مدينة وغرباء

 
التصنيف : القصة (:::)
قصة : منصور الحجاحجة – الاردن (:::)
جلس أمام منزله على كرسي ، بانت مساميـره المدببـة المعقوفـة مـن ألـواح الخشب المتباعدة المتحركة ، كان يقـرّب قدمه المكسورة مـن الأرض ثـم يرفعهـا حتـى لا مست سطح الأرض ، تحركت ألواح الخشب ، عضـت فخذته ، “وخزه ” أحد المسامير ، قفز ألماً ، ثم عاد ليجلس مجدداً ، كرر الجلـوس والوقـوف مـرات عدة ، مشى خطوة ، خطوتين ، ثلاثاً …
إنها المرة الأولـى التـي يمشـى على قدمه المكسورة منذ ثلاثة أشهر ، ازدادت حركاته ، خطوه، هرولة، عدو ، ركض ….. سمع زوجته تناديه من الداخل : تجاهل نداءها ، أمسك بغصن شجرة ” سنديان ” ، أخذ يقفز إلى أعلـى ثم إلى أسفل ، لم يصدق نفسه ، فَـرحٌ يسري فـي أوصالـه ” يشحـن جسمه الهزيل يجعله أكثر مقاومة للبرد الشديد ، سمع زوجته تكرر مرة أخرى. ركض إليها بسرعة مُحدثاً صوتاً على أرضية الغرفة ، مشى بخطى عسكرية ، توقف أمامها كتلميذ مطيـع ، رفـع قدمـه إلـى أعلـى ثـم ضربهـا على البلاط بشدة ، ابتسم ، راقب انفعالاتها ، نظـر إلى تقاسيـم وجههـا ، كـان كل أخدود من أخاديد وجهها يقوده إلى مجموعـة مـن الأخاديـد . قهقه وقال : – لن احتاج إلى عكاز بعد اليوم . – لن تحتاج أن تبقى فـي البيـت بعـد اليـوم ، لـم يبـقَ معنـا ما يكفينا لشهر واحد ونحن بحاجة إلى خبز ، وصاحب البيت نفـد صبـره ، والله اعلم مـاذا يستجـد ، قالـت عبارتـها هـذه دون اهتمـام . اقترب من مدفأة الحطب ، كانت ألسنة اللهب تمتد عبر الثقوب استخفافاً واستهزاءً بالبرد ، نظر إلى السقف ، ثم قال لها بلهجة لا تخلو من الضعف : – لم أجد العمل في شبابي فكيف أجده في هذا العمر ؟ – لا تقنط من رحمة الله .

– لقد خرجت من (السلط) قبل ثلاثين عاماً إنني بحاجة إلى من يأخذ بيدي . -ألم تخبرني أن لك أصدقاء في المدينة ؟ – نعم .ولكن عندما كنت قي الثانوية ، وهل أضمن وجودهم ؟ – توكل على الله يا رجل .

ارتدى معطفاً ” كالحاً ” وانطلق باتجاه قلب مدينة السلط، عبر الشارع الممتد من مثلث الصوانية والذي يتعرج كأفعوان خرافي إلـى أن يصــل مقهـى” المغربي” حيـث شجـرة ” الكينياء ” الباسقة . تخيّل كيف انه يجد المقهى غاصاً بأصدقاء الطفولـة ، كـم قبلـة سيتلقـى هـذا الوجه الخشن الشعور ، وكم فنجاناً من القهوة سيشرب ، وقد خطـر ببـالـه أمر لـو دعـاه أحدهم للغداء ؟ هل سيقبل دعوته أم يرفض ؟ أخذ الثلج يتساقط ، يتوزع على الكائنات ، الطريق تكتسي باللون الأبيض ، أغصان الأشجار تنحني ساجدة ، قشعريرة تسري في جسده ، سرواله يلتصـق علـى فخذيه ، معالم جسده الداخليـة تبـرز، يرتجـف كقشـة في مهـب الريـح لكنـه لم يعبـأ فكـأس شـاي أو فنجـان قهـوة مـن مقهـى (المغربي)يعيــد لجسده ما فقده من حرارة . ضاعف سرعته ، وصل إلى شجرة ” الكينياء ” كانت وحيدة كوحدتـه ، جلـس إلـى ساقـها كـم من ذكريـات لـه فـي هـذا المكان ، سأل أحد المارة عن المقهى فأرشده إليه ، جلس على كرسي خشبي إلى جانب الزجاج المطل مباشرة على الشارع العام .أخذ يتفحص الوجوه ، كانـت وجـوه غريبة بالنسبة له ، جاء إليه ” النادل ” سأله بلهجة غريبة ؟ – ماذا تريد؟ – فنجان قهوة . – كيف تشرب قهوتك ؟ – مرّة . – تفضل ” يا باشا ” . – شكراً . – هل تريد شيئاً آخر ؟! . – لا . ولكن أريد أن أسألك سؤالاً . – تفضل. – هل يتردد إلى المقهى شخص أسمه ” محمد سعيد” ؟ – لا. – يوسف خليل ؟! -لا. – كم يوماً لك في هذا المقهى ؟! – ردّ النادل باستغراب.

– بـل قـل ؟! كم سنة ، يبدو أنك غريبٌ . شعر محمود أن اليأس ارتشف ما بقـى لـه مـن أمـل في العثور على عمل ، فيـدٌ غريبة قدمـت لـه القهـوة ، ويـد غريبـة قدمـت لـه المـاء ، ويـد غريبة قدمـت له الكرسـي ، وأخيـراً فهـو الغريـب عـن بلـده؟؟ استجمع قواه ، ثم غادر المقهى، ، اتجـه عبـر شارع ” الإسكافية ” ليصلح نعله ، أخرج عشرين قرشاً ثم سأل ” الإسكافي “: – كم تريد ؟! – نصف دينار ، قالها بلهجة غريبة . – صدقني لا أملك سوى عشرين قرشاً . وقع بينهما شجارٌ حتى تدخل أحد الجالسين وأنهى النـزاع بينهمـا ، انتعـل حذاءه ثم سار في الشارع وهو يتأمل الواجهـات العاليـة ، اللافتـات،الإعلانات الإستهلاكية ، أسماء الشوارع ، المقاهي ، لم تعـد الأسمـاء كمـا كانت .