أين ثقافة مقاومة الصهيونية؟ تاريخ فلسطين في خطر.. والمشكلة في مثقفي البلاط

دراسات (:::)
فؤاد الحاج  (:::)
بين فترة وأخرى يصدر هنا أو هناك كتاب بحثي.. أو وثيقة دامغة كما يقولون تثبت أن ما يسمى “اسرائيل” ليست في فلسطين، وأن هناك “حقائق” تثبت من خلال أقوال “أنبياء ….” و”شعراء ….” و”التوراة ….” وما إلى هنالك من كلام.
وكي لا أطيل بما قيل ويقال أود أن أثبت بعض النقاط لمن يهمهم الأمر ومنهم الكتّاب والمثقفون العرب بشكل عام مع التقدير للجميع.
أولاً: أننا لسنا بحاجة إلى أن نعتمد على مراجع ومصادر غير عربية مهما كان شأنها لأنها لا قيمة لها طالما أن المراجع والمصادر العربية التاريخية موثقة ومثبتة حتى باعتراف جامعات ومعاهد ومتاحف غير عربية.
ثانياً: أن معظم كتّاب ومثقفي الأمة العربية مع التقدير لهم لا يقرأون إلا ما في رؤوسهم فقط، بمعنى أنهم لا يقرأون لغيرهم إلا ما ندر منهم وهذه مصيبة كبيرة، وهي ليست بجديدة عند العرب، مع أن ذلك خطأ مهلك وهذا الخطأ الواقعي الكبير يعرفه أعداء العرب والعروبة قبل غيرهم وهم مطمئنون لذلك. من هنا أذكّر بما قاله “ديان” بعد نكسة الخامس من حزيران في إحدى لقاءاته الإعلامية من “أن العرب لا يقرأون وأن “اسرائيل” وجدت بالخطأ في فلسطين وستستمر وتبقى كما بدأت”. وأن ما يسمى بمراكز بحوث ودراسات في الوطن العربي الكبير ودون استثناء لم تنشر أو تبحث أو تقدّم دراسات تاريخية علمية مصنفة وموثقة عن تاريخ فلسطين سوى بعض الكتب النادرة وبعض الكتابات والبحوث القليلة التي لم يطلع عليها من يسمون أنفسهم ساسة ومثقفين، لأن معظم ما صدر من كتب وبحوث مع الأسف لا يمكن أن نطلق عليها بحثاً أو دراسة لأنها لا توثق ما يرد فيها من مصادر ومراجع أو حتى إثباتات مادية.
ثالثاً: هناك موسوعات وكتب قيمة ودراسات وبحوث عربية المصدر تعود لمئات السنين للرحالة والمستكشفين والباحثين العرب القدماء منهم والمحدثين وما أكثرهم، أذكر منهم ابن بطوطة وابن جبير وأبو محمد المازني والبيروني وابن خلدون والاصطخري وأمين الريحاني والدكتور جواد علي والدكتور فيليب حتي والدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور محمود عبد الحميد احمد والدكتور عبد الوهاب الكيالي، أهمم في العصر الحديث برأيي الدكتور احمد سوسة الذي يعدُّ أحد أقدم المهندسين العراقيين الذين تخرَّجُوا في الجامعات الغربية، والذي أصدر عدة كتب تاريخية موثقة أهمها كتاب “مفصل العرب واليهود في التاريخ”، والذي أراد من ورائه تعريف القارئ بحقيقة تاريخ فلسطين القديم قبل ظهور النبي موسى عليه السلام، وكتاب “حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور”، وكتاب “تاريخ جزيرة العرب”، وكتاب “تاريخ يهود العراق”، مع الأسف أقول أن الكتّاب والمثقفين العرب لم يطالع أياً منهم كما أعتقد كتب أولئك العلماء ولم يشاهدوا الخرائط التي رسمها ابن جبير والبيروني والإدريسي والاصطخري وابن خلدون وابن حوقل، وكتاب “تاريخ فلسطين الحديث” للدكتور عبد الوهاب الكيالي وغيرهم، كما لم يطلع معظم الكتَاب العرب على ما كتبه أولئك المؤرخين والرحالة عن تاريخ البلاد التي زاروها ومدنها وكل ما يتعلق بها، حيث ذكر كل هؤلاء تاريخ البلاد العربية منذ آلاف السنين ومن ضمنها فلسطين وبلداتها وقراها وسكانها التي تثبت عروبة فلسطين وشعبها، وتاريخ اليمن والعراق ومصر وسورية ولبنان وباقي البلاد العربية دون استثناء، وهذه تعتبر وثائق تاريخية تدين الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
أما ما صدر من كتب لعدد من الكتّاب منذ بدايات ثمانينات القرن الماضي لا أريد أن أذكر أسماءهم في هذه العجالة وهم كثر، فأن كلها مع الأسف لغير صالح فلسطين ولغير صالح العرب وتاريخهم.
ويمكن التأكيد هنا أن بعض ما ينشر في صحف عربية، من وثائق ودراسات تاريخية يتعب كاتبها في تحليلها وسهر الليالي في البحث والكتابة من أجل توثيقها، وهي جديرة بالاهتمام والإطلاع على مضمونها، إلا أن معظم القراء لا يطالعونها لأنهم يريدون المقال السندويتش السريع، والقصير، والبعض منهم يسميها “كلام جرايد”، مع أن  تلك الصحف يقال أنها مستقلة وأنها تؤمن بحرية الرأي والنشر، إن في البلدان العربية من المحيط إلى الخليج أو في معظم وسائل الإعلام التي تصدر خارج الوطن العربي، إنما تنشر تلك الكتابات والدراسات مجاناً لأغلبية الكتّاب أو مدفوعة الأجر للبعض، والكاتب في كلا الحالين يأمل أن تنتشر أفكاره على الرغم من معرفته بسياسة التبعية المادية للصحيفة، لأنها إما تابعة لأنظمة محددة بطريقة أو بأخرى، أو لتلك الجهة الممولة لتلك الصحيفة تحت مسمى (الإعلان) و(الاشتراكات) السنوية، وكلها لا تريد أن تخسر رضى الحكام والجهات الممولة. ورغم ذلك أقول أن ما ينشر ربما فيه فائدة لصالح تاريخ فلسطين وتاريخ اليمن أو لبنان والعراق والسودان وباقي البلدان العربية، والفائدة تكمن في جملة أو تاريخ أو تذكير بمصدر يستعين بها باقي الكتّاب والمؤرخين والصحافيين، مما يفتح المجال لحوارات فكرية ثقافية تنهض بالوعي العربي الحضاري.
ومع التقدير للجميع وكي لا أطيل، أنصح كل المهتمين أن يعيدوا قراءة الكتب العربية التاريخية التي ذكرت بعض أسماء مؤلفيها أعلاه منذ بداية عصر الفتوحات الإسلامية وصولاً إلى أهم كتابين برأيي ألا وهما كتاب الدكتور احمد سوسة “مفصل العرب واليهود في التاريخ”، وكتاب “حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور”، وبذلك ننسف كل ما كتبه المستشرقون وما يريدون أن يثبتوه خطأ رغماً عن وقائع التاريخ الثابتة، وأدعو الكتّاب والمثقفين الشرفاء والأحرار من أبناء الأمة العربية أن يعيدوا البحث والكتابة عن تلك الكتب واعتمادها مرجعاً وثائقياً لا يمكن نكرانه ونفيه لأنها وثائق دامغة لتاريخ العرب وتاريخ فلسطين وكل البلدان العربية، وبذلك نعيد العرب إلى جذورهم وعلومهم ليكتشفوا أنفسهم وتاريخهم وأنسابهم وأنهم أمة العلم والمعرفة، وأنه مهما تطاول المستشرقون ومهما حاول الغزاة والمحتلون لن يتمكنوا من تبديل الوقائع التاريخية والإثباتات المادية لحق العرب في أرضهم إن في فلسطين أو في العراق أو في أي جزء من بلاد العرب من المحيط إلى الخليج. والله من وراء القصد.