الغائب الحاضر

فضاءات عربية
بقلم : فايز رشيد – فلسطين المحتلة (:::)
أربعة وأربعون عاماً مضت على غياب جسد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لكنه الحاضر دوماً فينا بمنجزاته الوطنية الرائدة، وبشعاراته الوطنية والقومية العربية التي تتصف بكل معاني العزة والكرامة والكبرياء . هذا القائد الذي سارت وراءه جماهير أمتنا العربية الطامحة إلى تحقيق الإنجازات الوطنية الملموسة والتقدم، ومجابهة المخططات الاستعمارية التي تستهدف منطقتنا العربية، تاريخاً ووجوداً وحضارة . أبناء أمتنا العربية ساروا وراء جمال عبدالناصر تحت شعاره: ضرورة تصفية بقايا الاستعمار من المنطقة ومن آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ” الذي يتوجب عليه أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل” . توحدت جماهيرنا العربية مع القائد في رؤيته للصراع مع الكيان الصهيوني، على أساس “ما اغتصبه هذا العدو من الأرض والحقوق العربية لا يسترد بغير القوة” .
في ذكرى رحيلك في 28 سبتمبر ،1970 ما أحوجنا إليك! في ليالي أمتنا المظلمة نفتقدك أيها البدر، الذي أعاد للأمة العربية ألقها بعد حقبات طويلة من الاستعمار القديم والحديث . لم تكن رئيساً لمصر فقط وإنما زعيماً للأمة العربية، اتسع قلبك لأحلامها من المحيط إلى الخليج . استنفرت فيها طاقاتها المخبأة والكامنة، وناضلت من أجل امتلاكها لثرواتها وزمام أمرها . كنت أيضاً عالمياً فاتسعت أحلامك لكل المناضلين والمقهورين في القارات الثلاث . في زمنك كانت القاهرة محجاً لكل المناضلين من ارنستوتشي جيفارا إلى أحفاد باتريس لومومبا وأحمد بن بلة وكل قادة الثورة الجزائرية . سطع نجمك في الدول النامية فأسست مع نهرو وتيتو وسوكارنو كتلة عدم الانحياز، التي ابتدأ تنظيمها في مؤتمر باندونغ عام 1955 واستمرت حتى اللحظة . احتضنت القضية الفلسطينية مبكراً وأنت الذي حاربت الصهاينة في الفالوجة، ونتيجة للخيانات بدأت التفكير في الثورة، وفجّرتها ورفاقك في 23 يوليو 1952 .
لا نقول مثلما يؤمن البعض “بأن القائد يولد قائداً بالسليقة” ولكن تعمّدت القيادة بك وبما امتلكته من “كاريزما” بنضالاتك على الصعيد المصري والآخر العربي والكفاح التحرري حيثما كان، وعلى الصعيد العالمي . مبكراً تآمروا عليك في مصر وحاولوا اغتيالك فيما يعرف بحادثة المنصة (وهي غير حادثة قتل السادات) لكنهم فشلوا . ولما جرى تسليم الحكم اليهم منذ عامين حاولوا الإساءة إليك بكل السبل والوسائل، لكنهم سقطوا وبقيت أنت .
جمعوا جيوشهم بعد أن قمت بتأميم قناة السويس لتصبح مصرية خالصة . حشدوا قواتهم في العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الصهيوني وأشعلوا حرب السويس على مصر في عام 1956 . لم تهتز شعرة في رأسك، وقفت مع الشعب المصري والأمة العربية وكل الشرفاء على صعيد العالم، وخاطبت العالم من على منبر الأزهر، وانهزمت “إسرائيل” ومن معها في محور العدوان . آمنت بالوحدة العربية من المحيط إلى الخليج وكانت الوحدة بين مصر وسوريا في عام ،1958 لكن المتآمرين واصلوا خططهم السوداء وكان الانفصال في عام 1961 .
مصر في عهدك لم تكن مدينة للخارج بدولار واحد سوى من بعض المبالغ المستحقة كثمن أسلحة سوفييتية سلّحت بها مصر، بعد أن قمت بكسر احتكار الغرب للسلاح، وقد امتنعت هذه الأطراف عن بيعه لمصر . فكانت صفقة الأسلحة التشيكية التي باعتها تشيكوسلوفاكيا لبلد النيل، ومن ثم انفتحت مصر على الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، فورّدت كل هذه الأطراف الأسلحة لمصر . ليس ذلك فحسب، بل قامت الدولة الاشتراكية الأولى في العالم بتمويل بناء السد العالي بعد أن امتنع الغرب بكل دوله عن التمويل، وكذلك البنك الدولي . هذا البناء العظيم الذي ما زالت مصر تجني ثماره حتى اليوم . باعتراف الخبراء فإن السد العالي أنقذ مصر عشرات المرات نتيجة للجفاف، وظلت الزراعة المصرية ومحصول مصر الأول (القطن) ترتوي بمياه السد . أقمت قاعدة تصنيعية كبيرة وصادرت الأراضي من الإقطاعيين ووزعتها على الفقراء فأصبحوا أحراراً بعد معاناة طويلة من العبودية . الطبابة والتعليم من رياض الأطفال حتى الجامعة، كلها كانت بالمجان في عهدك، هذا بالإضافة إلى دعم الدولة للسلع الرئيسية .
في عام 1967 وبعد الهزيمة التي رفضتها وتحملت مسؤوليتها بشجاعة وأعلنت الاستقالة على أثرها من منصبك، صرّح دايان وزير الحرب “الإسرائيلي” آنذاك تصريحاً شهيراً (وأورد ذلك في مذكراته) بأنه (الآن) ينتظر مكالمة هاتفية منك تعلن استسلام مصر واستسلامك! رددت عليه بالجملة الشهيرة “خسارة معركة لا تعني الهزيمة في الحرب”، وأجبته بلاءات مؤتمر قمة الخرطوم في عام 1968: “لا مفاوضات، لا صلح، لا اعتراف” . انتفضت الجماهير العربية بعد إعلانك الاستقالة وامتلأت شوارع مصر والبلدان العربية بلا استثناء، الكل يطالبك بالعدول عن الاستقالة . استجبت لها . ورُدت الروح إلى الجماهير العربية التي أصرّت على النضال وهزيمة “إسرائيل” . انطلقت المقاومة الفلسطينية للرد على الهزيمة . ابتدأت مصر حرب الاستنزاف، التي خسرت فيها “إسرائيل” كثيراً، وكانت البروفة لحرب عام 1973 التي أرادها السادات حرباً تحريكية لا تحريرية .
السادات بعد وفاتك امتثل لنصائح العزيز هنري (كيسينجر) وآمن أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا، لم يؤمن مثلك بقدرات الجماهير ولا بقدرة الجيش المصري أو الجيوش العربية على صنع المعجزات، وارتد عن الحلفاء السوفييت، وقام بطرد الخبراء وتنكر لكل ما فعلته تلك الدول . وكانت اتفاقية كامب ديفيد التي كبلت مصر وأخرجتها من إطارها العربي، وتحولت إلى تابع للولايات المتحدة .
بعد وفاتك حاولوا الإساءة إليك وإثبات بعض التهم عليك، فلم يجدوا في حسابك البنكي سوى بضع مئات من الجنيهات .
عبد الناصر: كنت رئيساً وزعيماً كبيراً بحجم أمتك العربية وامتداد الخارطة العربية، ولهذا عشقتك أمتك . كنت محكوماً بإيديولوجيا الجماهير وحسها العفوي . لم تكن تابعاً لأحد ولم تكن محكوماً بإيديولوجيا حزب . زاوجت بين الإيمان النظري والمسلكية الشخصية، فلم يسجلوا عليك ولا على أحد من أقربائك أنه (أو أنك) استفاد أو استفدت من وجودك في السلطة، لا مالياً ولا منصبياً ولا نفوذاً . وُلدت بسيطاً وعشت بسيطاً ومت بسيطاً . كنت قريباً من الجماهير ومتحدثاً رسمياً باسمها .
في ذكرى رحيلك . . آن للذين ناصبوك العداء منذ الثورة خاصة أيام حكمهم الأسود لمصر، وهم يعتبرونك العدو رقم واحد لحركتهم ولتنظيمهم العالمي، وما زالوا، وآن لغيرهم من الحاقدين أن يكفوا عن حقدهم الأسود عليك، وسوء ظنونهم بك، ومحاولتهم المستمرة لاغتيال شخصيتك وتاريخك .
عبدالناصر: سلام عليك أيها الغائب الحاضر .

د . فايز رشيد

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة