“البراديغم”السقراطي،و”الباطولوجية” العربية (1)

التصنيف : دراسات (:::)
د. الطيب بيتي العلوي – باريس (:::)
إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ….،( من سورة الرعد:)11
سأل سقراط تلامذته المتحلقين حوله بطريقته المعهودة في التعليم والتبليغ-بالحوار-:”ماذا تقولون في رجل ظل يمشي ضالا الطريق،إلى أن واجهه مضيق جبلي… ؟،إستداريمينا…،وتمشى الهوينا…،علله يجد المنفذ إلى الطريق…،فوصل من جديد الى مضيق جبلي آخر !، فاستدارمرة أخرى يمينا…، ومشى مهرولا…،ليواجهه مضيق جبلي آخر !، ثم إستداريمنة مرتبكا و معيدا الكرة، ليجد نفسه أمام مضيق جبلي آخر… !،فضاقت به السبل  … ! ليجد نفسه محاطا بالمضايق الجبلية… فكيف يجد المنفذ الى الطريق؟؟”
إحتارالتلامذة بعد مهلة تفكير ولم يجدوا الإجابة…،فخاطبهم سقراط قائلا:”الإجابة ليست في كيف يجد الرجل الضال الطريق؟…،بل بالتساؤل  كيف تتطوح بين المسالك منذ البداية حتى ضل الطريق؟….،ولم تجدوا الجواب، لأنكم حشرتم عقولكم(منذ البداية)  في الدوران حول معاني المفردات والمصطلحات(أو البراديغم الخاطئ الذي لُقِنتم إياه)…،في حين أنه كان عليكم أن تتحرروا من ربقاتها أولا( أي من البراديغمات المعدة سلفا) …لكي تبصروا كيف أوقع الرجل  نفسه في التيه بين المضايق حتى ضل الطريق .”.. .ترجمة بتصرف
وقد ّإستفزهنا سقراط تلامذته بتهييج عقولهم ،لدفعهم الى”التفكيرالمغاير”والخروج من دائرة”البراديغمات”السائدة القَبْلية الدوارة كيفماكانت-عند حدوث المعضلات-،بإستحداث مناهج نقد جديدة والتفكيرفي إيجاد وسائل تقييم جريئة،من أجل الوصول الى”براديغمات” جديدة تستجيب للظرفية الراهنة،- لأنه”لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين”كما ورد في الأثر الشريف،و”لأننا لا نتستحم في النهر الواحد مرتين”يقول:” بروتاغوارس”ولأنه”من الأسهل على الجمل أن يمر في ثقب إبرة، من أن ينتصح سياسيو العالم الثاث –من جديد- بنصيحة مستعمريهم السابقين ….،هذا مستحيل…. “يقول الزعيم الإفريقي الراحل”د. كوامي نيكروما ”
العرب و” الثقافة العولمية “و”الإمبريالية المفهومية” الغربية،
الفكرالسائد أوالثقافة السائدة–المنتشرة في كل أراضي الدول المُفقرة المُهمشة،والمُجوعة المُحقرة-مثل المومس اللعوب-كسلعة مزجية متاحة للجميع،ولكن لمن يدفع أكثر. !،أومثل البضاعة الرائجة،أوالألبسة الجاهزة،prêt –a porter تخضع لقوانين حينية العرض والطلب،وتتحكم فيها”إيديولوجية السوق”،ورغبات وأهواء تلكم الفئات المنتقاة والمشتراة، وهم”الصفوة”المثقفة المتنرجسة،أوالسلطة الحاكمة،-وكلهم يخضعون لضغوطات”السلطة الهرمية”العليا التي تصنعها “الأقلية”الإليغارشية المهينمة على مصائر البشر.-..،حيث تأتي تلكم”الثقافات”الثالثية– وخاصة العربية- على شكل”خربشات صبيانية”أوهذيانات المصابين بالحمى والتسعر القريحي والعقلي–المسماة على سبيل الإستشكال والإستحمار-ب”الثقافات،.. يتم فبركة وقولبة قواعدها وأصولها وتنظيراتها على أيادي”مصممي الثقافات”المتواجدين على قمة الهرم”العولمي” ..،ولاتعني هؤلاء النخبويين”الثالثيين المتعالين – من هذا الزاوية- مصائر بلدانهمـ،فلا يملك معظهم القدرات العقلية على تفكيك الثقافة الغربية أوتحليلها– إعتبارا وإستشكالا وإنتقادا،بإعادتها الى أصولها بقصد إستيعاب مدى مصداقيتها من حيث التنظير،وصلاحيتها  لمجتمعاتهم قبل الإستظهار…-مع التنويه بإجتهادات متفرقة ومبتورة من مفكرين قلة مغاربة –لايتجاوز تعدادهم عدد أصابع الواحدة- الذين إنتقلوا من مجال”الإستوصاف”الى دائرة النقد المنهجي و”الإستشكال” بدل الإجترار والإكتفاء بالإستظهار،وحتى وإن إستطاع البعض حسن”إدارة مخه”،أو توفرت لدي البعض الإرادة والمحفزات،فالأبواب موصدة في وجوههم …،إلا أمام المتزلفين و العهار– والباقي ثرثرة وتهدار !-
وإلا فليتساءل المتساؤلون :لماذا هذا الإصرارالغربي المستميت على”تكوين”الشبيبة العربية”،ذات التوجهات”الإنسانوية العالمية “المزيفة ،وتأطير كوادرها عبر تلقي المساعدات المالية “المجانية” !،وتنظيم الرحلات السرية والعلنية الى عواصم غربية- وبعضها الى تل ابيب-…، ! بهدف المشاركة في التجمعات والندوات”الثقافية الدولية، تشرف عليها  منظمات دولية ثقافية مشبوهة– متعددة الإختصاصات-:”عولمية”الرؤية والمنشأ والمبدأ: متزئبقة”الشكل والمضمون”،قزحية التنظير….،ملغوزة مصادرالتمويل….،ثعلبية الأهداف…،وفاشلة–مسبقا-منذ نشأتها المشبوهة في أوطانها- في حل مشاكل طلاب بلدانها ومثقفيها وشبيبتها ؟وما تاريخ أحداث الربيع العربي عنا ببعيد. !
ماهي”البراديغمات”العربية لما بعد الربيع العربي؟( سؤال لا يحرك عديمي الجدوى في العالم العربي)
مصطلح”الثقافة”لدى الشعوب العربية–كما وضحت أكثرمن مرة-سيظل يشكل الدائرة المفرغة الأكثرغموضا في تكوين الأنساق الإجتماعية العربية.و”تكوين” الإنسان العربي..،
كما ستظل”الثقافة”بمعناها السائد لدى المثقفين العرب،تلكم التربة المستنقعة،وحائط موسى والخضر المهترئ،والبوابة المفتوحة لنفاذ الغرب الى دواخل كل حميميات الشعوب العربية،بتحريض وتهييج المثقفين الثالثيين المعوزين والمعتوهين والمتعهرين،على الخوض في أطروحات براديغمات-التي هي خلق غربي-،لاتقدم أوتأخرشيئا في البث في المعضلات العربية،سوى الوقاحة و”الغلاظة”،والمزيد من العهرالثقافي تحت مسميات”الحداثة”،وما لف لفها من سفاهات”المابعد”،بالبحث في:الخاص والفردي والأقلوي والمهمش في ثقافاتهم،لكي يستشعرهؤلاء المتسكعون والمتصلعكون،أنهم”متنورون”…،ولم يعودوا في عداد حثالات “شحاتي”العالم الثالث،في حالة ما إذا روجوا ل”خصوصيات” بلدانهم”الإثنية”التليدة-أصلت لها حركة الإستشراق المرحلة الثانية المصادمة في القرن التاسع عشر،التي ترافقت مع الاستعمارالكلاسيكي في نبشها في الآثارالبشرية للحضارات الكبرى التي زالت بسبب موتهاأوإبادتها…،أوالتي تراجعتـّ بسبب خفوت شعلتها،أوالتي هُزمت بفعل تكلسها وإنهزاميتها ،أوتلك التي تربت لديها-لأسباب عدة–الإستعدادات(المعقدة) للإجتياح الإستعماري نفسه والخنوع لإرادته،-مثل الشعوب العربية-
فكان من الطبيعي أن يفرز”المستنقع العربي”مصطلحات ثقافاوية ممسوخة ،ومذاهب فكرية هجينة لا ناظم لها سوى الهجانة ،وما صنعت ليعتقد بها عاقل:مصطلحات ومفاهيم مممزقة لاراتق لها،وإجتهادات مهلوسة لا أصول لها،وعبارات وتعبيرات لا إعراب لها،تخرجها عن السياق الذى وضعها “الأسياد”في الغرب،بدون بحث ممنهج،أوسند”ليكسيكى”معجمى ومعرفى اللذان هما المحك الوحيد الذى بامكانه فرز”اللقيط “من”الشرعى”…و”الأصيل”من”الدخيل”توضيحا لخلفية التصور..والإختيار.،. واحتراما لعقل القارئ العادي،وتيسيرا للفهم والإستيعاب، واشاعة لأريحية التآلف والـتأليف بين المثقف  والمتلقى..لأن هذا الأخيرليس بعراف  أوقارئ فنجان ّأو فلكي .
و لقد تسامع هؤلاء”المثقفون”العرب،بمناهج غربية،جاءت نتيجة لتساؤلات إلإنسان الغربي لما بعد فظاعات الحربين العالميتين وبداية صراع القطبين،وعلى إثر”رشوة الجنرال مارشال المالية”التي طالت كل الدول التي دمترتها ويلات”الحروب العقلانية”الغربية،ومساهمات تمويلات أبناك روتشيلد( الملغوزة-“للمنشآت الثقافية” والمؤسسات الفكرية والمنظمات الثقافية الدولية الحكومية وشبه الحكومية ، والمعارض الفنية التشكليلية  لكبارالمبدعين-وعلى رأسهم بيكاسو، ودالي–بالإضافة الى إحتواء المسرحيين والسينمائين-و والسيطرة على مراكزالبحوث  الدولية والإقليمية منذ  أوائل الخمسينات،وإرشاء النخب المثقفة الغربية والمبدعة من كل المدارس والتوجهات والآفاق، التي أفرزت مدارس( ثقافية- إبداعية):من واقعية وعقلانية ولا عقلانية ولا أدرية،وعبثية ورومانسية وبنيوية وتحليلية وتوليدية.، وماركسية.وإنطباعية وسوريالية ووجودية وتوليفية وغيرها يجد فيها كل مدلس  ومنحرف ومرتزق بغيته
،فحاول المثقفون العرب  طرق الأبواب الغربية الموصدة ، للولوج عبرها الى ما يسمى”بحقل المثاقفة ومسايرة اللحظة التاريخية”- تعبير سقيم عربي”نخبوي” هلامي شاع في الستينات- مستغفلين كونها منشآت( سوسيو- ثقافية-إستطيقية) وليدة حضارة الغرب التكنولوجى المعاصرالمـأزوم ،.. التي تعكس قيمه المتصارعة داخل أمهاته الكبرى من هيلينية،رومانية،توراتية،ماسيحانية،وضعية،علمانية تنويرية،استعمارية،حداثية وما بعد–حداتية-وهلم جرا،وإنعكاساتها على تاريخ الغرب الطويل والمعقد الذى أفرزمفاهيم إنقلابية،تتخذ لها في كل”مرحلة إنتقالية”-عُشرية أوتزيد-،إسما وعنواناوعَلَما ومصطلحا ومنهجا .. ،مما يدفع بالمثقف الغربي إلى الغوص في معطياته الأصيلة ، ليبدع ثقافة تستجيب لأغراضه الجديدة والمستجدة-لا يلتفت إلى غيره من رعاع الأقوام الدنيا…،وفى جميع الحالات نجد لجديد الثقافة الغربية لغة رصينة لها تصورها الواضح،وسندها(الليكسيكى– الإيتيمولوجي)-المعجمى  وأساليب متجددة تناسب المضامين الجديدة،تستدعيها ضرورات تسارع حاجيات الغرب الفورية المركزية،للإجابة على تساؤلات”الرجل الأبيض”–حسب تعبير جول فيري-وصراعاته التى هى من مميزات كيان الغرب العام التي لا يخرج عنها  فى تفاعلاته الدورية والمرحلية مع الإرتجاجات التي تصيبه مع”الآخر”أوالعوالم الأخرى،وهذه من صلب طبيعة الغرب الجوهرية-لمن لا يعرفه من الداخل إبيستيمولوجيا-
للبحث صلة
[email protected]