الرئيس عباس وماذا يريد

التصنيف : سياسة واخبار (:::)
د. فايز رشيد – فلسطين المحتلة (:::)
خطاب رئيس السلطة محمود عباس أمام القيادة الفلسطينية (السبت ,16 أغسطس الحالي ) , يؤكد فيه على تمسكه بالمبادرة المصرية , ” فلا مبادرات غيرها , صالحة , من وجهة نظره – وحقيقة الأمر أن لا مبادرات اخرى مطروحة, وكذلك تلك التي قد تطرح مستقبلا ” . أبو مازن يعتبر : أن مصر ليست وسيطا , بل هي طرف يقف إلى جانب الطرف الفلسطيني ! . بداية : من الضروري التأكيد: على أن المبادرة  المصرية تساوي بين الضحية والجلاد , وهي تساوي ايضا بين فعل الإحتلال , وبين مقاومة هذا الاحتلال, فهي تدعو إلى : ” وقف الاعمال العدوانية بين الطرفين ” . كما ان جوهر المبادرة يفضي إلى : وقف إطلاق الناربين الفلسطينيين والكيان الصهيوني ثم اللجوء إلى المباحثات ! .
غالبية الفصائل الفلسطينية وفي بداية طرح المبادرة  أعلنت: الرفض التام لها , ولكن انطلاقا من الشعور لدى قياداتها باهمية الحفاظ على دور مصر السياسي , والجغرافي باعتبارها أكبر دولة عربية, وانطلاقا أيضا من مجاورتها للقطاع واهمية معبرها على الحدود بين الجانبين , أدخلت تعديلات عليها وأجمعت الساحة الفلسطينية بمختلف فصائلها وألوان طيفها السياسي , على هذه التعديلات. الذي حصل : أن إسرائيل رفضت , كما هي عادتها, كل المطالب  الفلسطينية الست , ووعدت بدراسة بعض هذه القضايا فيما بعد . الشيىء الوحيد الذي وافقت عليه إسرائيل هو : تحسين حركة المرور في المعابر مع القطاع للأفراد والشاحنات التي تحمل مساعدات إنسانية إلى فلسطينيي القطاع . إسرائيل انطلقت في موافقتها على هذا الأمر : من محاولة تجميل الوجه القبيح لاحتلالها للارض الفلسطينية , وللتخفيف من  انعكاسات , مذابحها وجرائمها , وحرب الإبادة الجماعية التي اقترفتها وتقترفها ضد الفلسطينيين عموما , وبخاصة في عدوانها الحالي على غزة , انعكاس كل ذلك على الساحة الدولية , بعد الاهتزاز الكبير في صورتها .
إسرائيل ( وعلى الطريقة الكيسنجرية : الخطوة خطوة ) تحاول التلاعب والالتفاف في المفاوضات الدائرة في القاهرة , لإقناع الشارع الإسرائيلي بإنجازات تحققت . الإسرائيليون في غالبيتهم العظمى يعتبرون عدوان دولتهم على القطاع , عادلا ! فوفق لإحصائية أجراها ” معهد إسرائيل للديموقراطية ” يعتبرون  :  أن الحرب التي تشنها دولتهم على الفلسطينين , مشروعة ! هذا بالتالي يلخص : توجهات غالبية الإسرائيليين , لذا   فإن القيادات الإسرائيلية معنية بالتمسك بالرفض الإسرائيلي للمطالب الفلسطينية  جملة وتفصيلا , ولن يكون من السهل على نتنياهو معاكسة هذه الصورة .
تجربة مصر مع إسرائيل , حول انسحاب الأخيرة من مدينة طابا تؤكد بما لا يقبل مجالا للشك : أنه كان من الأولى لمصر , إدراك حقيقة التنكر الإسرائيلي للاتفاقيات , فإسرائيل أصرت على الاحتفاظ بمدينة طابا باعتبارها : مدينة ” إسرائيلية ” . هذا رغم اتفاقية كمب ديفيد الموقعة بين إسرائيل ومصر, وكان من بين بنودها : الانسحاب من طابا . بعد تحكيم في محكمة دولية فقط , وافقت دولة الكيان على الانسحاب من المدينة وبعد تعنت مرير ! طرحنا ما قلناه سابقا بهدف : استحالة موافقة إسرائيل على أية مطالب فلسطينية أو عربية من خلال المفاوضات , فلماذا تصر مصر إذن على تأجيل المطالب الفلسطينية للمفاوضات اللاحقة ؟ هذا الأمر يبرز إلى الواجهة : حقيقة الدور المصري والتساؤلات المشروعة عنه .
الرئيس عباس وبالرغم من وضوح كل جوانب هذه الصورة , يعلن عن تمسكه بالمبادرة المصرية. هو أيضا قال في خطابه أمام القيادة الفلسطينية ” المهم بالنسبة إلينا وقف القتل ونزف دماء الفلسطينيين ”  . قتل الفلسطينيين قائم منذ قيام دولة الكيان , سواء بعدوان عسكري واسع أو من دونه . بالعكس بعد اتفاقية أوسلو مع إسرائيل , زادت الأخيرة من مذابحها واستيطانها وجرائمها ضد الفلسطينيين , هذه هي الحقيقة الاولى . الحقيقة الثانية: أن تجربة المفاوضات التي خاضتها السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني لم تسفر سوى عن : المزيد من التعنت الإسرائيلي في رفض الحقوق الوطنية الفلسطينية , والمزيد من سرقة الارض وهدم البيوت وتجريفها وخلع الأشجار , والمزيد من الشهية الإسرائيلية لالتهام المزيد من التنازلات الفلسطينية , والمزيد من فرض الشروط التعجيزية على الفلسطينيين من أجل دويلة منزوعة السيادة جوهرها: حكم ذاتي منزوع الصلاحيات .
وبالعودة إلى الرئيس عباس وما يريده من خطابه الآنف الذكر , يمكن القول : أن أبا مازن وبالرغم من اضطراره لتغيير خطابه السياسي في أوج الصمود الفلسطيني والرد بنجاعة على العدوان وإيلام الشارع الصهيوني , فإن الرئيس يحاول العودة إلى نهج المفاوضات مع إسرائيل . كما يحاول إحالة كل المطالب الفلسطينية التي تتمسك بها الفصائل الفلسطينية إلى المفاوضات . كما يحاول إثبات : أن السلطة هي المرجعية لكل القضايا الفلسطينية . أيضا فإنه يود تثبيت وتسييد نهج المفاوضات وأن نهج المقاومة المسلحة لا يجلب سوى الدمار والقتل للشعب الفلسطيني .