زوجة (سبير)

 

التصنيف : دراسات (:::)
بقلم : رافد علاء الخزاعي – العراق
دخل العيادة برفقة زوجته وهو يتكىء على كتفها وكتف ولدهما الكبير وابتدأت  بالكلام والشكوى  :دكتور صارلنا اسبوعان ننتقل بين طبيب وطبيب وحالة زوجي المرضية في تدهور…
قلت لها مرحبا ومخففا لقلقلها الواضح من تلعثم لسانها واندماج كلماتها السريعة تفضلي بالجلوس وسنتحدث ولدينا متسع كبير من الوقت لنفهم الشكوى المرضية ونفحص المريض الشاحب اللون والكثير السعال والمرهق من تسارع النفس والنبض في ان واحد…..
سالت المريض ماهي الشكوى المرضية  ….
اجابني بكلام يقطعه مرات سعال متكرر وبعضه لهاث  ورغم حالته فانا متعود دائما  ان اسمع الشكوى من المريض مباشرة لانها ستعطيني تفاصيل كثيرة وتعطيني مفتاح الحل نحو التشخيص السريع للحالة .. هكذا دربني استاذي في الكلية الدكتور مريوان والدكتور هاشم الموسي اطال الله في عمريهما واستمر تدريبي على يد استاذي ومعلمي ومن وضع لي لبنات الطريق في الفحص والتشخيص .. العميد الطبيب نجم عبدالله في مستشفى القوة الجوية وايضا الدكتور البارع ابن ميسان الحبيبة اللواء الطبيب صباح ميخائيل واللواء الطبيب احسان الشماع كانوا يؤكدون على تدريبنا ان التشخيص يكون عبر التاريخ المرضي وان 95% من التشخيص يعتمد على الفهم الصحيح لقصة المريض وبداية مرضه مع الاهتمام بالخلفية العلمية وتقاطع معلومتها مع قصة المريض وهكذا تدربنا دوما ان النظرة الاولى والتشخيص الاولي هو المفتاح في العلاج والشفاء……
اكمل المريض قصته قائلا دكتور ان صحتي جيدة ولم اعاني من امراض مزمنة  ولكن قبل ثلاثة اسابيع ابتدأت قصتي مع سعال  وحمى متناوبة ومصحوبة بافرازات بلغمية متفاوتة اللون بين الابيض والاصفر والاخضر علما اني لم ادخن او اشرب في حياتي وقد تم تشخيصي الاولي لدى طبيب زرته انه التهاب رئوي وصف لي مضادات حيوية وشراب مقشع وحبوب خافضة للحرارة ولكن ساءت حالتي بعدها لانها تطورت الى صعوبة في التنفس وضيق مشابه للربوا مما اضطررت الى مراجعة طبيب اخر وصف لي هذه البخاخات الموسعة للقصبات الهوائية غالية الثمن دون ان يدربني على استخدامها ولكن حالتي ساءت اكثر واكثر لانها اضافة لي علامات التقيؤ وفقدان الشهية لطعام وحمى عالية وقد ساورني الشك وطبيبي اني مصاب بالتدرن او السل الرئوي ولكن الفحوصات لم تثبت ذلك وهكذا اصبحت لا استطيع السير وحدي الا بمساعدة زوجتي وابني….
قلت له ماهو عملك وهل سافرت الى خارج العراق وهل لديك طيور او حيوانات في البيت …..
اجابتني زوجته وهي قلقة جدا وتساورها الشكوك والظنون بمرض زوجها : نعم دكتور هو تاجر ملابس وكثير السفر للصين وعندنا ببغاء في البيت…..
سالته هل لديك اسهال او الم في البطن او اعراض اخرى غير التي ذكرتها قال كلا  دكتور….
هل لديك حساسية دوائية او هل صبغتم بيتكم حديثا او تعرضت لابخرة متصاعدة او تناولت اعشابا صينية……..
اجابني لا دكتور…….
هل اجريت عملية جراحية سابقا او تشكو من مرض اخر……مثل حساسية جلدية او حساسية في الانف……
اجابني لادكتور لم اجر اي عملية سابقة ولكني اعاني من حساسية في الانف…….
وبعدها اجريت الفحص السريري على المريض وكان  نبضه سريعا 110 نبضة بالدقيقة وسرعة التنفس 33 بالدقيقة وضغط  الدم الشرياني طبيعي وحرارته 38.5 درجة مؤية ومن الفحص للصدر والبطن تبين انه يعاني من نوبة تنفسية حادة مشابه للربو وبعد اكمال الفحص قلت لزوجته انه بحاجة الى دخول المستشفى……
قالت نعم نحن حاضرين لاي تكاليف ونريد مشفى خصوصي…..
قلت لها يمكن نحناج الى العناية التنفسية المركزة وهي غير متوفرة في مستشفيات العراق الخاصة في الوقت الحاضر …..
قالت لي دكتور توكل على الله في علاجه واذا احتاج عناية  تنفسية مركزة وقتها ننقله الى المشفى الحكومي……
وهكذا كان تشخيص المريض يساورني بين ازمة تنفسية حادة مثل انفلونزا الطيور او انفلونزا الخنازير او سارس او مرض نادر الحدوث .. اذ خلال حياتي المهنية شاهدت ثلاث حالات  اثنتان منها توفي المريض نتيجة التاخير في اعطاء العلاج بانتظار التحليل وكنت وقتها مقيما  وليس لي الصلاحية التامة في اعطاء العلاج رغم اقتراحي باعطاء العلاج والمريض الثاني شخصت حالته ودخل مدينة الطب وقتها ولم يعطى العلاج لنفس السبب  وتوفي المريض واما المريض الثالث فكان قريبي وكان شابا وبعد الاشتباه بحالته اعطي العلاج السريع وتحسنت حالته لكنه على المدى القريب كان بحاجة الى اجراء عملية زرع كلية وتم زرع الكلية له مرتين وتوفي بعد اثنتي عشرة سنة من تشخيصه.
وهكذا هو الحال مع مريضنا هذا فقد وضعت كل رهاني التشخيصي على انه مرضchurchstraws syndrome وهو مرض مناعي يسبب ازمة تنفسية حادة تصاحبها بعض الاحيان التهاب كلوي حاد سريع يسبب عجزا كلويا حادا ومزمنا وان التشخيص السريع للمرض وبدء العلاج في الوقت المناسب يؤدي الى استقرار حالة المريض وشفائه ويطلق عليه تسمية متلازمة شيرغ ستروس المعروفة أيضا باسم ( الحساسية الحبيبية) وهي التهاب الاوعية الدموية الانضدادي (المناعة الذاتية) في الأوعية المتوسطة والصغيرة، ويؤدي إلى تنخر الاوعية  الدموية والانسجة أنها تشمل أساسا الأوعية الدموية في الرئة مسببة ازمة رئؤية تنفسية حادة مشابهة لازمة الربو الحاد وفي بعض يمتد التنخر الى الجهاز الهضمي والاعصاب المحيطية والاوعية الدموية الشعيرية في الكلية ولكن تؤثر أيضا على القلب والجلد والكليتين. وهي من الأمراض النادرة غير القابلة للوراثة وغير المنقولة. اعتبرت متلازمة شيرغ ستروس ذات مرة نوع التهاب الاوعية الدموية العقدي(polyarteritis  nodosa) ولكن في هذا المرض يكون من اعراضه ارتفاع ضغط الدم الشرياني الحاد وهو يكثر في المرضى الحاملين لفايروس الكبد الوبائي نوع ب B, وان متلازمة شيرغ ستروس قد وصفت هذه المتلازمة لأول مرة لأول مرة من قبل الطبيبين يعقوب شيرغ ولوت شتراوس في مستشفى جبل سيناء في نيويورك عام 1951 م.
هذا المرض له ثلاث مراحل متميزة:
المرحلة الأولى غالبا ما تشمل الجيوب الأنفية وظهور الحساسية لم تكن موجودة مسبقا أو تفاقم الحساسية الموجودة مسبقا.
تتضمن المرحلة الثانية ظهور الربو الحاد. وفي العادة، فإن الشخص المريض لا يكون لديه في السابق مرض الربو القصبي .
المرحلة الثالثة والأخيرة تتضمن أجهزة الجسم المختلفة. المرحلة الثالثة أكثر تهديدا للحياة وايلاما إلى حد بعيد. وغالبا ما تتطور الى آلام عصبية شديدة للشخص المريض في الساقين والذراعين واليدين. وسوف تظهر علامات بنفسجية على الجلد وغالبا ما تظهر القروح في الفم أو الأنف. يمكن أن يؤثر المرض على القلب والرئتين والكلى والكبد والجهاز الهضمي.
يستطيع الناس العيش لسنوات عديدة في المرحلتين الأوليتين قبل التقدم إلى المرحلة الثالثة.
ان السرعة في التشخيص واعطاء العلاج في الوقت المناسب قد توقف تطور المرض وتعطل تقدمه الى مراحله النهائية ولكن المشكلة ان نتائج التحليل في العراق وبعض الدول يحتاج الى ايام قد تصل الى عشرة ايام لحين ظهور النتيجة وبعض الاحيان نضطر الى ارسال عينات الدم الى الاردن  ومختبراتها للحصول على النتيجة وهذا يشكل تحد للطبيب المعالج في اتخاذ القرار والمغامرة في بدء العلاج اعتمادا على حدسه وتشخيصه السريري.
ان التشخيص المختبري يعتمد على ايجاد الانكا وهذه الانكا ليس لها علاقة بحضارة الانكا في امريكا الجنوبية وهي تشمل عاملين تشخصيين هما كناكا والبنكه وعندما شرحت هذه العوامل لاهل المريض ذهب ابنهم مسرعا لتفليش البنكة في سقف القاعة في بيتهم معتقدا انها السبب وان الببغاء دائما يتوقف عليها في حال انطفاء الكهرباء الوطنية وانتظار كهرباء السحب  ولكني شرحت له ان الكنكا هي c-ANCA (الأجسام المضادة الهيولية المضادة للخلايا الحبيبة العدلة) وهذه المضادات المناعية تظهر في مرض فنغر وهو مرض ايضا يسبب تنخر الاوعية الدموية والانسجة وخصوصا الانسجة الغضروفية في الانف  والقصبات الهوائية ، في حين ان شيرغ ستروس يظهر ارتفاع في حين البنكه p-ANCA (الأجسام المضادة الهيولية المضادة للخلايا الحبيبة العدلة المحيطة بالنواة). وهكذا يكرر ابنه دوما دكتور مو قتلك كلها صوج البنكة مال هولنا صارلنا عشر سنين ما نظيفها وانا اضحك من سخرية القدر الذي وضعت نفسي امام هذا التحدي الصعب في مجتمع يتناسى جهود الطبيب  جميعها في حال فشل الطبيب في علاج المريض او وفاته حتى  لو بذل كل علمه ومعرفته  .
هنا التحدي الاخر بين الضمير لو اني حولت المريض الى مشفى حكومي سيتاخرون في اتخاذ القرار ويمكن ان  يموت وبين تشبث اهله وايمانهم باني استطيع ان اشفيه وهكذا جمعت المريض واخوته وابناءه وزوجته وتكلمت لهم عن المرض ومضاعفاته والاحتمالات الممكنة واحتمالية وفاة المريض والذي تصل نسبة الاوكسجين في الدم  الى 83% وهو يعاني من متلازمته وازمته التنفسية الحادة وهكذا بدأ الخوف يتسرب الى الاطباء المقيمين ومراهنتهم على المغامرة وقرر المريض ان نبد أ العلاج ونرسل عينات الدم الى المختبر وهكذا بدأت باعطاء العلاج من جرعات عالية من الكورتزيون والأدوية المثبطة للمناعة ( الاميوران) وهو علاج مأمون الجوانب من ناحية المضاعفات  وتركت السايكلو فسفومايد كاحتياط  لوقت الضرورة الملحة لان وظائف الكلية كانت جيدة نوعا ما وبدأت العلاج الفيزيائي لتمارين الرئة مبكرا وهكذا بدأ تحسن المريض سريريا بعد اسبوع من بدء العلاج ويدأ بترك الاعتماد على الاوكسجين بعد تحسن نسبة الاوكسجين في الدم وبعد عشرة ايام جاءت النتائج المختبرية تؤكد الحالة  والتشخيص وكانت الزيارات العائلية للمريض في المستشفى والعناية العائلية اللصيقة من ناحية الغذاء بالاعتماد على التمر والحليب والتفاح  كلها عوامل مساعدة مصحوبة بالدعاء وايمان المريض بنجاح العلاج ..بعد عشرين يوما تم خروج المريض للبيت مع الاستمرار على الزيارة الاسبوعية وبعد ستة اشهر تركنا الاستيرويد الذي كنا وصفناه للمريض مع اخذ الاحتياطات اللازمة في منع حدوث قرحة الاثني عشر ومراقبة الضغط اليومي والسكر واعطاء المريض جرعة من جبوب الكالسيوم وفيتامين دي وتم الاستمرار على الاميوران فقط .. وهنا سالني المريض : هل المرض وراثي فقلت له كما اكدت له سابقا انه  من الأمراض النادرة الغير القابلة للوراثة وغير المنقولة ورائيا وهنالك قصص لمشاهير اصيبوا بهذا المرض مثل الموسيقار بن وات  وقد كتب كتابا يحكي قصته مع هذا المرض  وقد تتناول تجربة وات في منتصف 1990 مع متلازمة شيرغ ستروس، وتماثله إلى الشفاء. كانت حالة وات غير عادية حيث أن جهازه الهضمي تأثر بشكل رئيسي، تاركا رئتيه غير متأثرتين إلى حد كبير، وهذا العرض غير العادي ساهم في تأخير التشخيص المناسب. وتطلب علاجه إزالة أجزاء كبيرة من الأمعاء النخرية، تاركا وات في نظام غذائي مقيد بشكل دائم..
وايضا الرئيس النيجيري عمر موسى ياردوا في الفترة من 2007-2010، تواردت التقارير انه يعاني من متلازمة شيرغ ستروس وتوفي في مكتبه نتيجة مضاعفات هذا المرض.
وايضا تم تشخيص مقدم الأغاني المسجلة (دي جي) والكاتب تشارلي جيليت بمتلازمة شيرغ ستروس في عام 2006، وتوفي بعد أربع سنوات.
هنا ضحك مريضي متسائلا ما هي اسوأ الاحتمالات في حدوث المرض قلت له يمكن ان تحتاج الى زرع كلية  في حالة تطور المرض الى المرحلة الثانية والاولى ونحن الان اوقفنا المرض ولكن لانعرف اي محفز يثيره من جديد ويجعله في حالة ثورة .
قال يادكتور انا لا ارغب بان احصل على كلية من احد اولادي او بناتي او اخوتي فهل من حل لديك او اقتراح……
ضحكت وقلت عليك بالزواج من  اخرى تحمل نفس بصمتك الوراثية وعليك ان تسعدها وتعيش في حياة رغدة حتى عندما تحتاج الى كلية اسبير او احتياط ستكون هي المتبرعة لانن  وحسب قراءتي ومتابعاتي ان الكلية الموهوبة بحب وعطاء والمبذولة تعيش اكثر من غيرها ويتقبلها الجسم بصورة حسنة لان الكلية المشتراة من متبرع تكون نفس صاحبها بها  ويمكن ان يرفضهاالجسم  وان اعرف صديقا  تبرع تحتخ بكليته له منذ سنة 1974 ولازالت تعمل بدون مثبطات مناعية ضحكت زوجته وقالت اي تزوجها بس بشرط بس تبتبرعلك طلقها…….
قلت لها بخباثة ومعاتبا أهذا جزاء الاحسان والعطاء ان من حقها المطالبة القانونية باستعادة كليتها وتخلي زوجك بدون سبير اي بدون كلية وهذا ماحصل في الولايات المتحدة الامريكية  حيث طالبت الزوجة المطلقة باستعادة كليتهامن طليقها  .
ان التقدم في علوم الطب  المذهل في زرع  الاعضاء وفي ايجاد  اجزاء من الجسد قطع غيار مثل الكلى والقلب والعيون والسيقان وغيرها من قطع الغيار التي يعكف العلماء على تصنيعها من خلال الخلايا الجذعية  وغيرها من تصنيع كلى ثالثة صغيرة مماثلة للكلية الطبيعية سيجعل العالم والانسان يتمتع بهذه الحياة  التي وهبها لنا الخالق برفاهية وازدهار.