فن وثقافة (:::)
د. محمد الحريري (:::)
تُسمى مصر عند أهلها ” أم الدنيا ” ، وورد في الأثــر الشريف عنها ، ” مصر كنانة الله في أرضـه ” ….
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا الأثـر : هذا مأثور لكن ما أعرف إسناده . ( أحاديث القصاص|87) .
ويقول بدر الدين الزركشي رحمه الله ، في التذكرة( 191) : لم أجدْهُ .
وقال السخاوي رحمه الله في المقاصد الحسنة (609) : لم أره بهذا اللفظ ، وأنكره السيوطي في الدرر\17 وقال الكرمي مثله .
وعدّه الألباني من المعاصرين في الضعيفة ( رقم 888 ) .
والكنانة ( من الجذر الثلاثي : ك ن ن ) هي الجعبة الصغيرة من الجلد لحفظ النبل والسهام ، فكأن هذا الأثر يشبِّه مصرَ بكنانة السهام التي يصيب الله تعالى بها الطغاة والظالمين والمتجبرين ، فيرميهم بأهلها الذين هم جند الله ، ولذلك جاء في بعض الكتب تكملة الأثر السابق بقولهم : ( ما طلبها عدو إلا أهلكه الله تعالى ) .
وأضيف هنا الكنان والكنانة بمعنى الغطاء الساتر ، وكِـنـان : ( اسم علم يطلق على الذكور عند العرب ) .
الجمع : أكِنَّةٌ ، والكنانُ : الغِطاء .
الكنانُ : كلُّ شيء يقي شيئًا يستره { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ } سورة الانعام \ 25 : أي جعلنا على قلوبهم أغطية ؛ لئلاّ يفهموا القرآنَ { وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } سورة فصِّلت \ 5 .
وقد ورد نحو هذا الأثر في بلاد الشام أيضاً :
يقول الملا علي القاري ( الآسرار المرفوعة في الحاديث الموضوعة \319 ) :
وقد ورد لفظ الكنانة في الشام ، أخرجه ابن عساكر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال : قرأت فيما أُنـزل الله على بعض الأنبيـــاء أنَّ الله يقـول : ” الشام كنانتي ، فإذا غضبْتُ على قومٍ رميتُهم منها بسهم ” . وقال القاري معلِّقا : الحديث مبناه موضوع ، وإن كان صحيحاً عندنا في معناه .
وورد أيضا الحديث المشهور في اليمن والشام معا : ” بارك الله في شآمنا ويمننا ” ، والمراد به ما على يمين البيت الحرام وما على شماله ،
وقد صح في فضائل مصر حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا )
قَالَ : فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا .
رواه مسلم في الصحيح ) برقم/2543)
قال النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم ( 16 \ 97 ) : و
. بل ولا يزالون .” قال العلماء : القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما ، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به
وأما الذمة : فهي الحرمة والحق والعهد ، وهي هنا بمعنى الذمام
وأما الرحم : فلكون سيدتنا هاجر أم إسماعيل من مصــر ،
وأما الصهر : فلكون السيدة مارية القبطية ، أم إبراهيم منهم ، ( ونقصد إبراهيم بن سيدنا محمد عليهما السلام ، وقد مات رضيعا ) .
وقال المناوي رحمه الله في شرح الحديث السالف ( فيض القدير 1 \523 – 524 ) :
أي : اطلبوا الوصية من أنفسكم بإتيان أهلها خيراً ، أو معناه : اقبلوا وصيتي فيهم ، يقال أوصيته فاستوصى أي قبل الوصية ، يعني : إذا استوليتم عليهم ، وتمكنتم منهم ، فأحسنوا إليهم ، وقابلوهم بالعفو عما تنكرون ، ولا يحمِلَـنَّـكم سوءُ أفعالهم وقبح أقوالهم على الإساءة إليهم ، فالخطاب للولاة من الأمراء والقضاة الذين يباشرون وظائفهم بمصر .
ونقول : ( فإن لهم ذمة ) ذماماً وعهدا وأماناً من جهة إبراهيم بن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فإن أمه مارية منهم ، وهم أخواله ، والعرب تقول : ابن بنت القوم منهم ..
و( رَحِـمـاً ) بفتح فكسر : قرابة ، لأن السيدة هاجر أم إسماعيل منهم ، عليها وعليه السلام .
وقد جاء في كتاب (مصر في القرآن الكريم) أن مصر تعني البلد المتمدّن والمتحضر عموما ، قال :
جاءت كلمة ( مصر ) في القرآن الكريم في خمسة مواضع هي
” وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتا ” \ يونس87 ”
و ” وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ..” \ يوسف21 ”
و” وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ “\ يوسف99 .
و” وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ..” \ 51 الزخرف .
وفي قوله تعالي في قصة موسـى عليه السلام قال : ” اهْبِطُوا مِصْرًا..” \ سورة البقرة 61 .
وواضح أن كلمة ” مصر” قد وردت في سياق قصتي يوسف وموسى إلا أن الأمر الذي يستدعي إيضاحا هو قوله تعالي علي لسان موسي لقومه . ” اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ..” الآية 61 من سورة البقرة . ( وردت ” مصراً” منونة واسم العلم لا ينوَّن ، بل التنوين للنكرة ) !
فكلمة ” مصر” هنا لا تدل علي مصر الوطن وإنما تعني المدينة المتحضرة أي مدينة متحضرة في أي مكان . ودليلنا أن كلمة ” مصر” في الآية جاءت مفعولاً به منصوباً وهي منونة ” مصرا ” أي ليست ممنوعة من الصرف كما أوردا آنفاً ، وفي موضع آخر يقول تعالى علي لسان يوسف ” وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ …” الآية99 من سورة يوسف ، فجاءت الكلمة هنا ” مصر ” تدل على الوطن المعروف والمسمى حاليا بجمهورية مصر العربية ، وهي مفعول به أيضا ومنصوب ولكن بدون تنوين لأنها ممنوعة من الصرف حيث تدل علي( مصر) الوطن المشهور .
وهذه التفرقة اللغوية الدقيقة بين كلمة ” مصر” في الآيتين توضح لنا أن كلمة “مصر” لها معنيان :
الأول معني الوطن الذي يعيش فيه المصريون ،
وهذا هو المعني الذي ورد في القرآن الكريم ، ممنوعا من الصرف أي بدون تنوين ، وذلك في أربعة مواضع .
الثاني معني المدينة المتحضرة ، والتاريخ يشهد بحضارة مصر وعراقتها من أقدم العصور .
وفي القاموس في معاني كلمة مصر : ” مصَّـرُوا المكانَ تَمْصيراً جعلوه مصرا فتمصر ” ومصر أي المدينة التي تتميز عما حولها من بوادي. ونفهم ذلك من قولهم عن عمر بن الخطاب أنه الذي ” مصر الأمصار ” أي ” أنشأ الأمصار” أو أنه بعث العمال أو الولاة علي “الأمصار” أي الولايات . وقد أطلقوا علي الكوفة والبصرة لقب “المصران” مثني ” مصر” . وقد بدأ التمدن في العالم ببناء المدن في مصر لذا نحتت اللغة العربية كلمة مصر” لتدل بها علي قيام الدولة أو المدينة المتحضرة التي تحيط بها البوادي .
وفي قصة يوسف قوله لإخوته وهو في سلطانه في مصر ” وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ….” سورة يوسف 100\ ، إذ كان ما شرق مصر في ذلك الوقت رعويا بدويا ، فمتنّ عليهم بإخراجهم من البدو إلى مصر المتمدنـة .
و موسـى عليه السلام حين قال لقومه : “اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ” البقرة\61 ، تفيد أي مدينة ذات حضارة وحياة مدنية ( غير بدوية ) ولا تدل على جمهورية مصر على وجه الخصوص . وختاما أقدم إلى مصر هذه الأبيات هديّة مني عربون محبة ووفــاء :
مصر التي في خاطري ملءُ فمـي = = = وأريـجُ أفكاري ، ولـمـع ُ الأنْـجُــمِ
مصر الكنانةُ والحضارة تزدهــي = = = في كلِّ شـبرٍ مِنْ ثـراك ،ومَـعْلَـــــمِ
أنا إنْ هذيْتُ بحبِّـهــــا لي حـجّــةٌ = = = فالنيلُ والتاريـخُ يسـري في دَمـي
خـوفو ، أبو الهولِ العتيدُ وسنبلٌ = = = والكرنك ُ الزاهي نقوشُ لمعصَمي
ولقد نهلتُ من الميــاهِ زلالهـــــا = = = لم تـرْتـوِ إلا بـنـيـلـكِ أعْـظـمـــــي
وعـلـلْـتُ بعد النهل ماء ســلافةٍ = = = لكنَّ تحنــاني لِـنَـهْـــرٍ مُـلْـهـمــي
أكرِمْ به من نهـر خـيـرٍ ، ذِكْـــرُهُ = = = قد جاء يُتْـلى في الكتاب المحكـم
يا مصـرُ يا بلداً كنانة أرضِـهـــا = = = أصهار ُ بيت محمّدٍ مع “بـرهـــم ”
أوصى الحبيبُ بأهلهــا خيراً وما= = = فَـرَكَ الكنانــةَ غيرُ بـاغٍ أســـخَـمِ
هي أمُّ ما في الكونِ من علمٍ، لها = = = في الخافـقَـيْـن تلألــؤَ المحـتَكِــمِ
ونسـاءُ مِصْـرَ فُـقْـنَ علماً وارفـاً = = = والأزهـر المعطـاء فخرُ المسـلِم
هُـنَّ امـتـدادٌ في عـلوم نفـيـســةٍ = = = شهدتْ بذلك ( زينباتُ مُقَطَّـــم ِ)





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

