التصنيف : فن وثقافة (:::)
مفيد نبزو *- سوريا (:::::)
يبدأ الشاعر اسكندر معمر رحلته مع الشعر العذري من خلال لهفة عاشق ترنحت بأصداء موسيقى ألحانه العذارى ، وانتشى العشاق في مواسم العطر والليل والقمر ، فهل هي مصادفة أن يكون لهذا الاسم وقع قوي في النفوس يعود بنا عميقا ً في التاريخ متنقلا ً بين حقبه ليذكرنا بعدد غير قليل من العظماء الذين حملوا شطره الأول ، ومكثوا في الذاكرة فعلا ً خالدا ً على مر العصور ؟. كما يقول الإعلامي الكبير الأستاذ جمال الجيش مقدم ديوان الشاعر الذي بعنوان : – عناق – والذي يرى فيه امتدادا ً بين عذرة وصيدنايا ، وكأنه انتماء حقيقي لهذه المدرسة الغزلية التي ترتكز بجوهرها على البوح الغزلي الرقيق الذي ينأى عن الغزل الإباحي المنغمس في الشهوات الدنيئة والملذات الآثمة، والتي لا تعرف سمو الروح ، ولا تحلق بأجنحتها في فضاءات الغزل العفيف والعشق الطاهر .
وعن بدايات الشاعر يتحدث الأستاذ جمال في مقدمته عن معرفته الشاعر عام
1988 م يوم كان يعدُّ ويقدمُ برنامجهُ الإذاعي الأسبوعي (( مواهب أدبية
)) ، وكان جلَّ طموح البرنامج أن يتيح فرصة للمواهب كي ترى النور ، ومن بين الرسائل رسالة تعرفه على شاعر حقيقي اسمه اسكندر معمر ، وهذه الرسالة كما قال الأستاذ جمال الجيش أدهشت ضيفي الأستاذ سليم أبو الهيجا الذي كان يعِّلق على النتاجات ، فوجهت دعوة لهذا الشاعر الشاب الذي لا أعرف عنه إلا شيئا ً واحدا ً فقط ، وهو أنه يكتب الشعر الجميل ، ولما زارني في الإذاعة كانت المفاجأة ، فهو لم يكن شابا ً بل يقارب الستين من العمر ، وأجريت معه مقابلة أذيعت في حينها .
وينوه الأستاذ جمال إلى أن الكثير من قصائد الشاعر قد أذيعت في برنامجه (( الشعر والليل موعدنا )) ، وذلك من عام 1991 م إلى 1994 م ، ويعلل الشاعر اسكندر سبب تسمية ديوانه بعنوان :عناق ، وهو أنه استوحاه من كل مخلوق في هذا الكون حيث تبتدئ حياته بعناق ، فالأم تعانق وليدها ساعة مجيئه إلى هذه الدنيا ، وحين يسلم الروح يودعه أهله ومحبوه بالعناق ، والأقارب والأصدقاء والعشاق يفترقون بعناق ، وعندما يلتقون بعد الغياب يعود العناق من جديد ، والطيور تتعانق ، والزهور تتعانق ، وأسماك البحر ومخلوقاته تتعانق في خضم الأمواج المتلاطمة التي بدورها تعانق الشطآن عناقا ً مستمرا ً على الدوام ، ومياه الأنهار والسواقي تعانق تراب البساتين والحقول لتكوِّن الحب والثمار والغلال ، كما أن الشمس تعانق الكون بأشعتها الذهبية في النهار ، وفي الليل يسرع القمر والنجوم لعناق أرضنا بنور فضي لألاء ، والليل والنهار بدورهما يتعانقان كل صباح ومساء ، وكذلك المجرات في فضاء هذا الكون الرحب الفسيح في عناق دائم لا ينتهي ، وهذه هي الحياة والتي ستعانق الموت يوما ً ما قرب أو بعد ، وأخيرا ً فالله جل جلاله من قبة السماوات يعانق هذا الكون الجميل الذي خلقه :
الكلُّ يغرقُ في عناق ٍ دائم ٍ والنفسُ تطلقُ شدوها ألحانا
واللهُ جلَّ جلالهُ من عرشه ِ بمحبة ٍ قد عانقَ الأكوانا .
هذا هو الشاعر اسكندر معمر الذي ولد في صيدنايا عام 1932م ، ، وشرع ينشر نتاجه في عدد من الدوريات المحلية والعربية ، ولكن القدر أبى إلا أن يمتحنه حيث أجريت له عملية بتر لرجله اليمنى في منتصف الفخذ بسبب تضيق الشرايين ، وأصبح مقعدا ً في المنزل متقبلا ً إرادة الله بصدر رحب ، وبمعنويات عالية ، وثقة كبرى ، ولكن الزمن يتابع لعبته المجنونة معه ، فتسوء صحته ، وينتقل نقص التروية إلى الدماغ لتصاب يده اليسرى ، وتهدد رجله اليسرى بالبتر أيضا ً ، وقد كانت زياراتي متكررة إليه يوم كان مبتور الرجلين مصابا ً بالشلل النصفي ، واستمعت لحديثه الذي ينم عن وعي تام وإيمان عميق لم يفقداه الأمل بعشقه للشعر والغزل ، والحب والحياة :
وأصختُ سمعي ذاهلا ً متعجبا ً رجلي السليمة ُأطلقتْ شكواها
قالتْ وحزن ٌ في مسالك ِ صوتها أشقيقتي غابتْ ولن ألقاها ؟
فلكمْ مشينا في شتاءٍ بارد ٍ ثوبُ الثلوج لأرضنا غطَّاها
ولكمْ عدونا في ربيع ٍ ساحر ٍ يعطي الزهورَ جمالها وشذاها
يا صاح ِ إمَّا أن تعودَ شقيقتي أو أنني أمضي إلى رؤياها .
وبقي الشاعر اسكندر معمر راضيا ً متفائلا ً بقلبه الخفاق ، وروحه الوثابة ، وبيده اليمنى يكتب ويكتب بهمة عالية وطاقات شحنتها شرارات الإبداع بعفوية الغزل وثورة الأمل ، فراح ينشد بعذوبة :
حمدا ًً لهُ جلَّ الجلالُ لعرشه هي تي الحياة بخافقي أبقاها .
وكان قد صدر له ديوانه الأول بعنوان – أناشيد إلى بلادي – عام 1995م ، وديوانه الثاني بعنوان – عناق – عام 1996م ، وكان له قيد الطبع دراسة في الصراع العربي اليهودي عبر التاريخ ، ومجموعة قصصية عن النضال الفلسطيني ، وهي أمانة في عنقه وطاقة من ياسمين وزنبق ورياحين يحبُّ أن يقلد بها صدر الأجيال ويزيِّن بها جيد الوطن .
هكذا تنتصر الكلمة الصادقة على الزمن ، وينتصر إبداع الجوهر النقي المضيء على الظلمة ، وعلى من يقبع في غياهب الزيف المادي الأثيم ، وزخرفه البراق الذي ماهو إلا سرابٌ يتلاشى مع انبثاق أول خيوط الفجر وانثيال حبات الندى ،وخفقات جوقة الأهازيج والبشائر في ميلاد صباح جديد :
يا حبيبي ذا فؤادي يرقبُ البدرَ البعيدا
إذ يناجي كلَّ نجم ٍ يطلقُ الآه نشيدا
أتراه ُمثلََ قلبي لم ينلْ إلا وعودا
أم ترى في كلِّ يوم ٍ يبتغي حبَّا جديدا ؟.
وفي تمازج الطبيعة بالعشق صورٌ زاهية ٌموشاة ٌبالسحر ، وموشحة ٌبجمالية الإبداع :
يا مالكي فلنخضْ بحرَ الهوى سفرا ً في قارب ٍبضياء الشمس ِمكتنفا
يعلو الشراعُ ويبقى فوقَ سارية ٍ ومركبٌ سابحٌ يطفو وما انحرفا
لن نسألَ الكونَ عن سرٍّ يحيرنا سرِّ الغرام ِهنا لغزٌ وما انكشفا
ماالعمرُ إلابروقٌ فجأة ً لمعتْ ثمَّ اختفتْ ضمنَ رعد ٍ في العلا قصفا .
وإذا كان العمر ومضات وبروق تختفي مع الرعد في طيات الفضاء الرحب ، فإن الرواية طويلة تتمخض عن متناقضات لا ختام لها ، وذلك بغنائية وعفوية صادقة ، وانسياب ٍحرٍّ ، وتنويع وتلوين ٍآسر ٍآخاذ :
فإذا السردُ طويلٌ من ضياع ٍ لهداية
بين صدٍّ وقبول ٍ بين بوح ٍ وشكاية
ينقضي الليلُ سريعا ً دونَ أن تأتي النهاية .
ولم يكتف الشاعر بهذا بل انتقل إلى الأمنيات والآمال ليرسم من إيحاءاتها صور الدهر ، ويسرد قصة الحياة :
فإذا الخريفُ بريحه ِعصفا والرَّعدُ في أجوائنا قصفا
يبقى لهيبُ الروح مستعرا ً ووجيبُ قلب ٍ للهوى هتفا
من لمْ يذقْ كأس َ المنى أبداً فكأنهُ للدهر ما عرفا .
وهذه دعوة لمعرفة الحياة ، وإدراك كنهها ، وفك رموزها ، وحل طلاسمها من خلال كأس الأمنيات الذي بمائه العذب يرفد القلوب وينعش الأرواح :
وإذا مرَّ زمانٌ ودنتْ شمسُ المغيبْ
ففؤادي في هيام ٍ في اشتياق ٍ للحبيبْ
وشعاعُ الحب ِّ فيه ِ ضوءُ شمس ٍلا يغيبْ .
وفي قصيدته – نجوى – يؤكد الشاعر على وجوب العطاء اللامحدود للغرام الذي يحيا بنا مرة واحدة :
هوذا الغرامُ يعيشُ فينا مرة ً فلنعطهِ سرَّ الحياة السرمدي .
وما ذلك إلا لأن الحب هو الحياة ، وهو البقاء والخلود ، عندما يتم اللقاء والوصال ، وتخمد نيران الشوق ، وينتفي الهجر والصدود في قصيدته – أشواق –
:
يا حبيبي لا تدعني بين أحلام الوعودْ
ما كمثلي من محب ٍّ ما لأشواقي حدودْ
لن يكونَ الحبُّ هجرا ً وجفاء ً وصدودْ
إنما الحبُّ حياة ٌ وبقاءٌ وخلودْ.
وفي قصيدته – نسر الفن – أهدى الشاعر حبه الكبير للفنان الكبير الأستاذ وديع الصافي النسر الشامخ بكبرياء والمحِّلق في أجواء الطرب والغناء أكثر من نصف قرن من الزمن ، فما تعب الصوت ولا كلَّ الجناح :
هل تشاكى الفجرُ يوما ًوالصباحُ أمْ تباكى الزهرُ والوردُ الأقاحُ
أم همُ العشاقُ في مهد اللقا كتموا الأسرارَ خوفا ً ثمَّ باحوا
فوديعٌ إن شدا أنغامهُ ماجت ِ الأفلاكُ واهتزتْ بطاحُ
نصفُ قرن ٍ من سنين ٍ سكرتْ ليلها حبٌّ وأقداحٌ وراح ُ .
ولم يقف شاعرنا عند الصافي معبرا ً عن محبته الصادقة بل خصَّ سفيرتنا إلى النجوم السيدة فيروز بقصيدة عصماء رائعة أيضا ً:
فيروزُ فيروزُ هذا الكون ُ منتظرٌ والأرضُ والدهر ُ والأزمانُ والبشرُ
فيروزُ فيروزُ هذا العرشُ منعقدٌ تهوي العروشُ وعرشُ الفنِّ يزدهرُ
سفيرة ٌ لنجوم ٍ من مرابعنا لا صادحٌ مثلها غنى ولا وترُ.
وفي قصيدته – مواكب الشعر – يعرف الشاعر الشعر بأنه الحياة التي تتحدى الموت ، وله قصب السبق في كل مضمار وميدان ، لأن فرسه لاتجارى ولا تبارى
:
فيه ِ سحرٌ فيهِ طهرٌ فيهِ برقٌ فيهِ رعدٌ فيهِ حب ٌّ وأمانْ
هوذا الشعرُ حياةٌ تتحدى الموت في كلِّ زمان ٍ ومكانْ
هوذا شعري محال ٌومحالٌ أن يجارى أو يبارى في رهانْ .
وفي قصيدته عروس البحر يناجي النجوم ، ويطلق الآهات ببوح شجي يتجاوب مع أمواج البحر في ألحانه الشجية :
يا عروسَ البحر هذا البحرُ في وله ٍغنَّى الهوى لحنا ًشجيَّا
إن أتى ليلٌ أناجي نجمهُ أطلقُ الآهات ِشعرا ً غزليَّا .
أما نداء الليل فقصيدة تبدد الظلمة بالعشق وفرح اللقاء بدون قيود ولا حدود إلا النسمات والزهور والندى والهيام في توحد روحي سرمدي :
يا ملاكي لا تقولي أظلم الليل الحزين
إنما الظلمة ُ مهد ٌ وفراشُ العاشقين
هذهِ النسمة ُ تغفو بينً أحضان الورود
والندى فوق زهور ٍ تاجُ حسن ٍ وعقود
والجميعُ في لقاء ٍ وهيام ٍ وشرود
في عناق ٍ سرمديٍّ دون قيد ٍ أو حدود .
وللشاعر أغراض متنوعة في الوجدانيات والوطنيات والإخوانيات والرثائيات ، وقصائد للأطفال ، تنضح كلها من مخزون معرفي وحساسية عالية ، وموهبة متوقدة بالإبداع ، والعاطفة الجياشة المتفردة بنبل العطاء ، والممتلكة خصوصية الينبوع الذي يتدفق بالأمل ليسقي شرايين الحياة ، ويبعث التفاؤل في قلوب الحزانى ،وعيون العاشقين من خلال رسالة سامية لا مبدأ لها إلا العشق الطاهر والحب النزيه الذي يعلن انتصاره بالكلمة المشرقة بحروف الغزل ، والمفعمة بالعطر والحبور في صحراء هذه الحياة ووحشة لياليها ، وغربة الإنسان عن إنسانيته فيها، وعن انتمائه الحقيقي إليها ، وإلى عناصرها المتجددة بعذرية الغزل وثورة الرجاء والأمل .
شاعر وأديب سوري





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

