قراءة في العدوان على غزة

التصنيف : فلسطين (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
كشف العدوان الاسرائيلي الحالي على قطاع غزة اموراً كثيرة يمكن اعتبارها تجديداً جوهرياً في مسيرة تاريخ هذه المنطقة ، من هذه الأمور نذكر :-
– بعد هذا العدوان والاعتداءات التي سبقته بات مستحيلاً هزيمة مقاومة وطنية شعبية تعاني من الاستبداد والاحتلال ، فأمريكا بكل جبروتها فشلت بالقضاء على المقاومة الوطنية في فيتنام والعراق ، ولا زال جرح تداعيات هزائمها ينزف حتى اليوم ، هذا ما فعله الشعب الجزائري عندما صمم على كنس الاحتلال الفرنسي ، كان هذا  أيضاً حال بريطانيا في جنوب اليمن والبرتغال في انغولا والأمثلة كثيرة .
اما المقاومة اللبنانية فقد اصبحت مرجعية في النضال والاصراربعد أن افشلت كل المخططات الاسرائيلية بتحويل لبنان الى اردن آخر تسرح وتمرح على أرضه باسم السلام ، والى مصر ثانية ملتزمة حتى النخاع بتركة السادات ، مفرّطة بكرامة الأمة العربية كاملة ، وكرامة الشعب المصري .
رغم  هذا التاريخ الحافل لجميع فصائل المقاومة لكن اسرائيل لم نأخذ العبر من هذا التاريخ ، لأن عنصرية قادتها مرتبطة بجشعها المادي واوهام توراتية لم يعد احد يذكرها سوى قادتها ، فالاحتلال بالنسبة لها قدراً سماوياً ومردوداً اقتصادياً لا حدود له .
كشف هذا العدوان بان المقاومة في قطاع غزة التي تتكون من سبعة عشر فصيلاً قفزت قفزات نوعية وكمية مما كانت عليه في الماضي القريب ، فمن بقايا الأسلحة التي تركها جيش التحرير الفلسطيني قبل حرب 1967 وما تركة الجيش المصري ، الى صناعة قذائف القسام البدائية التي كانت ترتد في كثير من الحالات على من يطلقها ، الى تحويل قطاع غزة الى قلعة صامدة معقدة مليئة بترسانة من الاسلحة الى قوة صاروخية اذهلت السلطات الاسرائيلية والانظمة العربية قبلها ، ومنها الى الاسلحة الالكترونية بتسيير طائرات بدون طيار مزودة بالصواريخ .
لقد استطاعت المقاومة الفلسطينية من تغيير استراتيجية الحرب مع المحتل، ففي الماضي القريب كانت اسرائيل تنقل الحرب الى اراضي الدول العربية التي تهاجمها ، لكن المقاومة الفلسطينية ومن قبلها اللبنانية استطاعت تحويل غالبية اسرائيل الجغرافية والاقتصاد الى ساحة للقتال .
– ما كشفته هذه الحرب ان حكومات حزب العمل والليكود المتلاحقة لم تلتزم بما قاله رئيس وزراء اسرائيل بن غوريون : بانه يتوجب على اسرائيل ان تخوض حرباً كل عشر سنوات مهما كانت تكلفتها ، لكن هذه المدة التي حددها بن غوريون لم تعد تشبع غرائز وشغف مصاصي الدماء وهواة قتل اكبر عدد من العرب عامة والفلسطينيين خاصة .
نذكر بانه من سنة الفين حتى اليوم قامت اسرائيل بخمسة حروب متلاحقة قتلت خلالها آلاف اللبنانيين والفلسطينيين  آخرها العدوان الأخير ، ما يميز هذا العدوان حالة التخبط والادعاءات الكاذبة وخداع المواطنين والعالم بمصداقية عدوانها ، فالقيادة العسكرية والسياسية تتخبطان تخبط الناقة العشواء ، لولا ذلك لما اعتبروا مساكن المواطنين العزل والمساجد والمركبات والدراجات الهوائية وبعض الحيوانات اهدافاً عسكرية ، لقد اعدموا اسراً كاملة من الاطفال والنساء، لم يميزوا بين الطفل والمقاوم ، من العائلات التي اعدم غالبية افرادها نذكر عائلة كوارع والبطش ، عدا عن المجازر مثل مجزرة صلاة التراويح حيث قتل داخل الجامع 18 مصلي ، مجزرة المونديال حيث قتل في مقهى 12 شابً كانوا يشاهدون مباريات كأس العالم .
– الأمر الآخر الذي كشفه هذا العدوان بأن غالبية الشعوب العربية مع انظمتها ما هم سوى ظاهرة صوتية ، وبأن ما سمي بالربيع العربي لم يوقظهم ، ولم يعمق من انتمائهم لقضايا وهموم شعوبهم ، كما ان هذا الربيع ادى الى تراجع بدعم القضية الفلسطينية ، وأكد بأن الجامعة العربية التي فرطت بفلسطين لم تتردد بالتفريط في العراق وفي ليبيا وفي لبنان وفي سوريا ،  وهل يهمها تدمير غزة ؟؟
أكد هذا العدوان بان الربيع العربي لم يحرر غالبية الأنظمة العربية وقطاعاً كبيراً من شعوبها من بيت الطاعة الامريكي ، كما ان هذا الربيع وثق العلاقات اكثر مع اسرائيل وغالبية الانظمة العربية باستثناء سوريا المقاومة ، زاد هذا العدوان من تعرية مصر في عهدها الجديد بقيادة السيسي ، فبقيت مصر الوسيط وليست مصر الشريك في الدفاع عن قضايا الشعوب العربية وصد العدوان خاصة ضد الشعب الفلسطيني ، هذا العدوان كشف هذا  الرجل وكشف فرعونيته وبأنه لا يملك أي مخطط يهدف الى اقامة مشروع قومي عربي ينهض بهذه الأمة ويحررها من التبعية السياسية والاقتصادية ثبت – حتى الآن – بأنه لا يستطيع التحرر من بيت الطاعة الامريكي ، لأنه تتلمذ عسكرياً وسياسياً داخل هذا البيت ، ان عداءه للاخوان المسلمين جعله يفقد اتزانه ويفقد البوصلة التي حصل عليها من شباب ثورتين متتاليتين في مصر ، ان فلسطين هي المقياس وهي ميزان العدل في المواقف الوطنية لكل زعيم عربي .
منذ ان بدأ العدوان اعلنت السعودية بأنها تحمل حركة حماس مسؤولية هذه الحرب ، هذه كانت اشارة ايضاً للسيسي باتخاذ موقف مشابه لموقف السعودية ، فاكتفى بالصمت ورفض فتح معبر رفح رغم مرور خمسة ايام على بداية العدوان ، هذا الموقف يذكرنا بموقف مشابه له من السعودية ومصر ومبارك مع بداية العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006 وكما اعتادت وسائل الاعلام الاسرائيلية الكشف عن تواطؤ العديد من القادة العرب معها عشية كل عدوان ، فقد ذكرت صحيفة يسرائيل هيوم بأن رئيس مخابرات السيسي زار تل ابيب عشية العدوان على غزة ، مما يذكرنا بزيارة ليفني للقاهرة عشية العدوان ايضاً على غزة عام 2008 ، اكثر من ذلك فان السيسي ووزراة الاعلام في حكومته لم تعمل على وضع حد لحالات التشفي بالفلسطينيين من قبل افاعي اعلامية مصرية اطلت من جحورها تتهم الفلسطينيين في غزة بالتآمر على مصر وبأن حماس والجهاد يسعيان لإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة وشمال سيناء . ان احداً لا ينسى بان قيادة حماس السياسية بقيادة خالد مشعل هي المسؤولة عن المساهمة في عزل هذه الحركة سياسياً لأن هذه القيادة زجت نفسها في تحالفات اقليمية هي ليست بحاجة اليها ، لكن هذا ليس مبرراً للتشفي والوقوف مواقف متخاذلة ، لأن حماس ليست قطاع غزة بكامله ، ولأنه يوجد زعماء مخلصون داخل حركة حماس رفضوا التوجه السياسي لحركتهم .
– الأمر الآخر الذي كشفه هذا العدوان هو تعرية سلطة عباس القابعة في رام الله أكثر ، وأكد بأن الصهيونية العربية اكثر شراً من الصهيونية اليهودية ، وكشف بأن المصالحة كانت لعبة قام بها عباس بمواقفة امريكية سعودية لنزع شوكة حماس ، خاصة من خلال هذا العدوان فيضطر الى الاستنجاد بالرئيس عباس عندها يدخل غزة الخاضعة المدمرة ، كما فعل عملاء امريكا في العراق مثل المالكي والشلبي والسيستاني والجعفري وغيرهم .
جاء هذا العدوان ليجد ان سلطة رام الله قد اختطفت منظمة التحرير بإموالها وصادرت القرار الفلسطيني ، كما انها ساهمت في خلق جيل فلسطيني داخل الضفة الغربية ومخيمات الشتات مشابهاً للأجيال التي صنعها السادات وخليفته مبارك والاجيال التي صنعها حكام الاردن في عمان ومثلهم في تونس والمغرب وغيرها من الاقطار العربية ، اجيالاً غارقة في التيه و الضياع والنسيان واليأس والاستسلام ، اين الاحتجاجات في ميدان التحرير يا قادة ثورتي يناير ويونيو في مصر ؟ اين هذه الاحتجاجات في مدن الضفة الغربية وريفها ؟ اين الاحتجاج في مخيمات الشتات في الاردن ولبنان وسوريا ؟؟ لقد استغل محمود عباس اتفاق اوسلو لتدجين ابناء الشعب الفلسطيني ، كما دجن كامب ديفيد قطاعاً كبيراً من ابناء الشعب المصري ، ووادي عربة الشعب الاردني باسم السلام .
أكد هذا العدوان بان سلطة عباس وجماعتها لم تعد السقف والبيت والجامع للشعب الفلسطيني وفصائله المسلحة ، هذه السلطة تتكون من قادة المصادفة وانتهاز الفرص ، لم تجد من يحاسبها على تعاونها مع اسرائيل ، فأصبحت طرفاً بالتآمر على المقاومة ، كما انها لم تترد من وضع الشعب الفلسطيني رهينة بأيدي اسرائيل وبأيدي جامعة الدول العربية .
كل الدلالات تشير بأن ابا مازن قد كحل مواقعه الانفرادية المتخاذلة مع السيسي ومع امريكا واسرائيل بالإعلان عن مشروع لوقف اطلاق النار دون الرجوع الى قادة الميدان السياسيين العسكرية في قطاع غزة ، الهدف من هذا التجاهل هو اذلال فصائل المقاومة في القطاع لمصادرة ما انجزته من انتصارات كي يلوح ابو مازن ومن حوله ، وكي يلوح بها السيسي ولكي تثبت بأن نتنياهو رجل سلام اياديه غير ملطخة بدماء ضحايا عدوانه .