كيف تكتب الرواية : ذلك النهر العميق الذي يتلاحم مع بحر الحياة

ك

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)
كيف تكتب الرواية :ذلك النهر العميق الذي يتلاحم مع بحر الحياة!!
بقلم : بكر السباتين * (:::::)
كيف نستمع إلى بوحهه الوجودي!!
تعرف الرواية على أنها سرد نثري طويل تصف شخصيات خيالية وأحداث على شكل قصة متسلسلة، كما أنها أكبر الأجناس القصصية من حيث الحجم وتعدد الشخصيات وتنوع الأحداث وقد ظهرت في أوروبا بوصفها جنساً أدبياً مؤثراً في القرن الثامن عشر، والرواية حكاية تعتمد السرد بما فيه من وصف وحوار وصراع بين الشخصيات وما ينطوي عليه ذلك من تأزم وجدل وتغذيه الأحداث.
يقف الكاتب أما بياض الورقة مشنفاً أذنيه لرواة استحضرهم من قلب زوبعة هبت في رأسه.. سنابك الخيل التي قدحت الصخر وأثارت الغبار إذْ يمتطي صهوته فارس ملثم (بطل الرواية).

الكاتب يراقب تحركات تلك الشخصية المبهمة التي صنعت الحدث في رأسه وهمت على الهرب بالتفاصيل تاركةً الحيرة تلتهم رأس الكاتب المُعتصَرُ بيديه.
يختال الفارس مماحكاً ذكاء الكاتب وهو يتجول على بياض الورقة غير آبه بالصداع الذي نشبت نيرانه في الرأس الملتهب.

الكاتب يصبح أمام خيارين. فإما الإيهام بأنه فهم الموقف راسماً خارطة تحركات هذه الشخصية وعلاقتها التراكمية بالزمان بكل ما في السرد من ضحالة.. كمن يراقب تسلل النهر الجاري من بعيد دون الإحساس بدوي التلاقي المليء بالصراعات الحيوية في أعماقه حينما يصب في غياهب البحار.. أي الكتابة لأجل التسلية واستلهام الحكم الإرشادية والقيم المعرفية من حادثة التلاقي فقط دون البحث عن تفاصيله في الأعماق التي يحتاج البحث فيها إلى معرفة بتقنيات الغوص والسباحة في المتخيل من الأماكن والأزمنة لرصد تفاعلات الطبائع الأحيائية مع بعضها ومع تقلبات الطبيعة للخروج بأصل الحكاية ومن ثم سردها دون تدخل من الكاتب وتركها تتفاعل مع المتلقي حتى يتخذ موقفه إزائها.

أو البحث في التداعيات الجوانية  للبطل واستنطاق بقية  الشخصيات الأخرى المتشابكة مع مسارات الطريق ومنعطفاتها التي تشكل الحدث العام للرواية  باستخدام تقنيات الرواي وأدواته.

عودة إلى الفارس الملثم الذي يماحك الكاتب القلق من عربدته على الورقة دون إعطاء تفاصيل عن نفسه.. سوى حكاية مباشرة رسمتها سنابك الخيل على بياض الورقة توضح من أين خرج هذا اللغز ومن ثم تحديد مساراته وصولاته مع شخصيات أخرى في تقاطعات ضحلة من خلال الراوي الذي يسير على عجلة من أمره وقد أغلق على الحكاية صناديق الذاكرة، وحرم بذلك على الشخصيات متعة البوح، فتتحول برمتها إلى رواية مباشرة، مليئة بالتقاطعات الضحلة الموصوفة من الخارج؛ من أجل رسم معالم الطريق البسيطة المباشرة وفق الخيار الأول، لمسارات الحدث، بعد التحلل من العقدة وارصد ظلالها في مكان واضح المعالم، وزمن تراكمي يمر عن الذاكرة سريعاً فيعلق به من غبارها ما تثيره الأحداث المباشرة الآنية، دون غوص في تفاصيلها الجوانية التي توضح عادة العلاقة السببية التي تربط الصراعات البينية بنتائجها؛ فتفقد الرواية عمقها ويضعها هذا الأمر في مرتبة التسطيح والمباشرة.

من هنا قد يتخذ الكاتب موقفه بناءاً على الخيار الثاني.. فلا يجد بداً من طرح أسئلته على الرواة الذين انتشروا في قلب الفكرة المتأزمة في رأسه.
أحد هؤلاء الرواة سيكون لصيقاً بالفارس وراصداً لانفعالاته إزاء الأحداث المتصاعدة المحيقة به، ومن ثم تقديم الوصف المناسب والمعزز بالصور الفنية لردة الفعل السلوكية لذات الشخصية، وتأثير ذلك على الوصف الخارجي لها من خلال تطوراتها على قسمات وجهه في إطار لغة واقعية عاكسة دون حاجة للزيف الإصطناعي والأقنعة.
وهناك أيضاً الراوي الذي يرتحل مع الشخصية من أعماق الماضي حتى الدخول معها في زمن الرواية الحاضر محملاً بكل أعباء الذاكرة،  وصولاً إلى مشارف الورقة البيضاء التي يصول ويجول على بياضها ذات الفارس الملثم ( البطل) وقد شُرِعَ يإماطة اللثام عنه.

كذلك الراوي العالم الذي يشرف على تطورات الحدث الخارجية من أعلى نقطة يسمح له فيها لرصد كل المسارات من خلال عين الصقر. بينما يجوس آخر في أعماق تلك الشخصية لرصد حواراتها الجوانية وبين الأنا والآخر.. سواء بإثارة الأسئلة أو البحث عن مسببات المواقف التى يميط عنها اللثام رواة متواصلون معاً لتوضيح نتائج تفاعلاتها بالتحليل.

يأتي دور الكاتب هنا بامتطاء زوبعة من الخيال لتتجول به في تفاصيل الحكاية عن كثب، كما رويت عليه في وحدة موضوعية متماسكة، دون تدخل منه أو تحرش بأحد.
فهذه الأماكن التي عاشت فيها الشخصيات تطورت بفعل الأزمنة المتشرذمة؛ إذ لا بد أيضاً في ذات السياق من مراعاة اسقاطات الشخصيات المحورية النفسية عليها، حيث سيتسارع تحت وقعها الزمن أو يتباطأ.
ثم يتعرف الكاتب على الشخصيات الرئيسة والثانوية المشاركة في الحدث مع إبراز ملامح بطل الرواية، تلك الشخصية المحورية في العمل الأدبي (وشخصيته دائماً ما تكون مرنة قادرة على التغير).. ويشتم خلال ذلك رائحة الحب، الكره، الجنس وتعدد الميول، التي تكون قد علقت آثارها في الذاكرة الجمعية العميقة لكل عناصر الرواية من زمان متراكم أحياناً أو متشرذم وأثر ذلك على تطورات المكان والشخصيات.
ثم يستمع الكاتب جيداً للحوار بمستوييه الخارجي المباشر والداخلي الجواني.. وصولاً إلى الغوص في تفاصيل الحبكة ( النمطية أو المركبة) التي تتصاعد فيها الأحداث حتى ذروة العقدة؛ ليعقبها الحل الذي قد لا يرضي المتلقي..اذْ تصنعه مكونات الحدث المليء بالصراعات بعيداً عن المبالغة والإرضائية لمزاج المتلقي وميوله.. والتجرد من الأدلجة والتسييس المخطط لهما مسبقاً في أطر دعائية، بل ترك هذه المهمة لخيارات الشخصيات كي تمارسها بعفوية من خلال التطور الطبيعي مع مراعات مقتضيات المرحلة التاريخية والصراعات الأممية وإسقاطاتها على أمزجة الشخصيات دون تحريض من الكاتب أو فرض للإنتماءات عليها.

الكاتب بعدما يتشبع من مكونات الرواية ينهج سلوك المعماري  بناء النص. فيراعي في المعمار الروائي الخارجي الجميل  تكويناته الفسيفسائية بما يتناسب وشخصية االرواية وملامحها الزمكانية كي تشبه بيئتها تحقيقاً للأصالة؛ على أن لا يسقطها ذلك في تمجيد الأنا الجمعية في أطر عنصرية ترفض الآخر وتقلل من شأنه؛ لأن الهدف من الخاصية البيئية للرواية هو التعبير عن روح المجتمع وخصائصه بلغة ناقدة بعيداً عن التوتر العصبوي والإقليمي من خلال تعزيز انتمائها للإنسان في كل زمان ومكان.. مع إيجاد التباينات الشكلية التي تشوق المتلقي كي يقتحم عالمها دون ملل.. ليخرج من الباب الآخر وفي جعبته موقف ما.

حينما يصوغ الكاتب روايته منذ أن يغمس قلمه في المحبرة؛ يتحول المداد فيها إلى دم سيبعث -لا ريب- الحياة في عالم نهري عميق المجرى.. يصدح خرير مياهه المتدفقة عالياً حتى لتتجاوب معه السدم والمجرات.. سواء كان عالماً واقعياً أو رمزياً كما في تجارب محفوظ وبلزاك.. أو واقعية سحرية كما ألفناها في التجربة اللاتينية متجلية في أعمال جبرائيلا ماركيز وباولو وغيرهما من عمالقة أمريكا اللاتينية.. ناهيك عن الرومنسية التي اشتهر بها الفرنسي (فرانسو رينيه الفيكونت)الذي بحث عن اسرار الطبيعة وفطريتها من خلال معايشته لحياة الهنود الحمر في القرن التاسعة عشر.. في الفترة التي عاش فيها فكتور هوغو.. كذلك الفانتازية التي طرقت أبوابها برؤى مختلفة تراوحت ما بين استلهام التاريخ بكل ما فيه أحياناً من قسوة.. أو رصد المستقبل من خلال ترحيل أزمات الحاضر إليه..

المقومات الفنية للرواية
الطول ليس العنصر الوحيد الذي يميز الرواية عن باقي الأجناس الأدبية النثرية الأخرى، وإنما توجد مقومات فنية أخرى تجعلها ممتعة لقرائها. ومن هذه المقومات الفنية العناصر التالية:
*موضوع الرواية:
يدور العمل الأدبي فيها حول حادثة رئيسية واحدة، تتفرع منها أحداث ثانوية أخرى متعددة.
*التفصيل في الرواية:
من خصائص الرواية أن كاتبها يميل إلى الإسهاب في سرد الأحداث بما فيها الزمان والمكان ولا يترك شيئاً إلا أن يقدم له وصفاً مفصلاً.. حيث أن الرواية تستمد طولها من هذا الوصف التفصيلي. ويضم الموضوع العديد من الأمور التي تعكس دقائق الأمور في بيئة أو مجتمع، فنظرة الكاتب هنا في الرواية هي نظرة شمولية لا تقتصر على خبراته الشخصية وإنما تشتمل على أحداث وطبائع وعادات وأزمنة قد لا يكون مر بها.
*فنية الرواية
هناك بعض النقاد يشيرون إلى أن الرواية تفتقد إلى عنصر الفنية لتشعب أحداثها والوقوف على تفاصيل يتم الإسهاب فيها. أي أن حرية الكاتب سواء للإيجاز أو الإسهاب (بالطبع دون أن تتأثر المقومات الأساسية في كتابة الرواية) يعنى عدم التقيد، وعدم التقيد يعطي سهولة في الكتابة ولا يكون هناك احتياج للدقة.
*طبيعة الرواية:
تقدم الرواية سرداً لأحداث وأزمنة وأماكن كثيرة، وهذا يتطلب أن يكون كاتبها مؤرخ للتاريخ، أو أن يكون باحثاً اجتماعياً ملماً بكافة التفاصيل حتى تتوافر المصداقية في روايته لأنه يتناول الحدث وكأنها تحدث في الحقيقة.. الأمر الذي يتطلب الدراسة المتعمقة لكافة الأنماط المحيطة به في البيئة لكي تبدو طبيعية لتتوافر واقعية الأحداث. فالإنسان ينجذب إلى كل ما هو واقعي أو اجتماعي يحدث من حوله.
*ذاتية الرواية:
راوي أو سارد أو كاتب الأحداث بوسعه أن يعرض وجهة نظره الذاتية من خلال موضوع الرواية- لكن بطريقة غير مباشرة، في حين أن الأنواع القصصية الأخرى تكون موضوعية تقل التفاصيل فيها وتلتزم بقالب فني معينأ ما عن أنواع الرواية، فهناك الرواية العاطفية (الرومانسية)وهي الرواية التي تغلب عليها قصص الحب والمثالية، ولا تلفت إلى مشكلات المجتمع أو الحكم أو المشكلات السياسية الأخرى كرواية ماجدلين التي عربها المنفلوطي. وهناك أيضاَ الرواية البوليسة التي اشتهرت بها أغاثا كريستي..
أو يُطلق عليها رواية الجريمة، قوامها التشويق والإثارة حيث تُقدم الرواية في صورة ألغاز الجريمة التي يسعى القارئ حلها طوال قراءته للرواية أو مشاهدته لها بالبحث عن المجرم من خلال تتبع أحداث الجريمة.

ثم هناك أيضاً الرواية التاريخية ذات النمط السردي الذي يستمد أحداثه من التاريخ بل وشخصياته أيضاً التي اشتهر في سياقها الفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف، ورواية التاريخ (الرواية التاريخية) هي رواية الماضي لأنها دائماً ما تقص أحداث وشخصيات عظيمة وأبطال شهدتها العصور السابقة.

فالرواية التاريخية هي توثيق الصلة بالماضي، والتاريخ له أدب مستقل بذاته والشخص الذي يقوم بسرد التاريخ معروف بالمؤرخ. وبالاستناد إلى التاريخ يمكن لمؤلفي الأجناس الأدبية المختلفة اقتباس شخصيات لها علامات بارزة وأحداث هامة تكون مادة لعملهم الأدبي ألا وهو الموضوع الذي تدور حوله الرواية. وهناك نوع آخر من الرواية التاريخية والذي يعرف باسم الرواية التاريخية الشعبية مثل: ألف ليلة وليلة. والنمط الآخر متمثل في الرواية التاريخية التعليمية، فالتاريخ ليس فقط عرضا لتراث السلف وإنما تربية النشء بتعليمه المبادئ ذات القيم الحميدة التي كان يقتنيها الأجداد.

أما الرواية السياسية فهي رواية النضال الإيجابية العادلة ومكافحة السلبية، أو هي رواية المبادئ المعارضة للفكر السائد ضد الحكم والحكومة كتجارب حنا مينا في شرق المتوسط. فالرواية السياسية تناقش القضايا السياسية الموجودة على الساحة، ويكون ذلك إما بشكل مباشر أو غير مباشر لموضوعات عن طريق استخدام الرمزية. وبالنسبة للرواية الوطنية فهي رواية التضحية من أجل الوطن والبحث عن الحرية من براثن الاستعمار الذي يمثل الظلم وقد برز في هذا النوع الفلسطينييان غسان كنفاني وإبراهيم نصر الله .

ويمثل الأحداث في الرواية الحربية بطل واحد بعينه الذي يقدم نضال شعب بأكمله من خلاله.
والرواية الواقعية هي سرد لقصص لأشخاص واقعيين وأحداث حقيقية من خلال الأساليب الدرامية للرواية. وغالباً ما تهدف إلى تغيير هذا الواقع الذي يقدمه مضمون الرواية لخدمة المجتمع وإصلاحه بتدعيم القيم الإيجابية والطاقات، وذلك بتقديم نماذج إنسانية متعرضة للأزمات. توجد أنواع عديدة للرواية الواقعية: واقعية نقدية، واقعية تحليلية، واقعية جديدة، واقعية رمزية، واقعية فلسفية كتجارب كل من نجيب محفوظ ويوسف إدريس.
ويمكن إدراج رواية المشردين في هذا الإطار وهي التي يكون فيها البطل شخصا يعاني اجتماعياً ويقابل العديد من الصعوبات والمغامرات التي من خلالها يرى العالم من حوله ثم يعقب بسخرية، ويحاول التغلب على هذه الصعوبات لكي يحيا كشأن التجارب الكلاسيكية في هذا السياق ل تشارلز ديكنز وفكتور هيغو. فيما تباينت الواقعي من خلال الواقعية السحرية التي ظهرت في أعمال روائيي أمريكا اللاتينية.

وهناك أيضاً الرواية الوجدانية والنفسية المُلْغَزة.والفانتازية (التي يكون بها أشباح وكائنات خارقة للعادة. ثم أخيراً الرواية الشعرية كرواية هاري بوتر).
وتجدر الإشارة إلى أن أهم المدارس الأدبية التي درجت الرواية في سياقاتها:
الكلاسيكية،الواقعية، الحداثية، مدارس ما بعد الحداثة، نظرية السرد.

ولعل الحديث عن الرواية يقودنا إلى تقصي أسباب المتعة في ولوج عالمها السحري.. ولا شك أن ذلك يتجلى في متعة السرد والتخيل واللغة.. ومتعة الإيهام بالحقيقة.. والمتعة الشعرية.. والتوقع بأن الحياة ليست دائماً جميلة.. فالنهر العميق قد ينتهي بشلال يثير الدهشة أو تحاصرة السدود لكنه في غالب الأمر ذلك النهر الذي سيتلاقى طائعاَ لمصيره المحتوم مع بحر الحياة.

_____________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/