التصنيف: دراسات (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
مقارنة بين الهبوط السياسي العربي وكرامة الهنود الحمر
فرق كبير بين الدبلوماسية المتحضرة القائمة على أخلاقيات التعامل وفق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتشاركية في الداخل مع الحفاظ على روح التعاون والسلام “العادل” ونبذ المحتل في العلاقة البينية داخل الإقليم وفي المجتمع الدولي، بعيداً عن الأنظمة العنصرية التي تمنهج القتل أو مزاجية السياسيين وتقلبات مواقفهم، وفق مصالحهم الشخصية، التي غالباً ما تتقدم المصالح الوطنية العليا المستظلة بالدساتير المعتمدة.
عظماء السياسة عبر التاريخ بنوا أمجادهم من خلال مشاريع تنموية عملاقة ابتدأت بحماية حقوق المواطن وراعت في خطوات تنفيذها عدم التقاطع مع مصالح الشعب؛ حتى تكتسب تلك المشاريع تأييداً منقطع النظير حتى في أوج الأزمات المحتملة؛ لذلك كانت خيارات بعض الرؤساء المتميزين تتخذ جانب الشعب في قراراتهم السياسية من منطلقات إصلاحية تراعي من خلال العمل الدءوب، مصالح البلاد العليا دون أية تجاوزات، لذلك لا تدرج أسماؤهم في ملفات الفساد العصية على الحل. بمعنى أن هناك مظاهر ومحددات يمكن من خلالها الحكم على طبيعة الرئيس فيما لو كان زعيماً جماهيرياً مبدعاً صاحب مشروع نهضوي يحتذي به ويفتح آفاقاً مستقبلية للأجيال اللاحقة، أم لا. كتجربة (خوسيه موخيكا) الرئيس الأوروغواي الذي انتخب رئيساً للبلاد عام 2010 فيما يعتبر الأفقر بين رؤساء العالم؛ إذْ سنتطرق إليه في سياق المقارنة به مع النمط المقابل من الزعماء المراوغين المتمسكين بدون وجه حق بكراسيهم الرئاسية، كأنهم القدر المحتوم على شعوبهم المغبونة؛ حتى لو جاء ذلك على حساب حقوقهم ومصالحهم. زعماء يعبدون السلطة ويأنفون الديمقراطية.. لا يتمتع الواحد منهم بالمرونة والبراغماتية اللازمة لانتهاج العدالة من أجل التنمية وفق رؤيا أخلاقية.. فلا يستخدم جبروته قبل أن يفكر.. أو يركل قبل أن يفاوض. ولكن يا أسفاه.. فأمثال هؤلاء القادة يكذبون كثيراً حتى يصدقهم الناس وفق نفعية الفكر الميكافللي الذي تبرر الغاية فيه الوسيلة.. لا يؤمن الواحد منهم بالتشاركية والتعددية.. كأنه إله يعثته الأساطير القديمة كي يجمل الدكتاتورية بمنجزات واهية خادعة.. فيما لا يؤمن جاره بوائقه فيلقي يتبعات أزماته التي تسبب بها إلى حديقة الجيران.. كدأب ما يجري في وطننا العربي وخاصة في جوار غزة هاشم التي تحولت إلى كرة في يد الصديق قبل العدو.. رغم أنها خذلت مكائدهم حينما أثقلت بالكرامة فأظهرت عجز اللاعبين وضعفهم؛ لذلك تحولت إلى حديقة خلفية لهذا النموذج من القادة الذين يفكرون سياسياً بطريقة عسكرية لا ترى أمامها إلا متآمراً وجب عليهم إبادته. كدأب ملحقات السياسة الأمريكية الصهيونية وملحقاتها العربية في منطقتنا كسياسة الرئيس المصري والسلطة الفلسطينية والخليجية القمعية النفعية المتحالفة فيما بينها تحت الرعاية الأمريكية ضد الإرهاب ما قادها للتحالف غير المباشر ضد مشروع المقاومة العربية مع الكيان الإسرائيلي المغتصب، وتغلب على سياسات هؤلاء القادة صفة التجبر بالعباد والكذب المكشوف أمام عالم لا تنطلي عليه الأكاذيب لامتلاكه حرية الخيار في فضاء مفتوح تسيطر عليه التكنولوجيا بدون قيود. إنهم ذات القادة الذين يتعاملون مع القضايا المحلية كالبنائين إذ لا يعتمدون على مخططات تراعي قوانين البناء؛ فيعمدون بكل سهولة للتعامل مع الشأن الأمني باستخدام البلدوزر الذي سيأخذ في طريقه الأخضر واليابس؛ لإلقاء النفايات والركام ، على حديقة الجيران المتمثلة في هذا السياق بقطاع غزة المحاصر؛ حينما ترك الشعب الفلسطيني المغبون أثناء حرب (الجرف الصامد) عرضة للقتل والدمار على يد الصهاينة دون تحريك ساكن من قبل القادة العرب، وعلى رأسهم مصر بقيادة السيسي، بل تركوا في مهب الريح الصهيونية التي أجج عنفوانها رئيس الكيان الإسرائيلي (نتنياهو) الذي اعترف بأنه خاض حربه بمؤازرة عربية مفتوحة لذلك؛ حينما حشرته المقاومة الفلسطينية في الزاوية بعدما قصفت مدنه بالصواريخ المحلية الصنع؛ ضغط قادة هذا الكيان على الدول العربية الحليفة لطرح مشروع الهدنة بين طرفي القتال، الذي لم يلب الشروط الأساسية للشعب الفلسطيني في غزة، ورغم قبول المقاومة لشروطه؛ تجمدت خطوات تنفيذه وتحول هذا الاتفاق إلى مصيدة لاجتثاث المقاومة من جذورها خلال عملية الإعمار المشروطة برقابة دولية صارمة لحجب آلياتها عن ترميم البنية التحتية للمقاومة، بتآمر مفضوح من قبل قادة لا يؤمنون بالعدالة وتنقصهم الشجاعة الأخلاقية بتقديم مصالح شعوبهم عن مآربهم الشخصية، من هنا قفز عباس عن دوره كزعيم لشعب محتل وصار يتصرف كوسيط يغض الطرف عن جرائم خصمه الصهيوني في غزة ما جعله لا يحرك ساكناً باتجاه محكمة الجنايات الدولية في لاهاي التي تشترط على المشتكي التوقيع على اتفاقية روما!! وهو ما لم يفعله عباس الذي ذهب إلى أبعد من ذلك حينما وعد (نتنياهو) بالحفاظ على أمن الكيان الإسرائيلي وكبح أي تحريض عليه في منطقة السلطة الفلسطينية بما فيها غزة على أثر الاعتداء الإسرائيلي الممنهج على القدس الشريف. وبالتحديد محاولة تقاسم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مكانياً وزمنياً مع قطعان المستوطنين الهمجيين. ليفاجأ القادة الصهاينة المتغطرسين حينما وضعهم صمود أهل المدينة الصابرة على الضيم في الزاوية؛ بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتصرف معهم كأنه الدب الأبله الذي حمل حجراً لإلقائه على وجه صديقه حينما هدت على أرنبة أنفه “ذبابة” طائشة فانتبه الأخير وآثر الصمت؛ لقد أربكه اندفاع عدو الأمس ليتصرف كأنه تيار صهيوني في أقصى اليمين ببلاده.
من هذا المنطلق يمك فهم آخر تصريحات السيسي، في حوار أجرته معه، صحيفة (كورييري ديلا سيرا) إحدى كبرى الصحف الإيطالية، ونشرته الأحد الماضي، وذلك أثناء زيارته الرسمية إلى إيطاليا.
وبشأن التصعيد الإسرائيلي الأخير في مدينة القدس، شدد السيسي على “ضرورة تجنب الدخول في حرب دينية”، مبيناً أن العنصر المطلوب العمل عليه بهذا الشأن غير متوفر معظم الأوقات.متناسياً بأن ملامح الحرب الطائفية تجلت بيهودية الدولة التي أقرهُ الكنيست الإسرائيلي والذي اعتبره تجمع العلماء المسلمين في لبنان خلال بيان نشرته مؤخراً وكالات الأنباء العالمية، بمثابة “احتلال ثان”، على اعتبار أن الكيان الصهيوني يسعى ضمن إستراتيجيته من وراء هذا القرار إلى تخيير الشعب الفلسطيني في أراضي الـ 48 إما باعتناق الدين اليهودي( وهو مستحيل) أو مغادرة أرضه باعتبار أن هذه الأرض كما في القانون هي لدولة قومية تخص “الشعب اليهودي”.
وأضاف السيسي في سياق حديثه بأن هناك حاجة لضمانات (عربية) لأمن إسرائيل وحاجة في الوقت ذاته لمنح الفلسطينيين أملا بإقامة الدولة الفلسطينية، مشدداً على ضرورة تعزيز الثقة بين الطرفين من أجل إقامة الدولة الفلسطينية. وهذا ينم عن جهل بمبادئ السياسة الموضوعية المتوازنة بمساواته بين القاتل والضحية والسقوط بالتالي في خندق الجاني والتحدث باسمه لغايات شخصية، على اعتبار أن القاتل تحول إلى صديق على حساب المقاومة التي دمغت بصفة الإرهاب وفق القوانين المصرية التي أصيبت بالعمى جراء التعامل مع المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس كفصيل ينتمي لجماعة الأخوان المسلمين المحظورة في مصر السيسي.
وفي هذا الإطار دعا السيسي الإسرائيليين إلى “عدم المخاطرة بأمنهم”، كما دعا الفلسطينيين، في هذه المرحلة إلى “عدم القيام بأي تحركات ضارة ومتهورة”، بحسب تعبيره.
ويمكن اعتبار مطلع حديث السيسي للصحافة الإيطالية للاستهلاك السياسي لولا تصريحه الذي اختتم به اللقاء ما أدهش العدو قبل الصديق حيث لفت إلى أن بلاده جاهزة للمساعدة في هذا الإطار، وقال: “نحن مستعدون لإرسال قوات عسكرية داخل دولة فلسطينية. ستساعد الشرطة المحلية وتطمئن الإسرائيليين في دورها كضامن”.
ويفهم من سياق حديثه أن دولة فلسطين المستهدفة تضم إضافة للضفة الغربية؛ قطاع غزة الذي يخضع لسيطرة حركة حماس المدرجة مصرياً في قائمة المنظمات الإرهابية لتدخل في صميم استراتيجيه مقاومة الجماعات الأصولية في سيناء ورفح، ومن هنا لا بد من طرح جملة من الأسئلة الحساسة في هذا الشأن:
فهل من الممكن اعتبار هذا المقترح استنساخاً للتدخل السوري في إطار قوات الردع العربية التي أنهت الحرب الأهلية في لبنان في بداية الربع الثالث من القرن المنصرم بمباركة جامعة الدول العربية! رغم أن الكيان الإسرائيلي يمثل الجانب المحتل في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي! ما يعني أن الرؤية المصرية أحدثت انقلابا في هذه المعادلة معتبرة الإسرائيليين وكأنهم من أهل الدار ؛ ما يسقط مفهوم حرب التحرير في إطار تلك الرؤية باعتبارها حرباً أهلية يمكن إنهاءها عبر تدخل الأشقاء لفضها! وهذا قمة السخف والاستهتار السياسي بالمشروع الوطني الفلسطيني التحرري لنظرة سياسية ضيقة الأفق.
وإلا ففي أي سياق يدرج العرض المصري على لسان السيسي نفسه المتعلق بتوكيل الجيش المصري مهمة حفظ الأمن في منطقة السلطة الوطنية الفلسطينية!؟ وخاصة قطاع غزة الخاضع لحركة حماس التي يعتبرها المصريون البعد الاستراتيجي للجماعات الإسلامية المتطرفة في سيناء رغم إنكار الأخيرة المدجج بالبراهين لهذه الاتهامات!
أليس هو استكمالاً لمهمة تطهير رفح المصرية من “جذور الإرهاب”ما يعني تدخل الجيش المصري في قطاع غزة!؟ والدخول في صراع مسلح مع الفلسطينيين الذين سيرفضون مثل هذه المشاريع المشبوهة!! الرهانات مفتوحة على كل الاحتمالات!.
من هنا نعود بالمقال إلى بدايته حينما تحدثنا عن النمط المتوازن في السياسة القائمة على العدالة في السياسة المحلية والبينية من منطلقات أخلاقية وقد تطرقنا بالإشارة إلى تجربة (خوسيه موخيكا) الرئيس الأوروغواي الذي انتخب رئيساً للبلاد عام 2010 وقلنا بأنه يعتبر الأفقر بين رؤساء العالم. فهو زعيم لدولة نامية كشأن دولنا العربية.
(موخيكا) يستحق تخليد سيرته وطبيعة تفكيره ونمط حياته كرئيس منتخب وهب حياته وأمواله القليلة لمؤسسات شعبه الخيرية. واجب الأمم المتحدة والمنظمة الدولية لمكافحة الفقر في العالم، ان تخلد مسيرة هذا الرئيس الوحيد في العالم اجمع، الذي يقف مع الفقراء فعلا وليس قولا. فهو ليس رئيسا لشعب الاورغواي إنما هو نصير وزعيم وقائد وممثل لكافة فقراء العالم. هذا الرجل تصرف مع الفلسطينيين في حرب الجرف الصامد التي شنها الكيان الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة كعربي شريف؛ فحرض دول أمريكا اللاتينية ضد الكيان الإسرائيلي خلافاً للموقف العربي المراوغ.. ووطد علاقته الدبلوماسية مع الفلسطينيين عكس ما قامت به بعض الدول العربية! هذا الزعيم الذي حارب الفساد بالقدوة الحسنة فحاصره إلى درجة جعل من بلاده الأقل نسبة في تفشي الفساد.. وما دام راعي البيت مستقيم فهو الأجدر بإشاعة الفضيلة بين شعبه الذي بوسعه معانقته في وسط الشارع المزدحم دون عناء.. نموذج تمثل به الخليفة المسلم عمر ابن الخطاب قبل أكثر من ألف سنة لتتفجرت ينابيعه في بلاد الهنود الحمر..هذا الزعيم اللاتيني الإنساني بدلاًُ من إلقاء القاذورات على حدائق الجيران أخذ يزرعها بالياسمين.. والمضحك المبكي أن أحد شيوخ النفط حاول دعم هذا القائد المفكر بشراء سيارته القديمة بأكثر من مليون دولار فسخر منه ولم يشكره؛ بل اعتبرها إهانة من سفيه منوهاً إلى أن تقشفه نابع من فلسفته بالحياة على قاعدة التمثل بظروف شعبه حتى يحسن الإصلاح من حال بلاده بعدالة تنتعش في جوهرها الديمقراطية والإصلاحات في كل مناحي الحياة من أجل تنمية شاملة حقيقية.
لذلك! لم يتصرف هذا الزعيم طوال حياته كقاتل لشعبة أسوة بالطغاة الذين يتحكمون ببلداننا العربية المنكوبة بزعماء طغاة.
(موخيكا) هو النموذج المرتجى لحل أزمة القيادة التي نعاني منها في وطننا العربي المنتهك من قبل الأصدقاء قبل الأعداء.. حتى يجلب العدالة والرخاء ويعزز مبادئ الكرامة والتشبث بالحقوق.. إنه الدرس الذي لا بد لزعمائنا من دراسته والاقتداء به من أجل تنمية شاملة تبدأ بالإنسان وتنتهي بتحرير الأرض السليبة من نير الاحتلال لتقوم التنمية على قاعدة صحيحة قوامها الديمقراطية التي تحقق العدالة والبناء.
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

