المسرح الفلسطيني وتداعيات النكبة والمعاناة الفلسطينية \ الاخيرة

التصنيف : فن وثقافة
د. كمال غنيم – فلسطين المحتلة (:::)
وفي بيت مراد تستعد الوصيفة بسمة للخروج، بعد أن فقدت بهاء الذي أحبته وغدر بها، ويدور الحوار بينها وبين القديسة، مما يسفر عن قرار القديسة بالفرار من المدينة، على أن يتم الزواج بين بهاء وبسمة على أنها القديسة، مما يسهّل مهمة خروجها بولدها، ويحقق لبهاء وبسمة ما يريدان، وينجبان الأولاد كما يرغب الحاكم، وتأمرها بالذهاب إلى العم جابر بائع السوس ليساعدها فيما عزمت عليه. لكن بهاء يدخل وعندما يعلم بالخطة يرفضها، ويعلن عن مطامعه بالزواج من القديسة، والحصول على أملاكها، على أن تبقى بسمة جارية له وعشيقة، وتحاول بسمة أن تقتله، لكن ضربة السكين تصيب كتف القديسة، وهي تحاول منعها، وفي اللحظة نفسها يدخل مراد وجابر البيت، لتبتسم القديسة، وتفرح بعودة زوجها، لكنها تصاب بالإغماء، وتعتقد بسمة أنها ماتت، لكن مراد يقول أنها بخير وأن ما أصابها مجرد إغماء، ولا بد من إنقاذها( ).

ومن الواضح أن الكاتب قد لجأ إلى الرمز ليشير إلى مأساة بعض الفئات العربية، وما يمارسه الاحتلال ضدهم، من خلال محاولة إجبارهم على التجنيد، وممارساته القمعية في سبيل ذلك، والدور الوطني الذي يقوم به بعض هؤلاء في مقاومة القمع والاستبداد، وكأن القديسة هي فلسطين التي يحاول الغريب أن يقمعها بالزواج منها، أو بإرضاخها لقوانينه الجائرة، وما صمودها في انتظار القائد والزوج إلا تصوير للصمود، ورفض الاحتلال بكل شكل من أشكال المقاومة.

وقد جسّد بعض الكتاب همّا صارخا وحادا من هموم بعض الفئات العربية في الأراضي المحتلة عام 1948، تمثّل في همّ فئة الدروز، كأقلية فرض عليها الاحتلال، بالتعاون مع بعض قادتها المتعاونين، التجنيد الإجباري، والخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، من ذلك طرح هادي زاهر قضية الدروز بشكل واضح ومباشر في مسرحية “الفخ”، حيث يستعرض جذور المشكلة، التي بدأت بقناعات بعض المتعاونين، الذين وقعوا اتفاقيات لم تحسب فيها الحسابات الوطنية ودماء الشباب الذين يصبحون أدوات في أيدي المحتل الغاصب، ويجري الكاتب المفارقة من خلال الحوار بين من استسلموا لهذا الواقع واقتنعوا به، بل اختاروه وبين من رفضوا ذلك وقاوموه بشتى الطرق، ليصل في النهاية إلى المصير الأسود الذي وقع فيه الطرف الثاني، فالغلاء وتضخم العملة والاستيلاء على الأراضي زوابع تلتهم كل ما جاءت به الرياح، والأنكى من ذلك مصير الأبناء، فمنهم من فقد حياته، ومنهم من فقد أطرافه أو أُصيب بعاهة مستديمة، فأصابهم الندم حيث لا ينفع الندم، فالشيخ محمود يفتخر بابنه جميل الذي أنهى فترة الخدمة الإجبارية واختار البقاء في الخدمة كوظيفة دائمة، لكن يبكى بدل الدموع دما في نهاية المسرحية عندما يفقد ولده قدميه في حرب خاسرة على كل الوجوه( ).

وتناول الكتّاب معاناة الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1967، من ذلك مشهد “ليل الضفة” لأحمد رفيق عوض، الذي تناول فيه من خلال الشكل العبثي المعاناة الإنسانية في الأرض المحتلة، ورسم من خلال الحوار الدائري المفتوح؛ المشاكل المحيرة، التي تعصف بالزمان والمكان، فطرح قضية النهايات المفتوحة للكثير من القضايا، وهمّ الهوية الوطنية، والقمع العالمي، وتهديدات القنابل النووية، مازجا ذلك بهم الضرائب، والقتل اليومي، والدم المتناثر، والحياة اليومية المملة بما فيها من تناقضات، وتجار المبادئ أصحاب الكروش، وسياسة العصا والجزرة، وعسكرة الفضاء، وغيرها من الهموم( ).
وصور سلمان ناطور في مشهد “بسيخولوجيا.. بسيخوماتيا” ، طبيعة الصراع الدموي الذي لا يبالي فيه الاحتلال باستخدام أبشع الوسائل، من ذلك العمل على تسميم مدارس البنات، لتعطيل القدرة الإنجابية عند الشعب الفلسطيني( ).

ويصور أدمون شحادة في مسرحية “الزائر الغريب” شكلا آخر من معاناة الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967، فمها “أم وديع”، امرأة فلسطينية من بيرزيت تعيش في رام الله مع ولدها “وديع”، وابنتها الجامعية “زهرة” بعد أن غادرها زوجها معين قبل خمس عشرة سنة، وقد استطاعت أن تعبر بهم مرحلة الانتفاضة، ومخاطرها، ومتطلبات الحياة، وحدها دون معين، معتمدة على أجر بيت صغير في بيرزيت، وحقل زيتون صغير، بعد أن صادر الاحتلال حقل الزيتون الكبير، الذي تصل مساحته عشرة دونمات.

ثم يتزلزل كيان هذه الأسرة في الواقع الجديد بعد قدوم السلطة الوطنية، إذ تظل الأخطار محدقة بالشعب الفلسطيني، ويظهر ذلك من خلال الزائر الغريب “مروان بلاطة”، القادم من أمريكا زاعما أنه يحمل مبلغا من المال من معين، ويحاول السيطرة على “مها” الأم، وعندما لا يفلح يعمل على تشجيع ابنيها على السفر لأمريكا، حيث الحياة المنفتحة، على أن يتزوج الابنة الصغيرة “زهرة”، وتبدأ شخصيته الغامضة بالوضوح نوعا ما، من خلال بحث الشاباك الإسرائيلي عنه بواسطة “ليليت”، ومتابعة الأمن الوقائي الفلسطيني لتحركاته عبر الضابط “حاتم أمان الله”، وتبين أنه فلسطيني، جاء يحمل الأموال، التي تبرعت بها الجمعيات العربية في أمريكا لصالح الجمعيات الخيرية في فلسطين لدعم الانتفاضة، كما تبين من جهة أخرى علاقته بالجمعيات اليهودية هناك، وتسليمه المال لشلومو، حتى يعبر به الحدود، ويستلمه في البلاد، كما أنه يبحث عن أقاربه اليهود من جهة أمه، وعندما يقع في أيدي ليليت وحاتم أمان الله اللذان يتصارعان على النفوذ في المنطقة، يخرج لهم بطاقة الحصانة الأمريكية، التي تمنع الطرفين من المس به على حد قوله، لكنه يعلن إصراره على اصطحاب وديع ابن مها لأمريكا والزواج من زهرة، مما يدفعها إلى قتله بمنفضة بللورية كبيرة في الفندق الذي يقيم به( ).
ومن الواضح أن الكاتب قد نأى قليلا عن واقع الحياة العربية ومجرياتها في أراضي السلطة الفلسطينية، لكنه صور استمرارية المعاناة، والمشاكل المترتبة على محاولات الشاباك والاحتلال الدءوبة للتدخل في حياة الفلسطينيين، بالإضافة إلى استمرارية مشاكل الفقر والهجرة المترتبة عن محاصرة الاحتلال لهم.

وقد سجل الكُتّاب معاناة الإنسان الفلسطيني في سجون الاحتلال، فقد أكد راضي شحادة من خلال مسرحية “السلام المفقود” على وجوه معاناة الشعب الفلسطيني، وسط المزاعم الداعية لتحقيق سلام ضائع غير قائم على العدل، فالسلام والعدل كما يراهما سوط يُضرب به الناس في واقع التضليل والخداع، فالإنسان الفلسطيني يعاني بكل فئاته، بعد أن أصبح عبدا مسخرا في أرض كان سيدها ومالكها، لا يمتلك حرية الكلمة، والتعبير عن الرأي، ويستعرض شحادة معاناة الفلسطيني في السجون الإسرائيلية، والاعتقال العشوائي الذي لا يميز بين صغير وكبير، أو بين فلسطيني وأجنبي، وما يرافق التحقيق من ادعاءات كاذبة واتهامات تقلب الحقائق( ).

وقد صور جمال بنورة في مسرحية “السجين” صنوف العذاب والألم، التي يسومها المحقق اليهودي للمناضل الفلسطيني، والصمود الأسطوري الذي يواجههم به، مما يعكس الصورة، لتصبح المعاناة هي معاناة المحتل في مواجهة صلابة المعتقلين( )، بينما يرسم صقر السلايمة صورة مقابلة في مشهد “الأرض والكرامة”، حيث يتوج المحقق اليهودي تعذيبه للمناضل الفلسطيني “فداء” بوضعه على الكرسي الكهربائي، وقتله بصعقة كهرباء، على أن يزعموا أنه هرب من السجن، وقتلوه في أثناء المطاردة، مما يعكس ألما ومرارة في نفس أبيه المشلول، وإخوته الذين افتقدوا عطاءه وتفانيه( ).