شهيد المليون شجرة زيتون

التصنيف : فلسطين (:::)
طلال قديح  * (:::)
مناضل جريء شجاع ، تصدى لقوات الاحتلال في كل الأحوال ، لم يتخلف أبداً عن ساحات النضال..وقف في وجه سياسة الاستيطان التي استباحت الأرض وبدأت باقتلاع أشجار الزيتون بل وحرقها انطلاقا من عداوة لهذه الشجرة المباركة رمز السلام والأمان. لكن أعداء السلام حاقدون كما هم في كل زمان لا يتغيرون ولا يتبدلون!
حباً للسلام ، قاد الشهيد حملة واسعة لغرس مليون شجرة زيتون في أرض السلام..انطلق نحو هدفه بخطى ثابتة لا يحيد عنه وإرادة صلبة قوية مستمدة من صلابة جبال فلسطين في الكرمل والخليل.
تقدم الصفوف وبدأ موسم الغراس بغرس الزيتون، وانطلق معه الآلاف من أبناء هذه الأرض المباركة، ليجسدوا صدق الانتماء لأرض الرسل والأنبياء، ووطن البطولة والفداء.
لكن الغزاة الأعداء ،هالهم أن يروا هذا الشعب صاحب الأرض يزداد تمسكا بها، وتعلقا بتراثها، وبكل ما يمثله الزيتون من موروث تناقلوه عن الأجداد والآباء.
إنها شجرة مباركة ، أقسم بها الخالق سبحانه وتعالى بقوله : “والتين والزيتون” وهذا وحده يصبغ عليها هالة من الحب والقداسة.
تأصلت هذه الشجرة في حياة أهل الشام ، فكانت ومازالت جزءا لا يتجزء من حياتهم فهي الظل والغذاء والدواء وزيتها فيه من الأمراض شفاء..وهو دلالة على الصفاء والنقاء: ”  زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار”.
رافقت الزيتونة الأجيال على مر التاريخ ,وأصبحت علماً ورمزاً لفلسطين ولكل أهل الشام بها يعتزون ويتفاخرون وبخشبها يوقدون ويستدفئون وبزيتها يسرجون ويضيئون، وفي ظلها يتحلقون ويتسامرون. ومن هنا كان حبهم لها فريداً ترتبط به ذكريات وذكريات.
إن الشهيد زياد أبو عين الذي تأصل فيه حبه لفلسطين أرض الزيتون، أبى إلا أن يكون كما عهدناه في مقدمة الصفوف يتصدى للمستوطنين ومخططاتهم الجهنمية التي طالت الشجر والبشر والحجر، حرقا وقتلا وتدميرا.
عانى وقاسى كثيراً وناضل ..أسر وسجن وذاق كل ألوان القهر والتعذيب، لكن ذلك كله لم يثنه عن مواصلة مشواره النضالي الطويل الذي توج بالشهادة.

كان وزيراً مسؤولاً عن مناهضة سياسة الجدار والاستيطان،  اعتبر المنصب مسؤولية وأمانة ولا بد أن يضطلع بها على أكمل وجه ، فيتقدم الصفوف في انتفاضة شعبية سلمية عارمة تنتظم كل الفلسطينيين وتؤكد للعالم أن الأرض أرضنا والماء ماؤنا،والتين والزيتون والرمان والبرتقال أشجارنا.
لكن لم ترق للغاصب المحتل هذه الهبة الشعبية، فقابلها كعادته بالرصاص، ولم يفرق فيها بين صغير أو كبير وبين رجل أو امرأة، فالكل أعداء مستهدفون..وأمام وسائل الإعلام المرئية ارتكب الجيش الإسرائيلي جريمته النكراء، وبهذا عرى نفسه ليراه العالم على حقيقته وليفضح أمره الذي طالما انخدع به العالم.
حتى حلفاؤه أمام هذه الجريمة النكراء، لم يجدوا بداً من إدانتها والتنديد بها..لقد أحرجهم الصديق الحليف الذي تعود أن يجد من حلفائه في الغرب التبرير والتسويغ. فالجريمة موثقة بالصوت والصورة، ولا مجال لإنكارها أو التنصل منها، كما كان يحدث مرارا وتكرارا فيما سبق.
لا شك أن ما حدث سيزيد الفلسطينيين تمسكا بنهج المقاومة وعدم التفريط بالحقوق الثابتة.. وما الجنازة التي أقيمت للشهيد زياد أبو عين، والتي استقطبت فلسطين قيادة وشعبا ، وما كلمات التأبين التي ألقيت، وما هذا الموكب المهيب للجنازة إلا دليل على تقدير الشعب لنضال وعطاء الشهيد.. سيبقى اسم زياد أبو عين علما في سجل الشهداء الخالدين الذي سبقوه إلى جنة النعيم إن شاء الله تعالى.
رحم الله الشهيد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا.. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
*كاتب ومفكر عربي