سعيد عقل بين سمو الشعر وتشوه المواقف..

التصنيف : فضاءات عربية (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
قراءة انطباعية..
غيب الموت الشاعر والأديب سعيد عقل” احد ابرز الوجوه الشعرية والأدبية في لبنان والعالم العربي، والمولود في مدينة زحلة شرق لبنان في 1912.
كان شاعراً عظيماً روحانياً تغطي الصورة الفنية في قصيدته الشعرية سحابة من الجوى تمطر في النفس الملوعة صلاة وطهراً ودعاء..
تشير الدلالات في شعره إلى مقاصد الشاعر في بنية متينة مدججة بالصور الجميلة المسكونة بالموسيقى.. فيتوجب على المتلقي التمعن بعمق في شعره كالصياد الماهر الذي يلزمه الغوص عميقاً ليظفر بالدرر المختبئة في الأصداف العالقة بين الشعب المرجانية.
غنت له فيروز من ألحان الأخوين رحباني :
” غنيت مكة أهلها الصيد و العيد يملأ أضلعي عيدا
فرحوا فلألأ تحت كل سما بيت على بيت الهدى زيدا
و على أسم رب العالمين على بنيانهم كالشهب ممدودا
يا قارئ القرآن صلي لهم أهلي هناك و طيب البيدا
من راكع و يداه أنستاه أليس يبقى الباب موصوداً
أنا أينما صلى الأنام رأت عيني السماء تفتحت جودا
لو رملة هتفت بمبدعها شجوا لكنت لشجوها عودا
ضج الحجيج هناك فاشتبكي بفمي هنا يغر تغريدا
و أعز رب الناس كلهم بيضا فلا فرقت أو سودا
لا قفرة إلا و تخصبها إلا و يعطي العطر لا عودا
الأرض ربي وردة وعدت بك أنت تقطف فأروي موعودا
و جمال وجهك لا يزال رجا ليرجى و كل سواه مردودا”.
شعره يثير التأمل؛ ما يجعله مكملاً لرؤيته الفنية في سياق الفن التشكيلي، ومنسجماً مع تكويناته اللونية خلال رسوماته الأولية المعروفة، فتتبلور رؤيته التي تقود المتأمل فيها من خلال البعد اللوني الداكن إلى بدايات الانفجار الكوني ليستعيد تفاصيل نشأة الحياة والأفكار ليعيد تشكيلها فسيفسائياً من خلال اللوحة السريالية المدججة بالأسئلة الوجودية المحاطة بروحانية المعنى، المختبئ خلف التفاصيل، من تكوينات في الشكل والألوان الصريحة أو المتناغمة.
لكن المأخذ الكبير عليه ما دمنا نتحدث في سياق استعراض انطباعي لمسيرة حياته العميقة الخلافية؛ هو محاولته الحثيثة في إقامة مشروعه الفكري على قاعدة تغيير الهوية القومية للبنان على أساس فينيقي غير عربي، وكأنه يتجاهل بأن الفينيقيين هم جزء لا يتجزأ من الكنعانيين! كذلك تثبيت اللهجة اللبنانية كلغة مستقلة عن العربية ما قاده إلى كتابة هذه اللغة بالأحرف اللاتينية أسوة بمشروع كمال أتاتورك بتغيير الأحرف العربية باللاتينية وذلك من أجل تغريب “اللهجة اللبنانية” المفترضة عن أصولها العربية المرتبطة بالقرآن الكريم.
المشروع لاقى معارضة شديدة حتى من الأدباء المسيحيين أنفسهم وقد كانوا بداية القرن المنصرم في مقدمة الثورة العربية الكبرى يحملون الرايات ضد الاستعمار الفرنسي بعد التحرر من نير العثمانيين.
أما عن موقفه السياسي فكان بداية يقف ضد قيام الكيان الإسرائيلي على أنقاض فلسطين. لكن اصطفافه إلى جانب المؤيدين للعلاقة مع الكيان الإسرائيلي تعزيزاً للهوية اليمينية المتطرفة في لبنان فقد أبدى مواقفاً تخاذلية يمكن إدراجها في مرحلة ما؛ في إطار الحرب الأهلية اللبنانية التي يحاول كل طرف فيها أذية الآخر، لذلك كان من أكبر المحتفلين بمجزرة مخيم صبرا وشاتيلا، فوصف المجرمين الذين ذبحوا الأبرياء الفلسطينيين في المخيم ب”المبدعين” وقال على صدر جريدة لبنان موجهاً كلامه لقتلة الفلسطينيين “كل لبنان معكن، كملوا” !!والمعروف عنه بأنه هو كاتب الخطاب الذي خطط لإلقائه في الكنيست الإسرائيلي حينما تبلورت التحالفات اللبنانية المتضاربة في أتون حرب أهلية قذرة أخطأ في رحاها الجميع وانتهت بانفتاح لبنان الذي أحبه سعيد عقل بطريقته على مستقبل مظلم ساده الاحتلال الإسرائيلي بداية العقد الثامن من القرن المنصرم، ثم انبلجت المقاومة اللبنانية التي دحرته من الجنوب اللبناني، وعاش بعدها لبنان في فوضى سياسية ما زالت ماثلة في إطار المحاور على خلفية التقاسم الطائفي الذي أوصى به اتفاق الطائف الشهير.
رحل سعيد عقل هذا الشاعر الخلافي، وانطوت صفحته، لكن عنوانه الشعري ما زال ينبض بحب لبنان الذي احتضن نعشه في لقاء حميم كأنه أرزة غرستها الأيادي في ثرى لبنان.. فيظل خالداً ما بين سمو الشعر وتشوه المواقف.
__________________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/