خطورة الفوارق الاجتماعية بالمغرب

التصنيف : دراسات (:::)
محمد بونوار – المانيا (:::)
بقدرة قادر أصبح بعض الناس في زمن قصير من أثرياء البلد , وهم مجموعة لاباس بها , الارزاق بيد الله كما يقول المغاربة , لكن الملاحظ أن هاته الطبقة المحضوضة عوض أن تتصدق بنصيب من المال لبناء مستشفيات أو مساجد أو دور للعجزة أو غيرها من الاعمال الخيرية , تراهم يضاهون الملك نفسه فيقومون ببناء قصور عوض فيلات , طبعا بحرسها وخدمها  الخاصة وسياراتها ومربيات الاطفال وغيرها من مظاهر الثراء والبذخ .
وهناك من نفس هذه المجموعة من أصبحت هوايته أخذ الصور مع الفقراء المستضعفيين وهم يوزعون الحليب أو مشتقاته  أو الخبز أو بعض الدراهم المعدودة بقصد التباهي وليس بقصد الصدقة  ,وبدون غضاضة يرفعون الصور على مواقعهم الاجتماعية  بحثا عن الشهرة وتسلق المراتب والتباهي والتظاهر   .
ولو كانوا يعلمون أن ذالك اٍهانة وتحقير وتجريح لعواطف المحتاجين لما قدموا على مثل هذا العمل الحقير , والذي يمكن أن يعمق الفوارق الاجتماعية في الفكر  لدى كثير من المواطنيين .
التظاهر بالغنى أصبح ظاهرة منتشرة  بين سكان المغرب , والوقوف عليها يستوجب دراسة معمقة لانها حالة غير طبيعية بدون شك .
قديما كان الانسان يجلس في المقهى ولا يلفت أنظار المارة ولا رواد المقهى , وكان الكلام مفيد وصحي للفكر والذات والنفس , يساهم في رفع الثقافة والوعي والوطنية والانتماء وغيرها من الخصال الحميدة .
اليوم أصبح العكس , يجلس المغربي في المقهى ويعرض هاتفه النقال  وعلبة السجائر ومفتاح السيارة ونظارات الشمس فوق الطاولة أولا , تم  يرفع حاسوبه بثبات ساءلا النادل عن امكانية استعمال الكهرباء لتشغيله , وبعد أن يفتح حاسبوه يطلب ما تيسر من المشروبات , وبعد برهة من الزمن يبدأ في المكلامات وكأنه رجل اعمال لشركة متعددة الاسهم .
الثروات المادية واللا مادية في المغرب ليست مقسمة بالعدل , هناك من يستحوذ على خيرات البلاد بوسائل غير ديموقراطية وغير مشروعة .
منذ زمن قديم  قسمت المقالع والعيون والرخص والاراضي بين المحضوضين من المغاربة في ظروف غامضة , كما استحوذت أخرى على ما يسمى بالرخص الفردية , والتي تجيز لهم وحدهم في المغرب أن يتاجروا  في مادة البن أو الحليب أو الدقيق أو العجلات أو الادوية أو  …
من الطبيعي أن الانسان الذي ينفرد لوحده في  دولة قوامها 40 مليون نسمة لبيع مادة معينة أن يصبح غنيا , بل فاحشا في الغنى  من الثروات التي يجمعها بطرق ملتوية  .
ومن الطبيعي أن هولاء المغاربة يقتنون الطائرات الخصوصية لسفرهم وسفر عشيرتهم , وعوض أن يعيشوا في منازل وفيلات فاٍنهم يعيشون في قصور , نعم قصور تفوق الخيال . وغير عزيز عليهم أن يسددوا مصاريف الدراسة لابناءهم مهما بلغت الارقام .
وصلني خبر أحد أغنياء البلد أن مصاريفه مع الهاتف النقال تتجاوز 20 ألف دولار في السنة , وهذا الرصيد اٍذا ما أمعنا فيه النظر  فاٍنه يكاد يتجاوز رواتب 4 موظفيين في القطاع الحكومي لمدة سنة كاملة .
انها المعادلة الصعبة  والتي ليست باليسرة سواء على مستوى الابعاد الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية .
البعد الاجتماعي
هذه الفوارق الاجتماعية الكبيرة يمكن أن تقلب عقلية المواطن في أقل وقت من الزمن لكي يتحول من متواضع ومسالم الى حاقد على الوضع والوضعية ومتأهب للقيام بأي شيئ من أجل تسوية المعادلة الاجتماعية .
من جهة ثانية الايمان وراء الجري وجمع المال بجميع الطرق يؤدي حتما وبسرعة الى الارتقاء من درجة مواطن عادي الى مواطن ثري , وهذا الثراء يجلب لهم تلقائيا امتيازات التقرب الى أعيان السلطة والمراكز العليا وأصحاب القرارات النافذة , ويتيح لهم الفوز بالصفقات المعروضة والمعاملات المتميزة و …
البعد السوسيو ثقافي
اعراض البعد السوسيو ثقافي كثيرة ومتنوعة وسوف نحاول تلخيصها باٍيجاز بسيط , الامر الخطير في هذا المجال هو عدم القدرة على المشاركة في جميع التظاهرات التي لها صلة بالثقافة والهوية والانتماء , وبالتالي تتراجع لدي الفرد  حماسة الدفاع عن الوطن ومكتسباته والاستمتاع بثمار التطور الحضاري والتنمية . علاوة على ارتفاع الجرائم والاختلاسات والسرقات  وظهور مشاكل اجتماعية – التفكك الاسري – ونزول الاطفال الى مجال العمل في سن مبكرة .
من جهة أخرى هناك مشاكل فكرية وأخلاقية , حيث يدفع الفقر الى صعود درجات التشاؤم واليأس في النفوس وهو ما بفضي حتما الى عدم التفكير بدقة .
البعد السياسي
في ظل هذه الظروف يمكن لاي كان أن يتصور ردود فعل المواطن المغربي  تجاه الخطاب السياسي المستعمل من طرف الاحزاب , والتي لا تلامس برامجهم تطلعات المواطنيين .
وتفتقد – أي الاحزاب –  الى تصورات اصلاحية جذرية , فما بالك بممارسة السياسة والدعاية لها .
انكشفت اللعبة وأصبح الكل يعرف أن الاصلاح كلمة كبيرة , لا تأتي بين عشية وضحاها ,
بل الامر كما سبق ذكره يستوجب دراسات وخطط وبرامج وقوانين للخروج من هذه الازمة  .
البعد الثقافي
تتراجع منظومة الثقافة وتتكاسل ويقع فتور واضح على مستوى العطاءات والابداع , وهو ما نشاهده اليوم بالواضح في المجال الثقافي الخالص ,سواء في  التلحين , أو الاخراج , أو التمثيل , أو الكتابة بجميبع أنواعها , والسبب بسيط  لان المردودية جد ضعيفة , أو منعدمة من هذا العمل المظني فكريا .
علاوة على هاجس جمع الثروة بجميع الطرق الذي نال من عقلية المغاربة بدون تمييز , ولعمري أن هذا المعطى قد يكون هو الشيئ الوحيد الذي أصبح يهيمن على العقلية المغربية فبل أي شيئ آخر , اٍنه الفكر المادي الذي طغى واستحوذ على الجميع بدون استثناء , ومهما كان مستواهم وثقافتهم وانتمائهم . اٍنها ظاهرة خطيرة لا يفطن بها الكثير , و لا يشعر بها اٍلا القليل , أمر يستوجب البحث والدراسة .
وأخيرا , التحاليل والدراسات الاجتماعية تقوم بها دائما الطبقة المثقفة وليس الحكومة , وهذا أمر شائع في جميع البلدان , لكن عندما تصبح عملية الاحتواء هي الشعار المتداول  في الثقافة , طبعا تتراجع الطبقة المثقفة الى الوراء , وتفقد الحكومة البوصلة
لابد من الاشارة أن أي تقدم يأتي دائما  من النقد  البناء والصريح  مع تقديم خيارات جديدة وبدائل  معقولة , انطلاقا من تصورات فكرية  محضة

محمد بونوار من المانيا
كاتب واعلامي