الكياسة والتياسة.. تتفقان وزناً ومبنىً، وتختلفان دلالة ومعنىً؟!

التصنيف : آراء حرة (:::)
طلال قديح *
مع الواقع المرير الذي يعيشه عالمنا العربي في معظم أقطاره، حتى لم يُبقِ مساحة للتفاؤل ، أو الإحساس بالفرح ولو للحظات معها يتجدد الأمل بحياة أفضل- لا بد من الهروب  بعيداً عن دروب السياسة وما يكتنفها من صعاب، ليس لها آخر، وما يحيط بها من مخاطر.
لذا رأيت أن أهرب إلى الأمام مبتعداً عن مناظر القتل والدمار التي يشيب لهولها الولدان..وأدير ظهري لفترة وجيزة وأغمض عيني فلا أشاهد ما تبثه وسائل الإعلام عما يجتاح  عالمنا العربي من حوادث جسام  مرعبة، أحرقت الأخضر واليابس، وطالت كل مرافق الحياة، فتركتها خراباً يباباً، كأن لم تغن بالأمس!
وهأنذا أدلف إلى موضوع مقالي، بحذر وبخطا متثاقلة، فأقول: ماأحوجنا للكياسة! في هذا الزمن الذي سادت فيه التياسة، حتى ظن أهلها أنهم على صواب وأن أفعالهم وتصوراتهم بمنأى عن الخطأ ، وهي سوية صحيحة، ولا غبار عليها!                           التياسة ، لغةً نسبة للتيس ، ذكر الماعز، وهي تعني الغباء بكل أشكاله، والحماقة بكل معانيها.. ودرج العرب على وسم الغبي والأحمق، والجاهل، وسريع الغضب- بالتيس.
وغالبا ما يتصرف الموصوف بالتياسة ، برعونة وغباء متجاوزاً كل حدود الأدب، ويتصرف بلا ضوابط، متحدياً كل المعايير والأعراف، بل ويضرب بها عرض الحائط بلا مبالاة. لا يمنعه خلق ولا حياء.
ومما يؤسف له ويؤلم حقاً أن تجتاح أمواج التياسة  وتعصف بكثير من المسلٍّمات ، وتبعد الكثيرين عن جادة الحق والصواب.  ولعل البعض جرفه تيارها دون أن يدري أين تودي به؟
التياسة مُضلّة ، مُملّة، تورد أهلها المهالك، وهي داء عصيّ على الدواء، على حد قول الشاعر- بتصرف:
لكل داء دواء يُستطبُّ به   إلا التياسة أعيت من يداويها !
أما الكياسة فهي على النقيض من التياسة، فهي تعني الذكاء والفطنة وبعد النظر والحلم والأناة والصدق والحياء..إنها موحية بكل معاني الشهامة والنخوة والمروءة والشرف والإيمان ، لذا قيل ” المؤمن كيّس فطن”
كان للكياسة عند العرب المنزلة الأسمى، بها يعتزون وبها يفخرون ويفاخرون شأنها شأن الحسب والنسب والشجاعة والكرم.
وما أحوجنا في هذا الزمن العجيب إلى ذوي الكياسة، لأنهم القادرون على أن يمخروا بنا عبر هذا المحيط المتلاطم فنصل إلى بر الأمان!
والإنسان الكيّس، لبيب أريب، يظل يصدر في أقواله وأفعاله عن بصر وبصيرة، يقدّر لخطوه فبل السير موقعها ، بعيداُ عن الطيش والزلل، واضعاً الأمور في نصابها ومسارها السليم.  ولا يدفعه الغضب إلى التصرفات الطائشة ، كما يفعل نقيضه التيس. بل يملك نفسه عند الغضب، ويكبح جماح ثورته، التي سرعان ما تهدأ ويسود العقل والحكمة.
أما أهل التياسة ، فندعو الله أن يبعدهم عنا، ويجنبنا كل مخططاتهم التي لا يمكن أن تأتي بخير أبداً. علينا أن نكون أشد حذراً من مكرهم ومكائدهم التي  تطالهم قبل سواهم ، لأنهم لا يعون ما يفعلون، ولا يدركون عواقب الأمور.. يخبطون خبط عشواء، قد تصيب وقد تخيب، بلا تخطيط أو ترتيب،  ليس إلا.
وقد يصيب التيس أحياناً، فيتوهم سلامة سلوكه ، ويستبد به الغرور، ويركب رأسه،  وما يدري أنها نادرة لا غير، ويتصرف بحماقة، تورده المهالك. و”على نفسها جنت براقش”.
ولعلنا لا نغالي أو نذهب بعيداً، إذا قلنا: إن كل ما اجتاح ويجتاح العالم من كوارث وحروب عبر كل الأزمنة،  إنما سببه التياسة والحماقة، فأهلها أوردوه المهالك وجرعوه كل صنوف العذاب.
ومهما يكن من شيء فالتيس تيسٌ ، ولو بين الخيول ربا..
اللهم جنبنا تيوس هذا الزمن، وأبعدهم عنا، وارزقنا صحبة أهل الكياسة ، لأنهم أهل حلم وأناة، ومصدرخير وعطاء،  وذوو فكرنيّر ووفاء.
• كاتب ومفكر عربي
• 17/8/2014م