعجُّ بالحياة والحركة وطلبة العلم حين أحياهـا العلماء ببحثهم وحركتهم العلمية الدائبة ، وصارت بوادي مقفرة ” قبوراً للعلماء ” ، وقرى قاحلـة حين سادت فيها الجهالة والعشائرية بوجهها السلبي البغيض .
المثال الثاني من مصر الكنانـة ، بلصفُّـورة – قضاء سوهاج :
هي أيضـاً قرية العلماء والحفظة والقُـرَّاء والأدباء ، يبلغ سكانها اليوم حوالى الخمسين ألفا ، أي مقاربة لمثالنا السابق عدداً ، واسمها مكون من جزأين :
، بلص >>> بالاس ، والثاني : “فورة ” اسم سيدة بنت ملك ، أي قصر فورة . palasالأول :
وسكانها من أقحاح القبائل العربية ( الهلالوة – الجمل – الحمادي –الجعابرة – المطر ….) ومن المصادفات أن تتفق أسماء بعض عشائرها مع عشائر ” أنخل ” السورية ، وفيها أنشِئ أول معهد أزهري في الصعيد ، وهو الذي تعلم فيه د\ طنطاوي ، ود\ الطيب . وهي بلدة الشيخ علي يوسف المؤيد ، صاحب جريدة المؤيد ( ت1331 هـ = 1913 م) وهو رفيق جهاد السيد مصطفى كامل ، ومن أعلامهـا :
الشيخ خلف عطية – والشيخ ابو المعاطي محمد حنفي – السيد الحباك – فايز توفيق الصدار – محمد كمال راشد – أسامة جمال الدين – فوزي جاد – صابر محمد حسين – زاهـر أبو سرحان وآخرون .
وحدثني زميلي أ. عبد العزيز : كان علماء مصر ممن يزور قرية ( بلصفورة) قديما ، إذا نزلوا أرضها خلعوا نعالهم ، يمشون حفاةً على ثراهـا لأنه طاهر برأيهم ، وما هو إلا من أجساد العلماء !!! قرية شبه بدوية صغيرة حوّلها معهد أزهري إلى خليّةِ نحلٍ ، ملأى بالعلماء والقرّاء والحفاظ والمفكرين والصحفيين والدعاة و غيرهم …..
وهكذا نستطيع القول بأن مقولة ” القرى مقابر العلماء” مقولة ليست صحيحة على إطلاقها ، وإنما نجزم بأنّ صحتها كانت مقترنة بوجود الجهل ، أما مع العلم فلا ، مع التأكيد على أنَّ تحوّل البادية والقرى إلى مدن وحواضر زاهرة ليس بعمرانها وحسب بل بمؤسساتها العلمية وعلمائها وكتاتيبهم وحِلَقِهِـم العلمية ، وشاهدنا المؤكد ما ذكرنا . وللمزيد من البيان أشيرُ أيضـاً إلى :
قرية ( جَـدَيَــا \بفتحتين ) التي يلفظونها اليوم خطأً ( جَدْية\ أو جِدْية) الصغيرة إلى الغرب من مدينة الصنمين ، بل إن بعض مجاوريهـا يجهلونهـا لأنها صغيرة ومغـمورة جداً ، كان طلبة العلم يأتونها سابقاً من سائر أصقاع الشام ، حتى من دمشق ، نظرا لشهرة عالمها الجليل الإمام أبو حفص عمر بن صالح الجَدَياني (ت 332 هـ على ما ذكر ياقوت الحموي في معجمه 2\115 ) ، وقريـة بسر الحريري المجاهـدة ( والمعروفة اليوم أنها مهد الثورة وموئل المجاهدين وعمود حوران ) ، كانت قوافل طلاب العلم تؤمها من طبرية وثغور فلسطين ولبنان ، ومن بغداد وسائر قرى الشام تنهل العلم على عالمها الحسَّـاني (أبوعبيد محمد بن حسَّان القرشي البسري الزاهد) رحمه الله ، وأذكر أن الساحة العامة في موطنه لا تزال حتى اليوم تحمل اسمه الخالد من ألف سنة ونيف ، ساحة الحساني ( ويلفظها العامة ساحة حسانة ) . وفي مصر لاحظنا كيف أنَّ قريةً صعيدية متواضعـة مثل ( بلصفورة ) تحولت إلى قلعة للعلم والحفاظ والقراء ، بفضل تأسيس معهد أزهري كان مركز إشعاع ديني حضاري علمي أخلاقي ، لأن الأرياف حين تُـنـار بالمعرفة تتضاءل فيها نسبة انتشار وتفشّـي العادات الاجتماعية السيئة ، وهو ما لاحظناه في أمثلتنا المشار إليها ، حيث كانت تنتشر فيها عادات الغيبة والقيل والقال والثّـأر والقتل الظالم العشوائي لأتفه الأسباب و .. و…فتحوّلت إلى خلايا علمية . وهو ما يدفعنا للقول أن حالة البداوة إنما هي حالة نسـبيّة ، وأن البداوة قد تكون بداوة ثقافية علمية بجوار كونها ظاهرة سكانية عمرانية !!!
إذن فلنستفدْ مما ذكرناه من أمثلة لتحويل قرانا من مقابر للعلماء إلى حواضر علمية ، لتحويلها من حالة البدوية العلمية السلوكية إلى حالة الحضرية المتمدنـة الفكرية الثقافية ، ولنتذكر قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام مخاطبا أباه يعقوب لما جيء به إلى مصر ، معدِّدا نِـعَـم الله تعالى عليهم :
(( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْو… )) الآية 100\سورة يوسف .
ومعلوم أنّ من مقاصد الدين نقل الناس من طور البداوة إلى طور التحضّر؛ فأنت تجد الإسلام ، مثلاً ، يُحرّم الرجوع إلى البداوة بعد التحضّر، بل يعتبر ذلك من الكبائر . وعليه فمن غير المستغرب أن يعمل سيدنا يوسف الصديق ، عليه السلام ، على انتقال أهله من البادية إلى حاضرة مصر ، وهو بذلك يُحسن إلى أهله إحسانـاً ، وأيّمـا إحسان !!!
والبداوة المقصودة ليست إلا مظهرا من مظاهر البساطة ، البدوي كريم بطبعه همام عزيز ذو مروءة لكنه في الوقت نفسه سريع الغضب بعيد عن حياة القانون والمدنية ، هكذا هي طبيعة البادية ، الجفاء وعدم الانصياع للعدل والقانون ، وعدم الالتفات للتحصيل العلمي والحياة الحضارية ، لذلك حرّم الإسلام حياة البداوة بمفهومها المعاند للعلم والحضارة ، وأبقى على مفهومهـا كمصدرٍ للمعـيـشـة والصَّـيْـد وتـربـيـة المواشي ، ولقد سمعْتُ خطيباً للجمعة مرّةً يقول في خطبته :
الأرض والحياة فيها كتاب مفتوح ، تطالعه الأبصار والبصائر ، قال تعالى : (( فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ
ٱلْمُكَذِّبِينَ )( آل عمران\137 ، إنها عاقبةٌ تشهد بها آثارُهم . وتشهد بها سِيَرُهم ، فإن ما جرى للمكذبين
بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغداً ، كي تطمئن الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة ، وكي
تحذر الانزلاق مع المكذبين والجهلة من جهة أخرى ، فقلت : ألا يعني هذا أننا مدعوون للحذر من
الارتكاس إلى مدارك البداوة ثم عصر الجاهلية سيّئ السمعة ؟!
فما أجدرنا اليوم بالعودة إلى جذورنـا ، وتحويل بوادينا إلى منارات علميّـة ، يشعُّ منهـا نـور الحضــارة
والحياة ، إنْ لم نفعل فلنترقب تحوّل حواضرنـا إلى باديـة ، ورحم الله عالم الاجتماع العربي ابن خلدون .
ملاحظة :
القرية تختلف في دلالتها عما كان يُراد بها في القديم ، فهي قديما أقرب إلى مصطلح المدينة المعاصر ، قرية اسم مفرد : جمعه قريات وقرى : – تجمع سكني في منطقة ريفية أصغر من المدينة ، بلدة صغيرة ، ولربما سماها العامة في الشام ضيعة – . قال تعالى ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) ،سورة الفرقان \ 51 ، وأم القرى هي مكة التي كانت عاصمة المدن تجاريّـاً ، وقرية النمل : هي المكان الذي يبيت فيه النمل ويتكاثر . – كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وتطلق على المدن . . • وأم القرى : مكة المكرمة قال عنها جل جلاله :{ ولتنذر أم القرى ومن حولها } سورة الشورى \ 7 ، كما أسلفنا قبل قليل . • والقريتان : هما مكة والطائف { وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } .سورة الزخرف \ 31 . واليوم يقولون عن المنتجع قرية سياحية .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

