العرب والقتال على جميع الجبهات

التصنيف : آراء حرة (:::)
ابراهيم الشيخ – فلسطين المحتلة (:::)
بعد محاربة الاستعمار الغربي من قبل الشعوب العربية وانكفاء هذا الاستعمار عن البلدان العربية ولو شكليا، الا ان التدخل في شؤون هذه البلدان لم ينته، لان الدول الغربية  زرعت دول وأنظمة تابعة لها سياسيا واقتصاديا، بغض النظر عن شكل النظام الذي يحكم، ولم تشعر الدول الغربية بأي انزعاج من الانظمة الدكتاتورية المستبدة التي حكمت لعشرات السنين لأن مصالحها  كانت مؤمنة وغير مهددة.
ولكن هذا الوضع اخذ يتغير بقيام قوى وطنية وقومية بمحارية النفوذ الغربي الذي قسّم الوطن العربي الى كيانات منفصلة، وخلق دولة اسرائيل على الارض العربية، الى جانب ذلك كان امام الانظمة العربية وشعوبها محاربة الفقر والتخلف من اجل بناء مجتمعات متقدمة تنهي تبعيتها لدول الغرب والاعتماد على النفس، الا ان المشاكل لم تنته وبقيت بعض الدول العربية تعاني من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حتى الان.
في ظل الظروف الحالية الصعبة التي يمر بها الوطن العربي وحرب الاستقطابات القائمة، يبدو الوضع العربي معقدا بسبب التشتت وانفلات الاوضاع الامنية في بعض الدول العربية التي من الممكن ان تتسبب في خلق دول فاشلة ومقسمة، ولحد الان لم تجد الدول العربية قاسما مشتركا حول العديد من القضايا السياسية والعلاقات مع الدول الاخرى الاقليمية والعالمية، لذلك من الصعب تحديد من هوالحليف ومن هو العدو.
بدون شك  ان حالة العداء لبعض الدول قائمة، فالعداوة أو الكره لبعض دول الغرب التي استعمرت وقسمت الوطن العربي الى دويلات لم تنته بعد، خاصة وان هذه الدول ما زالت تتدخل في شؤون بلداننا، وازداد هذا العداء بعد اقامة دولة اسرائيل على الارض الفلسطينية من قبل بريطانيا وتقديم الدعم الغير محدود من قبل الولايات المتحدة الامريكية لهذه الدولة، ولذلك ترى بعض القوى في الوطن العربي بوجوب محاربة الولايات المتحدة  وتعتبر العدو اللدود لهذه القوى، وبالطبع هناك من لا يرى في الغرب عدواً وانما حليفا.
فالعرب قاتلوا في افغانستان ضد الاتحاد السوفييتي السابق جنبأ الى جنب ضد الولايات المتحدة وهناك تاسست القاعدة وبدأ هذا التنظيم بمحاربة الدول الغربية، وحارب العرب في العراق الى جانب الولايات المتحدة، وها هي امريكا تبحث عن حلفاء لحربها ضد داعش التي تهدد الجميع، ولكن الانظمة العربية لا تجرؤ على محاربة اسرائيل خوفا من امريكا، ويتضح هنا ان العرب لا يحاربون من اجل مصالحهم، وانما يجري استغلالهم لتحقيق مصالح الدول الاخرى.
اما عن الدول الاقليمية المحيطة بالوطن العربي كتركيا وايران وعلاقاتهم مع العرب،  فتركيا  كان لها نصيب  في استعمار الوطن العربي لمدة طويلة، فالبعض من الشعوب العربية يعتبرها عدوا ويرى فيها امتداداً للامبراطورية العثمانية، التي تحاول التدخل وتوسيع نفوذها من خلال تحالفها مع بعض الدول العربية،  اما الجزء الاخر من الدول العربية وشعوبها فيرى في تركيا دولة صديقة تريد مساعدة الشعوب العربية وخاصة من خلال دعمها لقطاع غزة ومحاولة فك الحصار عنه، وايضا مساعدة الشعب السوري، وهؤلاء العرب يرون فيها الدولة المسلمة التي من الممكن التحالف والتعاون معها.
اما بالنسبة للدولة الاقليمية الاخرى المجاورة للوطن العربي وهي ايران، التي تثير الجدل ايضا في الوطن العربي بين من يعتبرهذه الدولة صديقا للقضايا والشعوب العربية، وبين من يرى فيها العدو اللدود ويجب محاربته، ان البعض يكن العداء لايران على اساس عقائدي وسياسي، ويوجد في الوطن العربي قوى سنية تعادي ايران الشيعية،  أما فيما يتعلق  بالشق السياسي فدول الخليج لا تتفق مع ايران وتوجهاتها السياسية وتتهمها بالتدخل في شؤون الدول العربية وخاصة في البحرين، وايضا دعمها لبعض الجماعات والتنظيمات كحزب الله اللبناني وحركة حماس، والبعض الاخر يُنظر اليها كدولة تحتل اراض عربية كالجزر الاماراتية الثلاث و أيضا مشكلة الاحواز.
ان الوطن العربي محاط بدول اقليمية كبيرة كايران وتركيا، وهناك دولة وهي اسرائيل التي أقيمت في وسط الوطن العربي،  البعض يعتبرها  العدو الاول  للعرب وللبعض الاخر ليست كذلك،  ولهذه الدول اطماع  وطموحات مختلفة بالسيطرة على ثروات واسواق الوطن العربي ولذلك يجري صراع فيما بينها.
بالرغم من الصراع الذي يجري بين الدول الغربية الكبرى والدول الاقليمية على مناطق نفوذ في المنطقة فان الشعوب والانظمة العربية غير موحدة على من هو الحليف والعدو، والاعداء هنا كُثر، الغرب واسرائيل والقوى الاسلامية المتطرفة كالقاعدة وداعش والنصرة، وايران وتركيا وحتى الصين وروسيا اللتين انضمتا الى نادي الأعداء بالنسبة لبعض العرب، خاصة بعد تدخلهم الى جانب النظام السوري في الحرب المستعرة في سوريا.
فالانقسام طال الشعوب حتى في الدولة الواحدة حول من هو العدو الذي يجب محاربته ، وهذا يعتمد على انتماءات كل حزب  أو تنظيم  أكان سياسيا أم  دينيا، وفي بعض الدول العربية، فان من يعتبره الشعب عدوا ليس من الضروي ان يكون عدو الدولة ونظامها، وبالرغم من  التغيير الذي طال بعض البلدان العربية واسقاط الحُكام المستبدين فيها، فان الوضع الجديد للأسف لم يُوحِد الشعوب العربية بل وبالعكس ازدادت الانقسامات داخل الوطن العربي، واصبح من هو مؤيد ومعارض لهذه الثورات، وازداد اعداء العرب بسبب تدخل بعض الدول الاقليمية والدولية في الدول التي شهدت وتشهد ثورات الربيع العربي.
الانظمة العربية تنقصها رؤية محددة وموحدة لمن هو الحليف ومن هوالعدو الذي يجب محاربته، فهناك22 دولة عربية، وكل دولة تمارس سياسة مختلفة عن الاخرى لضمان مصالحها، دون النظر الى مصالح الدول العربية الاخرى، فالقومية العربية وشعاراتها بالوحدة لم تقدر على توحيد الوطن العربي، ومن ثم الانظمة العلمانية التي اتصفت بالدكتاتورية لم تقدرعلى خلق اي انسجام بين انظمتها وكانت سياستها متناقضة، دول اقامت العلاقات مع اسرائيل ووقعت معها معاهدات سلام معها، ودول اخرى رفعت شعار المقاومة ومحاربة العدو الصهيوني، والان تحاول بعض التنظيمات كداعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة طرح نفسها كبديل لهذه الانظمة ومسك دفة مركب الوطن العربي، ومن غير المعروف في اي اتجاه سيسير هذا المركب، فهذه الحركات الاسلامية غير موحدة، فالسلفي غير متصالح مع الاخواني، ناهيك عن السني مع الشيعي، ولكل من هذه القوى عدوها.
بدون شك ان التشرذم الذي يعيشه الوطن العربي واختلاف المواقف من القضايا المهمة  للعرب جعلتهم اعداءا لبعضهم البعض، ومن ثم خلقَ هذا الوضع اعداء كثر ويتم محاربتهم على اكثر من جبهة، واذا استمر الوضع على ما هو ولم تقم الدول العربية بتدارك ومجابهة الاخطار الجسيمة التي تواجه الوطن العربي فسوف تعاني الشعوب العربية وانظمتها من التشتت والانهيار.

ابراهيم الشيخ
كاتب وصحافي فلسطيني

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة