تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا

التصنيف : آراء حرة (:::)
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك (:::)
البعض يظن أن مهمة الكاتب سهلة ، قلم وورقه ومكتب وفنجان قهوه وعش حياتك واخبز مقالاً أو عموداً وقدمه ساخناً إلى القراء ، لأن القاريء لا يرضى إلا بالطازج . الكاتب الذي تغلب على كتاباته السياسة  يكون عرضة لأي شيء ، العقد النفسية ، الجنون بلا مقدمات ، أو يُصاب فجأة بذبحة صدرية ترسله إلى العالم الآخر وينوح الأحباب خلفه ” ياللي خطفك عزرائيل قبل ما تكمل مقالك ” ، أي شيء غير طبيعي متوقع أن يحدث له ، بعكس الإنسان البعيد عن هذا المجال ، هو حر يسمع الأخبار أو لا يسمعها ، يعرف بعض مما يحدث حوله أولا يعرفه ، الكاتب السياسي يجول العالم كله يومياً بل كل ساعة عبر وسائل الإعلام التي أصبحت أكثر من الهم على القلب وإلا ستكون كتاباته محصورة في أخبار العصر الحجري ، خلال هذه الرحلة يرى الكثير ، يتنقل بين أخبار الموت ورائحته ، تصطدم عيناه ببشاعات وجرائم وحماقات ترتكب باسم الأديان ، ودماء متجددة تُطلى بها سطح الكرة الأرضية وكأنها لحيوانات وليست  لبشر يقتل بعضه البعض ، تتعدد الرؤوية وتأخذ أشكالاً وألوانا مختلفة لكن كلها على حد سواء من الغم والنكد ونادراً وكأبرة في كومة قش ما يجد شيئاً يجعل شبه ابتسامة تلوح فوق شفتيه ، وماذا عن المحصلة النهائية ، اكتئاب من النوع الشرس ينتهي به إلى ما ذكرته سابقاً ، لكن سبحان الله فكما يوجد الداء يوجد الدواء وهذا من لطف الله ، بالنسبة لي وجدت الدواء الشافي ، العودة إلى الطفولة بكل براءتها وشقاوتها التي تغسل كل قتامات العقل والفكر وتعيده شفافاً كالبلور ، بمجرد أن أسمع صوت الأحفاد وهم يدفعون باب البيت وصخبهم يسبقهم ، أُلقي بالقلم حتى لو كنت أكتب عن الاسلوب الأمريكي في فض مظاهرات مدينة فيرجسون محللين لأنفسهم ما يحرمونه على الغير ،  أو إجرام الدواعش الذين يقطعون رؤوس الأبرياء ويصنعون منها ميداليات ، في ثوان أُلقي بسنوات العمر الشقي ولا أُبقي منه سوى ما لا يزيد عن عدد أصابع الكف لأتساوى معهم ، أتخلى عن وقار الشعر الأبيض وأتسابق للعب بألعابهم التي لم أسمع عنها في طفولتي ، طوال طفولتي لم أحصل سوى على لعبة أو اثنتين من البلاستيك ، أما باقي اللعب كنت أصنعها بنفسي من العلب الفارغة ، أتخلى عن نعلي لأتمكن من الجري والاختفاء ونحن نلعب ” الاستغماية أو المساكة ” ، أدخل في معارك وأُضرب وأُهزم ” بضم الألف ” أمام الكفوف الصغيرة الجميلة ، بكل سماحة أتركهم يعبثون بمكتبي وأوراقه وأقلامه ، أسمع النبرة الحلوة تفوه بها أفواههم وهم ينادوني ” جدو ”  أقول لهم أنا لست جدو ، لا تقطعوا علىَّ هذه اللحظات الجميلة وأنا أعود مثلكم . يعودون إلى منازلهم ، أشعر بالضيق وأتمنى لو امتد وجودهم لساعات وساعات أعيش مع طفولتهم البريئة التي لم تلوثها شرور العالم المتزايدة يوماً بعد يوم ، أرثى لهم ، إلى أي مدى ستكون قد وصلت هذه الشرور عندما يكبرون ويصبحون رجالاً وسيدات !! . ألملم حالي وأقول بصوت عال ” أحم ” وكأني أعيد إلى نفسي وقارها ، أعود إلى المكتب وأنا أشعر بالرضا وأشكر الله على جرعة الدواء المعالجة لأمراض الكتابة عن السياسة الملعونه والعالم المتقدم تكنولجياً المتأخر إنسانياً وأخلاقياً!!                                 .
edwardgirges@yahoo.com