التصنيف : القصة (::::)
مصطفى خالد الحردان (:::)
لم أكن أعلم أن الأمور ستجري بعكس ما يحلم به الإنسان، تبدأ هذه القصة بطفل مدلل وحيد من الذكور يهوى لعب كرة القدم يرتدي كل يوم نعله السميك الأسود ذاهباً ورفاقه للبيادر للعب الكرة يركل هذا وذاك بهذه النعل الثقيل فيحدث تصادم وشحناء بين رفاقه، ذات يوم عاد مبكراً حزيناً إلى منزله ليرى والده ليجلس بالقرب منه طالباً منه أن يشتري له حذاءً رياضياً وكذلك لباساً، فتنهد والده قائلاً عند ذهابي إلى المدينة سوف أشتري لك ما تطلبه، فكر والد محمد ملياً وهو يردد من حقه أن يشتري ما يريد، ولكن أعباء المنزل أصبحت ثقيلة على كاهلي خصوصاً وقد كبروا الأولاد، فعملي
اليومي لا يجني لهم الكثير، سأستدين وسأشتري لهم ما يرغبون به، وما هي إلا أيام قليلة ذهب أبا محمد إلى المدينة واشترى لهم ما قد طلبوه…
محمد ذلك الطفل المدلل واقف على الرصيف أمام منزله ينتظر قدوم والده، راكضاً إليه بعد أن لمحه ليحمل معه الأشياء التي أتى بها…سُرَّ محمد بلباسه الرياضي راكضاً إلى زملائه ليلعب كعادته… وفي أحد الأيام جلس وأسرته بعد أن وجد أباه متضايق قليلاً بعد أن كان هناك بعض المناقشة بين والده ووالدته وذلك بسبب قلة العمل قائلة له: لمَ لا تطلب من أشقائك أن يساعدوك في بعض المال خصوصاً وأنك أنت من أمهرتهم وساعدتهم كثيراً، عندما كان معكَ المال لم تشتري لنا حتى قطعة من الأرض، أو حتى تنشئ مشروعاً صغيراً نجني منه بعض المال وقد تركتنا في هذا المنزل المتواضع، حتى لا يوجد فيه فسحة قليلة لبعض الشجيرات وقد أنفقت جل مالك على أشقائك، لم يتفوه أبا محمد ولو بكلمة واحدة حتى قام وانصرف إلى بعض أقاربه….
وتمر الأيام وعائلة أبا محمد على هذا الحال…تفاجأ أبا محمد ذات يوم بولده يطلبً منه أن تقوم أسرته بنزهة إلى البحر خصوصاً بعد أن سمع من بعض رفاقه بذهابهم أيضاً، احمرت وجنتا أبا محمد ليرمق ابنه نظرة كرب وانزعاج وقد لاح ببصره إلى الداخل كأنهم ينتظرون منه جواباً سريعاً…
ضجر أبا محمد من إلحاح ولده مما كان من أبا محمد وهو يمسك بيد ابنه مصطحبه خارجاً قائلاً له: ما رأيك أن نذهب إلى البساتين المجاورة لنا إنها جميلة ونزهة أيضاً؟ أجابه ولده: أجل جميلة يا والدي ولكنني أقضِ وقتي باللعب في البساتين وعلى البيادر، تبسم والده قائلاًً: لا بأس عما قريب نذهب، فكر والده وهو يردد بنفسه سأبيع الدراجة التي أملكها هذا
أفضل حلّْ.
حسناً سنذهب…جهزوا متاعكم. أجابت ابنته هدى سنذهب برفقة أقاربنا أفضل من ذهابنا بمفردنا، استحسن والدهم الفكرة مردداً بالإيجاب… كأن هذه السيارة غير لائقة للسفر يا والدي؟: لا بأس بها ربما هيكلها يوحي بقدمها ولكن أكد لي السائق أن محركها جديد.
ما أجمل هذه الجبال! أجل جميلة يا بني ولكن كنت أتمنى أن تكون مكسوة بأشجار مفيدة كأشجار اللوز والجوز والعنب، يؤكل منها ويُستظل في فَيِّها، و إن الجبال رواسي للأرض يا بني لكي لا تميد.
ينظر محمد إلى أسفل يا إلهي إن الوديان مخيفة يا أبي ! أجل مخيفة كنتُ أتمنى لو أن الطريق أوسع من ذلك، أو يكون له جدار أمان، ولكن أنظر ما أحلى الزهور التي بها كذلك شقائق النعمان، فالأودية ملأَّ بالزهور المفيدة. كأن هناك قلعة شاهقة يا أبي؟. أجل إنها قلعة أثرية منذ القدم، ما رأيك أن نزورها؟ أجل يا أبي نزورها، لكني تواق لرؤية
البحر.
وكما قلت يا أبي إنها أثرية، ولكن لمَ هي في مكان عالٍ؟. أجابه والده: لأن الأقدمون يا بني كانوا يخافون من عدو يأتيهم فكانوا يحتمون بها ويدافعون عن أنفسهم من الداخل، كأن حجارتها قوية يا أبي؟ أجل، الحجارة الزرقاء قوية وتبقى لسنوات طويلة. ولكن يا أبي كيف بُنيت فحجارتها كبيرة جداً؟!.
ربما كانت يا بني عبارة عن صخرة كبيرة جداً فنحتوها وزخرفوها فأصبحت قلعةً وبيوتاً ومحمية لهم تقيهم من الأمطار الغزيرة ومن العدو الذي كان يتهددهم ها قد وصلنا البحر ترى ماذا ستفعل؟!
إن لون البحر أرزق سماوي يا أبي؟ أجل يا بني إن انعكاس لون السماء على البحار يجعل لونها جميل سماوي، الله ما أجمل البحر يا أبي !!!، إنه كبير جداً؟ أجل يا ولدي فالماء في الأرض أكثر من اليابسة بثلاثة أضعاف. ولكن يا أبي من أين ملوحته؟ إنه مالح كثيراً لا يُشرب ! نعم يا ولدي من الصخور التي تحتويه، وأفضل الأملاح أو الملح يا بني هو ملح البحر لأنه يُعتبر طبيعياً ويحتوي على مادة الأيودين الطبيعية المفيدة للجسم.
ما رأيك يا والدي أن نركب جميعنا السفينة؟.ولكن يا بني لا نعرف أن نعوم أخاف أن تغرق السفينة.انظر يا أبي هناك كثير ممن يركبها. لا بأس يا بني هيا اصعدوا إلى السفينة. ما أجمل ركوبها يا أبي ! لكنني خائف عليكم أنظر إلى محيا والدتك، كأنها خائفة كثيراً. هل تعرف السباحة يا والدي؟.
كلا يا بني من صغري لم أتعلمها، كُنت أتمنى ذلك، كنتُ أقضي جُلَّ وقتي بالعمل مع جدك، أنسيت أني الولد الأكبر لجدك؟. ها قد وصلنا الشط، الحمد لله على السلامة. أنظر يا والدي إلى هؤلاء الأطفال إنهم يسبحون على الشط سأسبح معهم. ولكن يا بني إني أخاف عليك من الغرق؟ ألا تذكر يا والدي كنت أسبح عند رفيقي أحمد، لكن يا بني كنت تسبح في حوض صغير، إنه بحر يا بني وليس حوضاً. سوف أعوم على الشط ولن أبتعد كثيراً…ولكني أخاف عليك من الأمراض أيضاً، أنظر إليه إنه نظيف يا أبي…. حسناً، ولكن انتبه يا بني.
أم محمد وقد مغصها بطنها فلاحت ببصرها إلى ولدها وإذا هو يبتعد عن الشط فأخذت تلوح بيدها أن اقترب ولا تبتعد. أبو محمد يشرب الشاي مع السائق والأقارب، إذ يسمع صوت ولده يناديه من بعيد فالتفت إليه وإذ هو يلوح له ويبكي، ركض نحوه بكامل لباسه ليدخل البحر، ها قد وصلت إليك يا بني، فأمسكه وقذف به نحو الشط، فتجمعت أسرته حوله كذلك بعض الأشخاص لينظروا إن كان به شيئاً. فأخذت والدته تضمه وتقبله مؤنبة… لمَ ابتعدت كثيراً ألم تعد أباك ألا تدخل إلى العمق، قائلاً لها: حسبته كله رملاً، ولكن الحجارة من ضايقتني وكادت توقعني… أبا محمد وقد أصيب بدوران متعثراً في حجارة البحر فسقط غريقاً. محمد ينظر إلى البحر ليرى والده، كذلك جميع الأسرة والأقارب، ولكن لم يظهر أبا محمد في البحر، فدخل الأقارب السابحون البحر إذا أبا محمد وهو معلق بين الحجارة، فخلصوه وسحبوه نحو الشط، مهرولاً إليهم، أبي، أبي، أبي، لكن أبا محمد لا يرد عليه، فعلا الصياح والنواح على أبا محمد ولكن أبا محمد قد فارق الحياة. يردد ولده كيف سنعود من دونك يا أبي؟؟!! من سيكون أبي؟؟!! من سيشتري لي؟؟!! من سيدللني؟؟!! هل أقول أكرهك أيها البحر؟.
أم هل حان الفراق يا أبي… أم أنك نائم؟؟.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

