صورة من الزمن الجميل!!

التصنيف : فضاءات عربية (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::::)
رجال ارتحلوا وظلت أنفاسهم تعبق المكان..
المرحوم أبو خليل حسين!؟ لمن لا يعرفه..
الرجال بعد موتهم يورثون قلوبهم للأجيال اللاحقة بما تنضح به، أو أبناءاً يخلفونهم في الأفعال والأقوال.. وربما منجزات في الفكر والأدب والسياسة تحسب لهم أو عليهم! لكن هذا الرجل الذي أعرفه حق المعرفة فقد غاب تاركاً وراءه ذلك الحضور الذي يشبه الربيع في كل مكان تفاعل فيه مع الناس.. إذْ قضى حياته وحيداً دون أبناء.. لكنه في الحقيقة ترك وراءه عزوة من محببيه. وها هم يتهافتون اليوم على ذكر مناقبه الطيبة ومحافل وجوده المكانية رغم رحيله الأبدي.. فمظاهر حضوره تتجاوز كل غياب.. حيث كان يعرف لدى القاصي والداني بأنه رجل المهمات الصعبة.. كلامه يعقبه الثناء على من استمع إليه.. وأفعاله تقرع النواقيس لمن ينسى.. فلا يترك مجالاً لناقد ينتقص من قدره عند الأفعال.. حضوره مهيب في اجتماعات التقاضي.. أفكاره فتاكة لكل خلاف.. ينبذ الفرقة والفتن إذا ما شبت في إطراف الحوار أو أطفأت مواقد السمر التي تجمع حولها الأهل والخلان! كان يمثل في أطوار حياته نموذج الإنسان القوي المؤثر، ذي الشعبية المجمع عليها.. كأنه صاحب القول الفصل إذا ما تشتت الحوار بعيداً عن تفاصيل المقاصد المتضاربة التي تحمل المواقف الجماعية أسباب الفرقة والتشرذم .. ولمجرد أن يقول “اتبعوني” يدرك الركب بأن الربان سيواجه العواصف بأنفاس الجماعة دون تفرد بالقرار أوتقزيم لمقترحات الآخرين!! أشياء لم تعد هذه الأيام في سياقات الحوار بدءاً من لقاءات الأقارب أو صالونات السياسة والأدب.. وحينما يتعلق الأمر بمبادئ الحق الفلسطيني والعبث بها يتحول هذا الرجل إلى مقاتل صعب المراس، يخرج من جرحه المثخن كي يطبق أفواه المتربصين بالحق الفلسطيني الذي بات اليوم في مهب الريح.. فلا ننسى ذلك الموقف الذي تناقلته المجالس آنذاك عن الفلاح الفلسطيني اللاجئ اليقظ المليء بالعزم والشجاعة، عضو المجلس الوطني الفلسطيني المطقم بالزي الشعبي الفلسطيني، صاحب القلب النابض بالهم الوطني رغم الجروح النازفة والكرامة العربية المهدورة! حينما لخص القضية الفلسطينية في كلمات نبعت من قلب الألم! وهو يواجه بها بدايات الحديث عن حلول بتنا نعاني اليوم من عواقبها.. حينما جرى التلميح إلى خيارات سياسية خجولة من قبل شخصيات براغماتية وضعت أسس المتاجرة بالحق الفلسطيني في إطار دبلماسية الموت البطئ!! بما يعرف اليوم بالحلول السلمية. لم يصل حد تلك الأطروحات حينها إلى درجة التصريح بها وإلا لسحقت قلب رجل نزيه كالمرحوم أبو خليل، الذي واجه مجرد التلميحات البعيدة إليها بالعبارات التالية: “أنا رجل ذاق مرارة وقسوة اللجوء . وتجرع حتى الثمالة ذل التشرد ، ورغم أنني لم اكن أملك في بلدي الكروم والسيارات والعقارات ، إلا أنني غير مستعد على الاطلاق للتنازل عن حقي في العودة الى السقيفة التي كنت اعيش فيها ، والى العريشه التي كنت اعيش فيها ، والى العريشة الخاصه بي ، والتي كانت تظلني في أيام القيظ ، غير مستعد للتنازل عن الهواء الندي الذي كنت أستنشقه ولا عن مشاهد الحقول الخضر التي كانت تنداح أمام عيني ، ولا عن أحلامي وذكرياتي التي نسجتها تحت العريشه ، والتي ما زلت احتفظ بها حتى هذه اللحظة”. وبعد..! فقد رحل هذا الوطني المهيب بعيداً عن الخصيان من بعض أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الذين لم يعجبهم رده الملجم الوافي البسيط آنذاك؛ فانحبست الأنفاس لمجرد أنه ذكرهم بالحق الفلسطيني المشروع وغير المجزوء الذي لا ينساه الحر الأبي ولا يعفى من المطالبة به مهما تقادم به الزمن! إن هؤلاء المتاجرين بالحق الفلسطيني المذبوح اليوم لا يأبهون بسيرة إبي خليل حينما يستذكرونها لأنه عارض تلميحاتهم عن ذلك وقاطع كلماتهم المسمومة على الملأ.. لا بل وطعنوه في الظهر بمدية ” الحكمة السياسية”وعرضوا ذلك الحق المغبون في سوق النخاسة الدولية تحت عناوين الحل السلمي وواقعية الطرح والأمر الواقع.. والإجماع العربي والدولي! لكننا ونحن نعيش في دجى هذا الزمن المدلهم الذي يشهد على تشرذم أمتنا؛ نحتاج لقناديل المرحوم أبو خليل!! وكأننا ورثة ذلك الزمن الجميل على قساوته!! هذا الجيل الذي استعاد عنفوانه الوطني.. وحارب العدو الصهيوني بالحديد والنار في جنين وغزة.. جيل المقاومة الأبي! يمثل أبناء إبي خليل الذين لم ينجبهم في حياته.. جيل تنفس الصعداء في فلسطين التاريخية! وانتفض في الضفة الغربية.. وقاوم في جنين الجريحة، ثم صنع الصاروخ في غزة هاشم وتصدى للعدوان. أشعر بروحه قد استقرت وتمازجت مع هديل الطيور الخضر المرتحلة إلى السماء.
__________________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/