التصنيفن : دراسات (:::)
بقلم : بكر السباتين – فلسطيني من الاردن (:::)
تعرف الهوية على أنها مجمل السمات الشخصية والثقافية التي تميز شيئا عن غيره أو شخصا عن غيره أو مجموعة عن غيرها. وتقوم على عناصر متحركة وفق تغير البيانات الشخصية لصاحبها أو إخضاع هذا المفهوم لمعايير مستحدثة في مكان آخر تقاس عليها الهوية.
وتتعدد أنماط الهوية حسبَ صاحبها أو عنوانها، وذلك على النحو التالي:
أولاً: الهوية الشخصية
الهوية الشخصية تعرف شخصا بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده. وتوثق رسمياً من خلال هوية الأحوال الشخصية أو جواز السفر، ولها غايتان:
– التعريف بحاملها وتحديد جهة انتمائه مادياً ومعنوياً، لدى كل الجهات الرسمية والحقوقية الخاصة والعامة في العالم.
– تحديد المنتمى الثقافي لحاملها في سياقات اللغة، الدين، والقومية.
والجنسية في هذه الهوية لها بعد اعتباري يتمثل بمفهوم الوطن وقيمته لدى الفرد واعتزازه بمكوناته الثقافية وبنيته الدستورية. من هنا تقاس المواطنة بدرجة انتماء هذا الفرد لوطنه والذود عن كيانه. ولكن المأزق يكمن في تعدد الجنسيات، وتأثير ذلك على شخصية حاملها الاعتبارية أمام نفسه إذا ما أخضعنا هذا التعدد لاختبار المخاصمة بينها.. فهل سيتولد لدى الفرد صراع الانتماءات! وهو ما كان يعانيه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي كان يقوم بواجباته تجاه وطنه الأمريكي كحامل للجنسية الأمريكية لكنه أيضاً كان يحارب السياسة الأمريكية تجاه وطنه الثاني فلسطين.. مفكر كإدوارد سعيد وجد الحل المناسب فماذا عن الفرد العادي!
ونستطيع أن نقول بأن الهويات العربية جاءت كنتيجة جيوسياسية لمؤتمر (سايكس بيكو) 1916 الذي جزأ الوطن العربي في إطار مشروع استهدف القومية العربية القائمة على وحدة أراضي الوطن العربي وعناصر الجمع بين العرب. فأغرقت الأقطار العربية في صراعات الهوية بحيث وصل الأمر إلى درجة أن الفرد لا يستطيع الجمع بين جنسيتين عربيتين معاً في وقت واحد خلافاً للجنسيات الأخرى.
ولعل النتيجة الكارثية التي ضربت الهوية العربية في العمق ما جرى لفلسطين في إطار سايسبيكو حينما أخضعت للانتداب البريطاني من البحر إلى نهر الأردن، ومن سيناء إلى الحدود مع لبنان.. ومن ثم احتلال العصابات الصهيونية لفلسطين التاريخية في حربين قاسيتين.. وكانت الأولى عام 1948 حينما أقيم الكيان الإسرائيلي خارج إطار مشروع التقسيم. لعام 1947.. فنشأت الهوية الإسرائيلية المزيفة إزاء الهوية الفلسطينية صاحبة الأرض والمكان.. فأخذت الهوية الفلسطينية هالة مقدسة لأنها ارتبطت منذ ذلك الحين بالوجود الفلسطيني المعنوي الذي أقر في إطار القانون الدولي بعد نضال طويل حقق لها مكاسب عززت من مكانتها وفعلتها قانونياً.. وخاصة بعد فك الارتباط الإداري والقانوني مع الأردن كأحد أهم مخرجات مؤتمر الرباط عام 1974 وبقبول شعبي بين طرفي المعادلة الفلسطيني والأردني.( هنا أختلف تماما في تعريفي للهوية وتوصيفي لما آلت إليه مع المفكر النهضوي أسامه عنان في سياق مشروعه الضخم “مبادرة التجديد العربية/ حرية” في إطار نموذجه الأردني. وخاصة دعوته لتذويب الهوية الفلسطينية في قرينتها الأردنية، مخرجاً في سياق رؤيته قطاع غزة من مظلتها الفلسطينية! إذ حصر الكيان الفلسطيني المذاب في إطار الضفة الغربية فقط.
ثانياً: الهوية الجمعية (وطنية أو قومية) أو مذهبية
تدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى. أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كونتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة. فما يجمع الشعب الهندي مثلا هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم أيضا دولة واحدة ومواطنة واحدة، كل هذا يجعل منهم شعبا هنديا متمايزا رغم أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى. أما بالنسبة للوطن العربي فقد تحولت الهوية من الدور الوظيفي إلى المعنوي كأحد أخطر نتائج (سايكس بيكو).
العناصر التي يمكنها بلورة هوية جمعية هي كثيرة، أهمها اشتراك الشعب أو المجموعة في: الأرض، اللغة، التاريخ، الحضارة، الثقافة، الطموح وغيرها.
عدد من الهويات القومية أو الوطنية تطور بشكل طبيعي عبر التاريخ وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرعت في تبلور المجموعة. قسم من الهويات تبلور على أساس النقيض لهوية أخرى. هناك تيارات عصرية تنادي بنظرة حداثية إلى الهوية وتدعو إلى إلغاء الهوية الوطنية أو الهوية القومية.
ثالثاً: الهوية المكانية للمعمار ما بين الحداثة والتراث
يمكن الحديث عن ارتدادات الهوية من خلال بياناتها وملامحها على الأرض.. وقد اخترت هنا تفاعل مكونات الشخصية مع الهوية المكانية وتفجر سماتها عبر المعمار؛ ما دعاني للحديث عن الهوية المعمارية وما تشكله من انتماءات معنوية للفرد.
هنا الهوية الوظيفية للمعمار تخضع لعدة معايير حتى ينسجم وظيفياً مع الهوية المكانية للمنشأ على اختلاف أنواعه، وهي:
– الهوية الدينية، سواء كان المعمار معبداً مرتبط بديانة ما كالمساجد والكنائس، أو منزل مستقل، على اعتبار أن السائد في الهوية المعمارية للشقق السكنية هو المعيار الحداثي الهجين الذي يتبنى نمطاً استهلاكياً عالمياً يبحث في خصائص الأنسب بالنسبة لراحة الإنسان وتقديراً لظروفه الاقتصادية.
– الهوية التراثية التي تراعي المعايير التراثية في المبنى كاستخدام الأقواس العباسية ذات البؤرتين أو الرومانية نصف الدائرية، مع بناء المشربيات كحالها في مصر ودمشق.. واستخدام الصحن المركزي المسيج بأسوار عالية، بحيث تنفتح عليه أبواب ونوافذ مكونات المنزل في إطار البيت الكنعاني الذي ساد نمطه في الشام. ولعل المثال الأكثر وضوحا في هوية البناء التراثية ما يتجلى في المدن اليمنية.
– الهويات الهجينة والمنفتحة على العالم، وهي خليط هجين من الهويات الثقافية في إطار تقبل الاختلاف في الهويات المعمارية الأخرى وخاصة ما يسود هذه الأيام في استخدام الجملون المغطى بالقرميد الأحمر فوق المنازل في مدن الخليج العربي كزينة للمعمار، وذلك خلافاً لدوره الوظيفي في المدن الأوربية حيث يستخدم هناك وقاية من تراكم الثلوج. فيما تنتشر هذه الأيام التقسيمات الداخلية الوظيفية للمباني السكنية الحامل للهوية الأمريكية بحيث يخصص الطابق الأرضي للمرافق الخدمية والثاني لغرف النوم تلبية لحاجة الاستخدام الوظيفي الأمثل لأرض البناء.
هذا ما يحدث للهوية المعمارية في عالم يتغير بسرعة، وتتماها سماته عالمياً بفعل العولمة، ومفرداتها التقنية المنفتحة بلا حدود.. وكأنها في طريقها إلى التحرر من خصوصيتها المكانية.
الهوية ليست مقدسة في عالم يتغير إلا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لأنها عرضة للذوبان أمام الهوية الإسرائيلية في إطار حرب وجودية يحاول فيها الطرف الصهيوني إلغاء الهوية المضطهدة التي تسعى لاستعادة أهم عناصرها، المتمثلة بالأرض. لكنها أيضاً لا تلغي انتماء أفرادها إلى جنسيات أخرى لتصريف أمور حياتهم! بينما هي مفتوحة على كل الهويات بأنواعها الثقافية والدينية والعلمانية.. عند الفلسطينيين الهوية تتحول إلى عنوان قانوني وسياسي وثقافي لا يجب المساس بمكوناتها.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

