التصنيف : دراسات (:::)
أ. د. حسيب شحادة-جامعة هلسنكي (::::)
أنشر هنا، للمرة الأولى، تسبيحتين عربيتين منسوبتين للمغربي البهلول بناء على خمسة عشر مرجعا أساسيا، ثمانية مخطوطات سامرية، ومخطوط عربي متوفّر في مكتبة جامعة الملك سعود وستة نصوص على الشبكة العنكبوتية. لغة التسبيحتين قريبة من العامية أكثر من الفصحى، وتليهما ترجمة إلى العبرية فملخّص لسماتهما اللغوية. التسبيحة الأولى عنوانها “هذه زهدية مغربية” وتتلى على نغم لا إله إلا الله اشهد يا قوم، وفيها مائة وبيتان من الشعر، أما التسبيحة الثانية فلا تحمل عنوانا وتضم ثمانية وتسعين بيتا من الشعر وفق مخطوط مانشستر المعتمد عليه في هذا الإصدار وتتلى على نغم قم واقصد الرب قبل انقضاء عمرك.
هذا المخطوط JRUL Sam. No. XIV محفوظ في مانشستر وقسمه القديم المحتوي على التسبيحتين، نسخه عبد الله بن مرجان عام ١٧٢٣. قارنت هذا المخطوط بثلاثة مصادر سامرية أساسية: مخ. ٧٠١٩ في مكتبة يد بن تصڤي في القدس الغربية، نسخه كامل آل إسرائيل السراوي سنة ١٩٣٠، وأشرت إليه في الحواشي باللفظة: القدس. المصدر الثاني هو كتاب التسابيح الذي نسخه الكاهن الأكبر، ناجي بن غزال، عام ١٩٢٧ وهو محفوظ في مكتبة شخصية على جبل جريزيم وأشرت إليه هنا بالاسم: ناجي. المصدر الثالث، هو كتاب التسابيح المعروف لمعدّه وناشره المرحوم راضي صدقة ورمزت إليه بكلمة: راضي. كما واستعملت أربعة مخطوطات سامرية أخرى ناقصة أشرت إليها بالأسماء: سلامة، يوسف، قطقوط ومرجان وهي موجودة في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ.
تتطرق التسبيحة الأولى لثيمات مثل: وحدانية الله وخلق العالم؛ الثواب والعقاب؛ تأنيب أعضاء في الجسم لانحرافها عن جادّة الصواب؛ دعوة الإنسان إلى التعقّل؛ الحثّ على طلب العلم والإحسان للجار واليتيم؛ طلب المغفرة والتسليم على كليم الله.
التسبيحة الثانية رائجة في المغرب وخارجه ووصلت مثلا إلى نيويورك، وتُتلى في الموالد وهي من قصائد الملحون وتعرف بالاسم “القصيدة الفياشية”، وهي منسوبة للولي الصالح سيدي عثمان ابن يحيى الشرقي المكنّى بالبهلول الشرقي، الذي عاش في القرن السادس عشر في عهد الدولة العلوية. هنالك كوكبة كبيرة من المنشدين لهذه القصيدة داخل المغرب العربي وخارجه. قارنتُ أيضا نصَّ هذه التسبيحة كما وردت في مخ. مانشستر بستة نصوص موجودة على الشبكة العنكبوتية وأحجام هذه النصوص أكبر مما في المخطوط السامري وقد يصل تعداد الأبيات فيها إلى مائتي بيت ونيّف. هنالك اختلاف بصدد ترتيب ورود الأبيات في النصوص المختلفة. ما أثبته المصطفى وزاع في بحثه بناء على ما جمعه من الحافظين والرواة في منطقة المزاب لم يتوفر لدي للأسف ولذلك اعتمدت على ما نقله عنه عز الدين بن محمد الغزاوي. من ناحية أخرى، أدرجت قراءاتٍ وشروحا مستمدة من مخطوط للبهنسي، المتوفي عام ١٥٩٢، يشرح “القصيدة الفياشية” ويعود تاريخ نسخه إلى القرن الثامن عشر.
من الموضوعات المطروقة في هذه التسبيحة: قدرة الله وحضوره في كل مكان؛ كله خير ونعمته على البشر؛ الفرَج بعد الشدة؛ الاكتفاء بالقليل؛ الابتعاد عن الشهوة هو غنى للنفس؛ لا ترفع الرأس إلا لله؛ من يتضع يرتفع؛ عدم التدخل في شؤون الغير؛ ضد الغيبة والنميمة؛ مكافأة المسيء بالخير؛ العفو عند المقدرة؛ طلب الإيمان من الله؛ الناظم مقصوص الريش وهو بعيد عن مسقط رأسه.
في الواقع، لا علم لي بأي شيء مكتوب عن هذا السامري، “المغربي البهلول”، سوى ذكر هذا اللقب في التسبيحة الأولى، بيت رقم ٩٥. ما اسمه الحقيقي يا ترى؟ لماذا لقّب بهذه الكنية؟ أين عاش؟ متى ولد ومتى توفي؟ أكان سامريا وتأسلم ولماذا )أنظر البيتين ٥١- ٥٢ وقارنهما بـ ٥٤، ١٠٠، ١٠١، ٨٣-٨٨، 89-90(؟ كل ما نعرفه عن هذا البهلول حتى الآن مستمد من هاتين التسبيحتين، أما التقليد السامري الشفوي فيذهب إلى أنه شاعر وفيلسوف سامري عاش في القرن الرابع عشر. تعيين عصره هذا تقرر بناء على مكان إيراد تسبيحتيه في كتاب التسابيح المتوفر لدى السامريين. يقينا من المحتمل البعيد إدراج أشعار لغير السامريين في كتاب تسابيح يستخدمه السامريون في مناسباتهم الدينية إلا بعد إزالة كل ما يشي بعقيدة أخرى. يعتقد المرء عادة أن عبارة “خاتم المرسلين” هي حكر على المسلمين ولكن وجدنا أن معناها لدى السامريين هو موسى كليم الله كما ورد في شعر حسن آل فرج آل يعقوب صدقة الصباحي. من الواضح أن المغربي البهلول كان سامريا وربما تأسلم أو تظاهر بالإسلام في فترة ما، هو أو أحد أجداده في مصر مثلا، إذ لا علم لنا بتواجد سامري في المغرب. هنالك أسطورة سامرية شفوية واحدة، على الأقل، حيث يكون البهلول المغربي فيها، شقيقا للخليفة هارون الرشيد، ورويتها هنا.
بناء على التسبيحة الثانية الشهيرة عربيا بـ “القصيدة الفِيّاشية” والفياش يعني المتكبر، ناكر الجميل، يمكن التوصل إلى هذا الاستنتاج: البهلول المغربي، ذلك المملوك الذي كان قلبه كله في الشرق وهو في الغرب غريب )بيت 91(ليس ناظم هذه القصيدة إنما الناظم الحقيقي هو الولي الصالح، سيدي عثمان بن يحيى الصوفي المعروف بسيدي امحمد البهلول الشرقي وقد عاش في القرن السادس عشر. أية مقارنة خاطفة بين نص التسبيحة الثانية المنسوبة للبهلول المغربي السامري بالقصيدة الفياشية للبهلول الشرفي العربي المراكشي توضح، بما لا يدع مجالا للشك، أن كلتيهما واحدة في الأساس، اللهم باستثناء حذف الكثير من الأبيات وتغيير طفيف هنا وهنا لإضفاء سمات سامرية عليها مثل الاعتقاد بجبل جريزيم وموسى كليم الله. أما التغيير الجوهري فيبقى حذف اللازمة: اللهم صلّ على المصطفى حبيبنا محمد عليه السلام. تتسم التسبيحة الثانية بسمات لغوية مغربية بارزة مثل صيغة “آنَ نَهْدَر” (أنا أتكلم، حْنَ نْهَدْرو = نحن نتكلم) وفي المفردات مثل: عْلاش أي لماذا، أش أي ماذا، باش أي لكي، حتى؛ زيد = وُلد. أضف إلى ذلك أن جزءً من القصيدة الفياشية، قرابة الأربعين بيتا، بدون إشارة إلى نغم معين لتلاوتها، مدرجة في كتاب التسابيح لراضي صدقة بدون الإشارة لناظمها وقل الأمر ذاته بالنسبة لعدة مخطوطات سامرية محفوظة في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ كما بيّنتُ أعلاه.
صفوة القول، إنّ المغربي البهلول هذا قد عاش في الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر وما وصلنا من نتاجه تسبيحة واحدة أو زهدية واحدة لا غير، أما التسبيحة الثانية المنسوبة إليه فهي، في الواقع، مأخوذة بتصرف واضح من “القصيدة الفياشية” الشهيرة في المغرب وهي لسيدي عثمان المكنّى بالبهلول الشرقي.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

